أسلوب حياة

الإسراف.. لا تأخذ ما لا تحتاج حتى لا تدفع ما لا تستطيع

في البداية وقبل أن نخوض في مسألة الإسراف، يجب أن نعترف بأن معظمنا وإن لم يكن جميعنا نرى أننا لا نملك كل ما نحتاج وفي الحقيقة نملك الكثير مما لا نحتاجه. متى بدأت هذه الدوامة المفرغة، ما الذى سبق الآخر، قدراتنا المحدودة الضعيفة أم طموحاتنا الخيالية اللامتناهية. للإجابة عن هذه التساؤلات نحتاج إلى تأصيل للمشكلة وذلك بإعطاء مثال توضيحي عن الإسراف .

كنت في أحد أسواق بيع لعب الأطفال ولاحظت شيئًا غريبًا. وهو أن هنالك أب يقوم بعملية مفاوضة مع طفله الصغير قائلًا له “اللعبة التي تستطيع حملها فهي لك”. فصرخ الطفل سعيدًا مهللًا قائلًا: “أنا قوي باستطاعتي أن أحمل أكبر الألعاب”. وركض باتجاه أكبر لعبة بالمكان لكنه فشل في حملها فذهب إلى لعبة أصغر منها قليلًا ولكن لم يستطع. هنا ظهرت لي حنكة الأب التربوية. وفي النهاية -التي سأوضحها في النهاية- انتهى المطاف بالطفل إلى أحد ألعاب الفك والتركيب (المكعبات) والتي كان بالكاد يستطيع حملها وذهب سعيدًا بها إلى والده فنظر له الأب متسائلًا: “لماذا تلك اللعبة بالخصوص؟” فأجاب الطفل بإجابة هي الشاهد من القصة “هذا ما استطعت حمله”.

دعونا نحلل هذه القصة من منظور الشخص الثالث. ما الذى حمل الطفل أن يتصرف بتلك الطريقة؟ يكمن تفسير هذه التصرفات في الطبيعة البشرية وهي أن الإنسان ينظر إلى ما يستطيع أخذه وليس ما يحتاجه ويتبلور ذلك بوضوح في كون أن الطفل لم يجب بأن هذا ما احتاجه أو هذا ما أريده بل قال “هذا ما استطعت حمله”. موضحًا أن ما غلب على تفكيره هو قدرته لا احتياجه و إسقاطًا على الواقع نجد أن الإنسان الحديث يقع في تلك المعضلة حيث يهرع مشتريًا ما يستطيع وليس ما يحتاجه، معتقدًا أن ما يستهلكه يحدد قيمته في المجتمع.

ويتمثل ذلك فيما نراه يوميًا من تساؤلات وجودية مثل من أنا وكم أساوى؟ فيذهب البعض إلى شراء الإجابة على صورة ثوب باهظ الثمن أو جهاز إلكتروني أحدث طراز أو علامة تجارية على علبة دخان. دعونا الآن ننظر للطرف الآخر من المعادلة ولماذا يدخر الإنسان هذه الأموال بدلًا من الإسراف في صرفها؟

أولًا: ما هو الإدخار؟ تعارف الناس على أن الإدخار هو توفير ما لا تحتاج واقتطاع جزء من الدخل على سبيل التوفير والاحتياط.
ثانيًا: متى ولماذا بدأ الإنسان بالادخار؟ بدأ الانسان القديم بادخار طعامه وشرابه خوفًا وطمعًا في الغد. وقتها لم يكن من الصعب أن تقنع أحدهم بأن يأكل ويشرب ما يحتاج ويدخر الباقي. بينما الإنسان الحديث يدخر لتحسين جودة الغد من زيادة في رفاهية الحياة أو المعيشة فأصبح الادخار مرتبطًا بأهداف مباشرة. من دونها يصعب اتخاذ قرار مثل ادخار بعض الماديات.

أليس من الغريب أن يتحول الإدخار من قرار حكيم غير متعلق بهدف مباشر، إلى سلوك يلزمه هدف مباشر وغاية معينة حتى يتحقق. بل استهلاك المحتاج إليه وإدخار ما لا نحتاج إليه من مفهوم سهل إيضاحه لناس على حد سواء أصبح مرتبطاً بصورة ضيقة الأفق من أجل هدف استهلاكي مباشر. ولماذا كان ادخار القدماء قرار حكيم؟

يشهد العلم بأن الإسراف في ملاذ الحياة يستهلك الجسد الإنساني هذا من الناحية الفسيولوجية بينما من الناحية العملية يستهلك جزء من رأس المال الإنتاجي (هو الوقت). هل لنا في السابقون وطرق إدخارهم عبرة لنا في وقتنا المعاصر؟ نعم فدائماً النظر في التاريخ يأتي بالفائدة وما نستفيده هو أن الإدخار كان قديمًا أسلوب حياة ولم يحتاج لهدف مباشر ولكي نكتسب تلك المهارة علينا بتكرار هذا السؤال قبل كل بضاعة نستهلكها”. هل احتاج لها أم أنى فقط أستطيع استهلاكها؟

وهنا يأتي سؤالًا هامًا: هل الأموال هي الشيء الوحيد الذى نستطيع إدخاره؟ والإجابة هي “لا” بل كل ما يمتلكه الإنسان من وقت وصحة وكل تلك الأمور تعتبر موارد يستطيع أن يدخرها الإنسان. هناك شعور يكاد لا يخلو منه إنسان وهو الرغبة في الشراء والاستهلاك عند الشعور بالإحباط أو بعدم الثقة بالنفس وهو رابط غير حقيقي بل ويضع الإنسان في معضلة حقيقية وهي أن يستهلك المزيد مما لا يحتاجه من أمور ثانوية في مقابل ما يحتاجه من إثبات للذات بالإنتاجية والاعتماد على النفس ومحاولة تطوير النفس.

من الغريب أن لطالما كان قلة الاستهلاك هي علامة على السمو الروحاني في جميع الحضارات الإنسانية القديمة فقد كان للفرد في المجتمع القديم نظرة حياتية وهي أنا أمثل أقوالي وأفعالي لا ما أستطيع شرائه أو اقتنائه من طعام وشراب وملبس ولعل تلك النظرة غير متواجدة في عصر المادة عصر العلامات التجارية حيث أن تكبيل النفس عن شهواتها الأرضية هو المصنع الحقيقي للرجال لكن المعادلة الصعبة هي التوفيق بين احتياجات الذات دون إتلافها بالتفريط أو الإسراف وظهر المينيماليزم.

وهو فكر ينادى بالتقليل من الممتلكات الحياتية الزائدة سواء في المسكن أو الملبس أو المشرب وتصريف هذه الموارد في اكتساب الخبرات من رحلات و قضاء اوقات اجتماعية مع العائلة و الاصدقاء و الزملاء و هو فكر له جذور جنوب شرق اسيوية و ظهر كرد فعل لمواجهة السلوكيات الاستهلاكية المتطرفة.

ختامًا أود لفت الانتباه إلى أن الغرض من قصة الطفل هو التركيز على سلوكنا الغريزي الخاطئ ومحاولة تفسيره لا تبريره كمحاولة متواضعة للتغيير للأفضل وهو ما يمثل لحظة صمت وتأمل لواقعنا الاستهلاكي الإنساني بدلًا من الانسياق خلف دوامة المجتمع الاستهلاكى. وأود أن أقف أمام نفسي ونقف جميعاً أمام أنفسنا ونعيد تقييم كل ما نملك وفيما ننفق أمولنا وأوقاتنا وصحتنا حتى إن احتجنا إلى الورقة والقلم إذا احتاج الأمر. فجميعنا نعيش وسط مجتمع استهلاكي نتأثر به لكن هذا لا يمنع إذا وقعنا في براثن فخ الإسراف أن نقاومه ونتخذ قرارًا حكيمًا من استقرائنا للتاريخ البشرى. عش في حياتك كما تشاء لكن لا تنس ألا تأخذ أكثر مما تحتاج حتى لا تدفع ما لا تستطيع.

اقرأ أيضًا :

“الشماتة”.. وهل هي من صفات المؤمن؟

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Omar Sobhy

صحفي بمجلة عربي 22 ليسانس اداب جامعة الإسكندرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق