سياسة وتاريخ

الإشكاليات المجتمعية: الوجه الخفي للحرب اليمنية

بعيدا عن سطحية المحللين السياسيين عبر القنوات الإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي عن الحرب في اليمن، ومحاولة قراءتها بشكل مبتور دون الحفر في الجذور (وإن وجدت دراسات مقتضبة تقرأ الوضع من جانب أحادي وممسوخ) ومحاولة قراءتها قراءة سياسية محضة، دون الالتفات لغيرها من المسببات والتفاعلات.

مهم جدا أن ندرك في الوقت الذي تتحرك فيه قوات المتنازعين تجاه منطقة ما، كان قد سبق تقدمهم إشكاليات مجتمعية عجزت الدولة عن حلها أو تغافلت عن حلها، وعلى الرغم من فورية الحلول المستندة على الأعراف القبلية الا ان الإحن والأحقاد لم تخمد من تحت الرماد، فما ان تجتاح قوات المتنازعين منطقتهم حتى تبعث النيران من تحت الرماد ، وينضم احد أطراف المجتمع لاحد أطراف النزاع، وكلاً مستغل للسلطة فيبدأ الصراع والحرب المؤسفة والتي تخفي من ورائها إشكاليات مجتمعية تعتم عليها أطراف النزاع لتصف عبر وسائل اعلامها ان المجتمع البطل لصفها وقضيته قضيتها!

ينقل مؤلفي كتاب الحروب والحضارات عن الخبير العسكري البلجيكي الجنرال “وانتي” قوله : ” إن الحرب واقع اجتماعي يستمد قواعده العميقة من طبائع الشعوب نفسها ومن بنيتها السياسية وتنظيمها الاجتماعي والاقتصادي ” (ص334)

فالحرب اليمنية ليست خارج اطار هذا الاقتباس، وعواملها كامنة في المجتمع ذاته. والمقالة ستحاول إبراز طرف الخيط لإشكاليات مجتمعية لم تجد الحلول الجذرية لتتفاقم وتصبح احد عوامل الحرب الخفية في اليمن.

الإشكاليات المجتمعية وموقف الدولة منها

    الإشكاليات المجتمعية ليست بغريبة على أي تجمع سكاني بدوي أو حضري، على اختلاف مسرح جغرافية كل مجتمع، ولكن إشكال الإشكال هو عدم إيجاد حل لهذه الإشكاليات، والتي تتفاقم امام مرمى أعين السلطة دون إيجاد الحلول، وقد يحلو للسلطة مراقبة الإشكاليات التي تغرق القبيلة والمجتمع مما يشغلها ويدع الدولة التي بالكاد تتجاوز سيطرتها على المدن بسبب تباينها الديموغرافي ترتع وتلعب.

إن اختار المجتمع اللجوء للدولة لحل اشكالياتها عن طريق المحاكم يسبب الأرق والوهن والاعباء المادية بسبب طول المدة التي تقبع فيها القضايا في سراديب المحاكم وتؤجل من وقت للآخر دون إيجاد حل، وكما يقال “حبل المحاكم طويل”، وهذه المحاكم الحديثة التي دخلت في العهد الجمهوري لم تستطع التفوق على احتكام الناس للنظام والأعراف القبلية، مما يدفع المختصمين اللجوء للحكم القبلي والذي على الرغم من فورية حلوله إلا أنها لا تصمد فسرعان ما تنحل في حين واتت المختصمين الفرصة، والحرب الراهنة كانت الفرصة.

وكهذا سجلت الدولة موقفا سلبيا تجاه حل الإشكاليات المجتمعية والتي كانت احد عوامل تأجيج نار الحرب في اليمن.

الإشكاليات: أشكالها وأسبابها    

     لا أعتقد أن المجتمع اليمني يختلف عن بقية من في البسيطة من ناحية اشكال الإشكاليات المجتمعية، وخاصة البلدان العربية لتشابه وتقارب الثقافة والبيئة ، وقد تفاقمت الإشكاليات في اليمن بسبب الموقف السلبي من السلطة تجاهها، وبسبب تعقد الجغرافيا وتشعبها مما كان احد عوامل اختلاف المجتمعات وتشاكسهم، ويمكن على سبيل المثال لا الحصر تعديد اشكال الإشكاليات واسبابها كالتالي:

إشكالية الإرث

تنتشر في المجتمع اليمني بشكل بارز وملحوظ إشكالية الإرث وقد تصل نزاعات الورثة للمحاكم ، كنزاع الاخوة وبني العمومة والخال مع أبناء اخته، حيث يرفض كثير من أبناء المجتمع اليمني توريث المرأة بحجة ذهاب أموال العائلة لخارجها! وغيرها من الحجج المستندة على العرف القبلي.

الصراع على الأراضي وتحديدها 

للأرض لدى الانسان اليمني مكانة مهمة لا اقتصاديا فقط بل قبليا واجتماعيا ، وصراع الأراضي لم يقتصر على البدو بل طال الحضر في ظاهرة ممسوخة وموسومة بالتوسع السريع والمريب في مدينة كصنعاء ، مما ادخل المجتمع في دوامة صراعات متسارعة يقف من ورائها المتنفذين مما عزز الظلم وعدم إيجاد الحلول ، وكانت الحرب وتقمص رداء السلطات الجديدة احد أوجه الصراع على الأراضي وتحديدها.

الصراع حول مصادر المياه 

شكل الصراع حول مصادر المياه في البدو احد أوجه النزاعات المجتمعية ، خاصة وان اليمن المعتمدة على الامطار الموسمية والسدود باتت تشهد منذ عقدين شبح الجفاف ، وذلك ما كان من خلال جفاف بعض الابار والغيول ، والصدامات حول المياه قد تطال افراد في مقابل افراد ، وقرى في مقابل قرى ، وقبيلة في مقابل قبيلة ، وكان ابرز تلك النزاعات التي نشبت ما بين قريتي قراضه والمرزح في جبل صبر التابع لمحافظة تعز حول المياه ، وعلى الرغم من تدخل الدولة وإيقاف الحرب بين القريتين الا ان الحل لم يكن مرضيا لكليهما ، فلما كانت الحرب الحالية انخراط أبناء القريتين فيها مستغلين أسماء الأطراف المقتتلة لتمنح لهم السلطة التي تخول لهم الانتقام، وذلك سبب الكارثة للمنطقة ككل.

الثأر 

أصبحت هذه الإشكالية متجذرة في المجتمعي القبلي اليمني، مجتمع لا يولي سلطة الدولة اهتماما بسبب عجزها عن إيجاد الحلول، ويقدم الطاعة لسلطة دولة القبيلة، فالثأر قد يأتي على هيئة أخرى في هذه الحرب ، هيئة السعي لمحاباة السلطة الجديدة والتي من خلالها يتم تحقيق ذلك، بل قد يثأر احدهم لنفسه ويفر للطرف الآخر حتى لا يقبض عليه ، فيشيع من ثأر منهم انه كان جاسوسا لقوات العدو.

إشكاليات الجيران والاقارب 

لا يعاب على مجتمع ما وجود إشكاليات بداخله، فوجودها اصبح من البديهيات في تفاعلات الحياة اليومية، ولكن الكارثة في عدم إيجاد حلول جذرية وسريعة، مما يسبب تراكم الأحقاد ما بين المتنازعين، وكلا يعد للآخر العدة متحينا للفرصة، فالحرب كانت انسب توقت.

حروب أهلية قبلية 

لا يخفى على أحد كثرة الحروب الاهلية القبلية في اليمن، وقد استغلت القبائل تغير السلطات، فكلا يسعى للتقرب من السلطة التي من خلالها يمكنها كسب الثروة وتعزيز السلطة والتي من خلالها قد يبعث الثأر القديم، ويتم استغلالها والانتقام باسمها.

تعد هذه أبرز المشاكل الطافحة في المجتمع اليمني ، ولا اعتقد انها تختلف كثيرا عن المشاكل المجتمعية في بعض البلدان العربية، دون اغفال اشكاليا أخرى اكثر وضوحا مما ذكر كالحزبية والطائفية والمناطقية والإثنية ، إلا ان الإشكاليات المذكورة الأكثر شيوعا.

   استغلال متبادل

    من البديهي أن الحرب يحاكيها انحلال الأمن، ومعه قد تنحل المواثيق والعهود وقد يكون بشكل غير مباشر ، ويجد طلاب الثأر وحاملي الأحقاد وغيرهم من الحرب فرصة سانحة للتجرد من الحلول غير المرغوبة او كما يحسبها الطرف او الطرفان غير عادلة.

وخشية من توجيه المجتمع المراقب بحياديه إشكالية المجتمعات المجاورة او البعدية أصابع الاتهام لاحد الأطراف او الطرفين بنقض المواثيق ، تقوم الأطراف المجتمعية التي سبق لها التنازع او احدهما بالانضمام لاحد اطراف الحرب اليمنية ، وباسم السلطة التي خولت له من قبل احدى الأطراف، يقوم باستغلالها للانتقام ممن كان هو او مجتمعه قد دخل معه في إشكاليات سابقا ، مما يدفع بالآخر للانضمام لطرف النزاع الآخر، ويبدأ كل طرف منهم باستخدام مصطلحات اطراف النزاع لوصم الطرف الآخر بها ، مخفيا من خلفها إشكاليات مجتمعية.

اما الذين لم يحالفهم الحظ في الصعود لسلم السلطة الجديدة لاحد اطراف النزاع ، نجده لا يهدأ له بال بالتبليغ عن افراد من مجتمعه أنهم خلايا نائمة او طابور خامس أو جواسيس أو خونة او عملاء..إلخ للطرف الآخر.

(ملاحظة: فكرة التبليغ ما بين من سبق لهم التصادم في اطار مجتمعاتهم انتقلت مع المغترب اليمني ، فنجده يبلغ على اقربائه في السعودية ان دخولهم غير شرعي، وفي الولايات المتحدة الامريكية انتشرت البلاغات فيما بينهم عقب احداث 11 سبتمبر 2001م بحجة انهم في تنظيم القاعدة، والتي كانت تنشط في جنوب اليمن حينها).

ومن المضحك المبكي والداعي للسخرية ان نجد المجتمعات تتقفز بولاءاتها ما بين المقتتلين في الحرب اليمنية سعيا لتحقيق مآربهم في حالة لم يجدوا شيئا مع من كانوا معه سبقا ، فتارة نجدهم مع طرف ومرة أخرى مع الطرف الآخر ، ووصل التهكم بهم من قبل المجتمعات المحايدة ان تصفهم بانهم ” في الصباح مع الطرف الأول ، وبعد غياب الشمس مع الطرف الآخر” ، فالجميع يبحث عن مصلحته ومن خلال احد الأطراف قد تتحقق أمانيهم ، ومنها كسب الانتصار لإشكالياتهم تجاه المتنازع معهم.

تتصدر أخبار المجتمعات المتنازعة وسائل الإعلام الخاصة بأطراف الحرب اليمنية ، على انها الحرب ضد العدو ، وكل طرف يصف المجتمع الذي بصفة بكل ما يمت بصلة للشجاعة والبطولة في حين الطرف الآخر يوصم بكل اوصاف الخيانة والغدر وسوء الخلق.

ختامان، إن الحرب اليمنية متعددة ومتشعبة العوامل (مناطقة، إثنية، حزبية، طائفية) غير أننا لم نجد – كما توصلت – للآن من يتناول الحرب من طرف الإشكاليات المجتمعية الباطنية، وربطها بالحرب اليمنية الراهنة.

وهنا يأتي مربط الفرس للمتعجب من الأخ الذي يقف لصف طرف ما في الحرب في حين شقيقه مع الطرف الآخر ، وينطبق ذلك على بني العمومة والقرية والقبيلة والحارة. ندرك مدى صعوبة حل الاشكاليات المجتمعية ، ولكن من المهم السعي الحثيث من قبل المُحَكمين لحلها جذريا، حيث وان الإشكاليات المجتمعية كالقنبلة الموقوتة ، تتحين الفرصة لتصنع انفجار مدوي.

وننهي المقال باقتباسه من كتاب الحروب والحضارات لمدرسي المعهد الفرنسي لعلم الحرب حيث يقولون : ” إن عظمة الإنسان والمجتمعات الحضارية، هي قدرتها على معرفة ما يمكن أن يدمرها، من أجل العمل في وقت مبكر على إيقاف تداعي وتصعيد احداث العنف في أوسع نطاق ممكن” (ص434).

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

محمد المضواحي

كاتب وباحث في التاريخ والعلوم الإنسانية مراقب للوضع الراهن ساعيا للحفر في الجذور للبحث عن اساس الإشكال ومنه السعي لطرح حلول تقريبية
زر الذهاب إلى الأعلى