سياسة وتاريخ

الإسلام: دين وحدة ودين الأنبياء جميعاً

إن المسلمين في وحدتهم واجتماعهم يمثلون وحدة الدين الذي جاء به الأنبياء الكرام جميعًا، فوحدة الإسلام قديمة قدم الأنبياء، وهي ممتدة بإذن الله تعالى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ونحن حين ننظر في ترتيب سور القرآن الكريم، نجد سورة (الأنبياء) ثم بعدها سورة (المؤمنون) وبينهما سورة الحج، ولا شك أن هذا الترتيب توقيفي كما ذهب إلى ذلك جمهور العلماء، وإنا لننظر إلى هذا الجمع العالي بين الأنبياء الكرام، وبين المؤمنين، وبين أصحاب المنهج الرباني، وبين أتباع هذا المنهج والمطبقون له.

فسورة الأنبياء عددت لنا الأنبياء الكرام وقصت علينا أنباءهم وأخبارهم وما اختصوا به من مكارم الأخلاق، حيث ذكرت السورة حديث موسى وهارون عليهما السلام، وحديث إبراهيم الخليل عليه السلام، ثم لوط عليه السلام، ثم نوح عليه السلام، “وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ”.

ثم جاء حديث السورة عن أيوب وإسماعيل وإدريس وذا الكفل ثم سيدنا يونس وما كان من أمره، وحديثها عن زكريا ويحيى وعيسى وأمه عليهم الصلاة وأزكى السلام.

وبعد الانتهاء من الحديث عن الأنبياء الكرام مباشرة، جاءت الآية الكريمة تنادي فينا جميعا: “إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)”.

وفي سورة “المؤمنون” كان أن حدثنا الله تعالى عن الرسل الكرام، فأوردت السورة حديثًا مفصلًا عنهم، ثم قال الله تعالى: “وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52)”.

فذكرتنا الآية في السورتين بأن هذه الوحدة هي وحدة أمة لها خصائصُها وحضارتُها الممتدة من لدن آدم عليه السلام إلى أن يتحقق وعد الله للأمة بالتمكين، كما جاء بذلك الوعد في سورة الأنبياء وبعدها في سورة الحج في قول الله تعالى: “ولَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)”، فهذا في سورة الأنبياء ثم في سورة الحج قال الله تعالى: “وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)”.

وهذه الوحدة هي وحدة الأنبياء على لسان نوح عليه السلام، حيث قال الله تعالى على لسانه: “فإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72)” يونس، وهي وحدة الإسلام على لسان إبراهيم الخليل عليه السلام: “إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(131)” البقرة، وحيث يقول الله تعالى على لسانه: “إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)” الأنعام.

وهي وحدة الإسلام على لسان موسى عليه السلام: “فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)” الأعراف، وهي وحدة الإسلام التي دعا إليها موسى قومه، فقال تعالى: “وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86)” يونس.

وهذه هي وحدة الدين الذي أقر به فرعون عند الغرق، حيث قال الله تعالى: “حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)” يونس، فبالله على العالمين أي دين كان عليه أتباع موسى عليه السلام؟

وهي وحدة الإسلام على لسان عيسى ابن مريم عليه السلام، إذ قال الله تعالى: “فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)” آل عمران، وهي وحدة الإسلام على لسان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، حيث يقول الله تعالى: “قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)”.

وهذه الوحدة هي التي أمر الله تعالى بها أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14)” الصف، وهي الوحدة التي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب، حيث قال الله تعالى: “قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)”.

وسورة الحج أتت بين السورتين؛ لما فيها من رباط يربطهما برباط واحد، ففيها قول الله تعالى: “وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)”.

ولما فيها من إشارة إلى أن الحج هو العبادة الكبرى التي تظهر فيها وحدة المسلمين؛ فكلهم لباسهم واحد وذكرهم واحد وشعارهم واحد وطوافهم واحد وسعيهم واحد.

فمن عوامل وحدتنا أن إلهنا واحد، ورسولنا واحد، وقرآننا واحد، وقبلتنا واحدة، وأرضنا واحدة، وعدونا واحد، والهمُّ واحد، فلماذا الطائفية والاختلافات والعنصرية بيننا؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

سعيد عبدالخالق طه

عضو المركز الإسلامي المصري بدار السلام تنزانيا ليسانس اللغة العربية جامعة الأزهر عضو المركز الإسلامي المصري بتزانيا أؤمن أن لشريعتنا الإسلامية فلسفة لا بد أن تدرك نقدم رؤية لا أكثر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق