ثقافة وفنون

الإسكندرية في مسلسل «النوة» حلم مقدس لكل مطاردي العالم

بما لا يدع مجالًا للشك، أبدع الكاتب أسامة أنور عكاشة، في كتابة الدراما التلفزيونية في التسعينات من القرن الماضي، فقد نسج حلقات مسلسل النوة التي تتناول الحياة في مدينة الإسكندرية بطريقة رائعة وسلسلة للغاية وتوصيل الرسالة وجعلها مترابطة الأفكار والصراعات من حيث حبكة القصة وحتى نهايتها جاءت منطقية وذات نسق عميق ملمًا بكل الخيوط.

واستعان عكاشة في مسلسل النوة بكم كبير من الشخصيات الحقيقية الحية القريبة من الواقع الاجتماعي وتقلباته الصعبة، ولشدة النوة جعل مكانها مدينة الإسكندرية عروس البحر الأبيض المتوسط؛ فهناك تتلاطم الأمواج وتأتي النوة وراء النوة بشكل ملحوظ ومحفوظ لكل ما عاش وولد وترعرع هناك في إسكندرية المارية ورمالها المرمرية.

وشهدت الإسكندرية مسرح تصوير مسلسل النوة التلفزيوني، الحضارة الإغريقية على أراضيها فصلًا جديدًا من صفحات التاريخ على يد مؤسسها الإسكندر الأكبر أحد أنجح القادة العسكريين في تاريخ مقدونيا الإغريق.

والإسكندر الأكبر هو العالم الذي تتلمذ على يد الفليسوف العبقري أرسطو، وقد فتح الإسكندرية في القرن الرابع قبل الميلاد بعد أن كانت قرية صغيرة، وجعلها مدينة تتهافت إليها الأرواح، والتي ظلت لمدة ١٠٠٠ عام عاصمة لمصر حتى الفتح الإسلامي على يد عمرو بن العاص ٦٤١.

وجعل الإسكندر مدينة الإسكندرية مقصدًا للعالمين من كل شتات الدنيا وتنوعت ثقافتها بالشوارع والحارات كاليونانية والإيطالية والفرنسية ومعظم بلاد وشعوب أوروبا التي وجدت في الإسكندرية نظرية الحصن والدفء والأمان والأعمال.

وبُنيت المسلات واللسان البحري وعمود السواري والأذقة والمشايات البحرية والقلاع المحصنة والقصور الملكية التاريخية والمقابر الأثرية، ومكتبة الإسكندرية الشامخة الفريدة من نوعها وتراثها الغني بالعلوم والمعرفة، ومنارة الإسكندرية التي كانت أحد عجائب الدنيا السبع نظرًا لارتفاعها الهائل والذي يقارب ١٢٠ مترًا والتي ظلت قائمة حتى دمرها زلزال قوي سنة ١٣٠٧ م لتشهد على عبقرية المكان وأصالة البنيان.

كانت مدينة الإسكندرية شعلة الحياة والتجارة ونقل الثقافات حول المتوسط والعاصمة الأولي لمصرنا الحبيبة ومركز الثقل الإقليمي في توازن القارات، في وقت غاصت أوروبا والغرب تحت خط براثن الجهل والفقر والتخلف كانت الإسكندرية هي الحلم المقدس والحياة العصرية المتقدمة لكل المطاردين من العالم.

مَن لم يزر الإسكندرية فاته الكثير في حياته وليلحق نفسه بالزيارة الآن قبل مماته، نعود إلى دراما “النوة” وكيف صور الكاتب النوة الحقيقية في البحار وجعل منها مثيلاتها في الحياة وذلك من خلال أسرة واحدة تمسكت بالأمل والاتحاد والنشأة السليمة والأخلاق إلى أن جاءت النوة فبعثرت حبل العائلة الذي يلم شملها.

ولهث البعض نحو الثراء الفاحش بسرعة الصاروخ وظهور أصحاب السوء وحاولت الأخت الكبيرة أن تحارب النوة وتحافظ على أخواتها ولكن هذه المرة جاءت النوة كاسحة فلم تستطع فعل أي شيء، والواقع الصعب لم يساعدها في التجديف حتى تصل إلى شاطئ الأمان.

لعل كاتب مسلسل النوة أرادنا أن نفهم الرسالة جيدًا أنه “ليس بعد العيد ينفتل الكحك” حسب المثال الشعبي، الغفوة أحيانًا تسبب متاعب جمة، والسكوت أحياناً يسبب كوارث شتى نتيجة طبيعية لعدم التمرد على الواقع والرضا بالفتافيت.

لذا لابد من المجازفة لرفع الظلم وشد لجام الظالمين شدًا وبذلك فقط تكون بداية النهاية للطاغين، الحركات الشعبية لا تنجح وترى النور إلا بقيام الإسكندرية وأهلها فالزخم يأتي من هناك في ميادينها وساحاتها وشوارعها الأبية الرافضة للذل والهوان والتفريط.

القصص على البحر لا تنتهي حتى “عرفة البحر” رغم معرفته بالبحر ضل الطريق في البحر سنوات حتى ظن الكثيرون أنه غرق في إحدى نوات البحر ولكنه عاد في النهاية، وشهريار مصر بدأها بالصيد في بحار الإسكندرية ثم بنى إمبراطوريته الخاصة في مجال الأعمال والتجارة، وكأن الصيد يعلم أشياء لم تخطر على البال قبل ذلك، وكأن الصبر مفتاح الأمل والنجاح.

يتشكل بحر مدينة الإسكندرية في الصيف ليكون كالورد في عنفوانه ومنظر الشاطيء الخلاب يسحر كل العيون من الزوار والمريدين، وفي الشتاء يكون البرد في أوجه ويرسم اللوحات في الهدوء والسكينة ويستقبل الشكوى من دون زحام، ويصبر المشتاقين ويأخذ بخاطر الغضبانين والمحرومين.

اقرأ أيضًا: الفنان محمد صبحي: الحرية تحولت إلى فوضى والدراما الحالية تفسد المجتمع

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق