أسلوب حياة

الإدمان الإلكتروني وسر اللعنة الحديدية

ما سر هذا الملعون الحديدي الملتصق بكفوفنا طوال الوقت؟ ما سر هذا المستطيل النحيف الذي يسيطر على معظم أوقاتنا؟ لا أحد اليوم يستطيع الاستغناء عن هاتفه النقال لبضع دقائق.

في البدء كانت الكلمة، هكذا تسرب هذا المخلوق السحري الذي أطلق عليه “موبايل” إلى عالمنا في تسعينات القرن الماضي، منذ ما يقرب من خمسة وعشرون عامًا بدء في استخدامات هاتفية فقط، وكان سعر الدقيقة مرتفع نسبيًا وقتها -1.75 قرشًا- فأدى ذلك إلى تحجيم استخدامه واكتفى البعض بالرن فقط عند الحاجة، لكن كان هناك أيضًا بعض المتع والإثارة الخاصة بالجهاز الجديد والعالم الذي يشوبه الغموض حينئذ فانتشرت تقنية شفرة تركيب الرنات، ومن يجيد تلك الشفرة كان من المبجلين، لأنه سيمنح دائرة معارفه أجدد الرنات التي لن يستطيع أحد الحصول عليها، وكانت بالطبع أغاني عمرو دياب هى النجم الأول في تلك المرحلة.

خفت نجم الهواتف الأولية وانطفأت بهجتها ولم تعد مغرية كما كان حال التليفزيون الأبيض والأسود فأدى ذلك لظهور أول تلفزيون ملون، نفس الدهشة والانبهار احتلت عقول المستخدمين حين طورت نوكيا نفسها وظهر أول هاتف يحمل على شاشته صورة الأيدي المتشابكة في الافتتاحية وهى بالون الطبيعي وبنغمة مجسمة، ومنها إلى ظهور الهواتف الذكية التي تعمل بالمس ثم بعد ذلك دارت عجلة التطور بلا توقف.

تطور المستخدم مع صانع التكنولوجيا وفهم كل منهم الآخر، أصبحت الهواتف هى العالم السحري الذي يستطيع الإنسان أن يسافر داخله أينما أراد بلا كلل أو ملل أو عناء استخراج فيزا، احتوت تلك القطعة المعدنية الرقيقة هذا الانسان الضخم، أوجدت له كل ما يفتقده على أرض الواقع، أصبح يحقق انتصارات تاريخية في كل الألعاب التي يحتوي عليها هاتفه، تلك الانتصارات التي تحاول تخفيف وطأة الانهزام الذي يعاني منه يوميًا في معظم مجالات حياته، أصبح يقرأ ويتثقف من مقالات ومنتديات ويتعرف على شعوب وعادات لم يكن يسمع يتخيل وجودها من قبل عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي.

في تلك المواقع يتحرر الخجول من خجله ويضع القبيح أجمل الصور لنفسه وقد يصبح بطل ذو شعبية، أخيرا استطاع أن يحب نفسه ويجد من يحبه ويتقبله حتى ولو اضطر لبعض التزييف، والبعض استطاع أيضا أن يتخلص من كابوس البطالة فعرف كيف يطوع التكنولوجيا لتدر له دخلا أو لتكسبه علمًا جديدًا،  حتى النصاب والمتسول وكل الشخصيات السلبية في حياتنا وجدت لها مكان في العالم الجديد واستخدمت إمكانياته في ما يخدم مصلحتها، وغالبا ما تقابل هذه الشخصيات “بالبلوك” والحظر النهائي.

وليست الشخصيات السلبية وحدها من تخلل هذا العالم بل الذكريات أيضًا، أصبح جاليري الصور هو مخزن الذكريات السيء منها والجيد، تستطيع بكاميرا الهاتف أن توثق لحظات حياتك وتحفظها من الضياع، فتجد في الصور من رحل وغاب عن الأعين ورحلت معه قلوبنا، ومن باع وغدر، وهناك أيضا لحظات الميلاد، ميلاد حب جديد بين جلسات الأصدقاء، ميلاد طفل يولد البهجة ويحي القلوب من جديد، هناك تخزن المشاعر لا الصور وتحفظها للأبد.

في يوم لم ندركه انقلبت الآية وأصبح الهاتف بكل عوالمه الافتراضية هو الواقع، هو ما نحب هو الجانب الإنساني فينا الذي ينأى عن كل ما هو مادي جامد، تفتح هاتفك تحلق معه على سحابة عالية تلقى العالم والفاسد، تحلق كما تشاء تنتصر وتتلقى الهزائم بصدر رحب، تتحكم بالكلية في من تود معرفته ومن لا ترجو رؤيته، تصنع عالمك كما تحب وتخط أنت قوانينه بيدك، تعلو عن كل ما يكدر صفوك ولا يفصلك عن ذلك كله سوى أن الهاتف “يقطع شحن”.

إقرأ أيضا: نصائح لاستغلال الوقت

مريم أحمد حسين

كاتبة مهتمة بالشأن الثقافي والمعرفي، بدأت كتابة المقالات بشكل احترافي ونشرها منذ 2016، وتم نشر بعض القصص القصيرة في عدة صحف ومجموعات قصصية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى