سياسة و تاريخ

الإدارة العليا في الجزائر.. جذور التأسيس وأحقاب من الولاء غير الوظيفي

من جملة اعتوارات نظام الحكم بالجزائر التي جلاَّها عهد بوتفليقة، هو أن مسار أزمة تأسيس دولة الاستقلال كان يتطور بتطور أزمة هذا النظام العضوية الذي استولى على الشرعية بالقوة، إذ وعوض أن تختفي مع مرور السنوات والعقود بعضا من عناصر تلك الأزمة، ولو بحتمية التقادم المنطقي والموضوعي، صارت بالعكس تنتج مضاعفات خطيرة كتعبير عن خطورة خطيئة التوجه الأولى وبادرة باغتنام الوطن والانسان التي اقترفها جنود الحدود.

وهكذا فقد وجد المجتمع الجزائري نفسه أمام أسئلة جديدة تتولد عن تطور المجتمع، فبعد أسئلة الثنائيات والأولويات القتلة التي حفل بها سجالا الخطاب التاريخي والسياسي الوطني، بين العسكري والسياسي، الداخل والخارج، المثقف والمناضل، جاء الدور على سؤال علاقة الإدارة بالإرادة السياسية والإرادة الشعبية، كيف مضت هاته العلاقة؟ لماذا ظل الإداري في مستويات المسئولية يحظى بالأولوية على حساب من يحظى بالإرادة الشعبية أي المنتخب بالاقتراع العلني العام؟

في حوار له مع قناة اليوتيوب لصحيفة الحوار الجزائرية، أكد الوالي (المحافظ) السابق لثاني أكبر مدن الجزائر وهران، بشير فريك أن إطارات الإدارة العليا في الجزائر، ممن تدفع بهم المدرسة الوطنية للإدارة، يتلقون تكوينا قاطعا مع الواقع الإداري الجزائري وهم يعلون من شأن الدولة بوصفها جهاز تنفيذي وهذا بالقدر الذي يحطون به من شأن الشعب ويعتبرونه غوغاء يتوجب توجيهه بأسلوب القطيع، وما يفهم من كلام بشير فريك هو أن تكوين هؤلاء الإطارات ينهض أساسا على رؤية غربية فرنسية بالتحديد (الطبقية) ليس على المستوى التقني والعلمي لفن الإدارة بل اللغوي والإيديولوجي حتى، فمعلوم أن المدرسة الوطنية للإدارة التي تحمل ذات تسمية نظيرتها في فرنسا هي تمتد في أصولها التأسيسية من الفكر الكولونيالي من خلال حملها ذات التوجه الفرانكفوني المحض وقلما برزت منها شخصية مسئولة تجيد لغة الشعب الرسمية الأولى أي اللغة العربية، ولا غرابة في ذلك إذا ما عرفنا بأن أول مدارئها كان أحد كبار سدنة الفرانكفونية(الفكرية وليس فقط اللغوية) في الجزائر ونعني به هنا ميسوم صبيح.

ولكي يدلل على ما وصف به واقع حال المدرسة الوطني للإدارة، أخذ بشير فريك الوزير الأول السابق أحمد أويحيى الموجود حاليا رهن السجن المؤقت بتهم الفساد، مع العديد من زملائه ممن تخرجوا من تلك المدرسة وتقلدوا مناصب سياسية وسيادية عليا في الدولة، أخذه كنموذج لذلك، مبرزا تعاليه الواضح والصريح على الشعب وعدم الاكتراث به وبصوته وإرادته في تنزيل برامج كومته الماضية عكس رغبة هذا الشعب وطموحه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا كيف قدم أويحيى الإطار الإداري للدولة إلى السياسة بوصفها نشاطا فنيا يقتفي أثر الممكن، وتصدره لمشهدها عبر كامل مؤسسات العمل السياسي، النيابي منه والتنفيذي، الحزبي كما الإداري ويلبس في بعض الفترات كل قابعات تلك المستويات والنشاطات مرة واحدة؟
أي مسعى للإجابة عن هكذا سؤال صعب قد تبوء حتما بالفشل في حال تخلينا عن الارتجاع إلى الخلفية التي كون فيها النظام الجزائري سياسته الإدارية وإدارته السياسية بعدما سرق الشرعية بقوة السلاح عشية الاستقلال سنة 1962.

في ذلك التاريخ لجأ النظام الجزائري إلى قمع السياسة كما ولدتها الحركة الوطنية عبر تجريم وتحريم النشاط الحزبي المتعدد، في مقابل تأسيس أجهزة تابعة تعمل على فرض سيطرته وإرادته على الحكم وإلغاء الإرادة الشعبية بشكل تام وعام، هذا من خلال تقوية الجهاز التنفيذي والإداري ومنحه الصلاحيات الكبرى على كل المستويات، فمحليا بات الوالي (المحافظ) المعين وكذا رئيس الدائرة أقوى بكثير من إرادة رؤساء المجلس المنتخبة من بلدية وولائية، وهو ما كان يضمن للنظام المركزي سيرورة وانبساط إرادته على إرادة الشعب، وبالتالي يضمن ديمومته، أما فوقيا فجل الوزارات كانت السطوة فيها للإداري من أمناء عامين ورؤساء مصالح على حساب الوزراء ذاتهم !

هكذا سياسة مستمرة إلى اليوم، إنما تعكس في جوهره بحق عدم قدرة النظام على تطوير ميكانزيمات اشتغاله، مثلما كشفت عن بقائه أسير لحظة القلق التأسيسي الوطني الأولى حين سرق الشرعية وعمل على الاستدامة في الحكم غير مبال بالتطور الوعي الشعبي وحاجة المجتمع للتغيير على صعيد آليات حكم الإدارة وإدارة الحكم.
وبذلك حلَّ الإداري الجديد في ممارسة المسئولية السياسية للبلاد محل مشروع السياسي التعددي الذي ولد مع الانتقال من الأحادية إلى التعددية الحزبية بإقرار دستور 1989. فإذا ما استثنينا فترة 1991 و1993 أين تم اللجوء إلى تعيين وزراء وإطارات حزبية لكنها منشقة عن أحزابها، كان الغرض من تعيينها أصلا الطعن في الحزبية عموما وفي تلك الأحزاب بشكل خاص، ونعني بها هنا الجبهة الإسلامية للإنقاذ من خلال تعيين سعيد قشي وأحمد مراني في الأطقم الحكومية وقتها والهاشمي آيت جودي عن حزب جبهة القوى الاشتراكية، فإن جل الحقائب كانت تمنح للإطارات الادارية التي تكونت وتربت على منهج المدرسة الوطنية للإدارة ذات التوجه الفرانكفوني الموالية للناظم السياسي أولا وأخيرا.

من هنا لم يعد سهلا التفريق في الجزائر بين الوظيفة الإدارية والوظيفة السياسية، وهو ما سهل فيما بعد للمال القذر أن يجد له موطئ قدم قبل أن يصبح هو القائد الفعلي لإرادة السلطة في فترة حكم بوتفليقة، فينطرح سؤال آخر حول علاقة المال بالسياسة وبروز شريحة رجال المال الذين راكموا ثورتهم من المال العام في السنوات التي كان يواجه في الشعب آلة القتل فيما عُرف بالعشرية السوداء كقوة سياسية بلغت حد توظيف الاداري والسياسي معا لتحقيق مآربها.
كل ذلك يجعلنا نخلص إلى أن السياسي في الجزائر قد تكبد هزيمة تاريخية ثانية بعد هزيمته أمام العسكري في معركة التأسيس الوطني، أين حسم جدل أولوية من عمن، لصالح العسكري، فها هو ذا في ظل دولة ما بعد الأحادية الحزبية يلقى كبوة أخرى أمام الإداري الذي استمد قوته من السلطة أي من النظام، ما يعني بالضرورة فشل السياسي الحزبي التعددي في معركة قلب معادلة الاستقرار التي رسم أرقامها النظام مشفرا بها، ماضي، حاضر ومستقبل البلاد مُعجِزا بذلك كل محولات الحل لمن حاولوا تقديمه، أمر يفضي بنا بالضرورة إلى التأكيد على محورية مشروع الحراك بوصفه نقض للسياسة في الجزائر سلطة ومعارضة، متعال عن نشاطه المطلبي المباشر، لينتج فكرا جديدا ينسف كل تلك العادلة بأرقامها وشفراتها، ويدخل بالتالي بالبلاد مرحة جديدة من الانتظام المؤسسي والممارسة السياسية الخالية من ولاءات المال ومراكز صنع القرار السيادي.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

تعليق واحد

  1. تحية طيبة بشير…
    المعضلة الكبيرة وانطلاقا من أفكار المقال بين السياسة الإدارية والإدارة السياسية هو ما يمكن تكريسه على المستوى الرمزي كحالة يتم إداري تخلت فيها المفاهيم عن أداء معانيها منذ اغتيال أو انتحار “اب الإدارة الجزائرية” الراحل احمد مدغري، والذي كانت له رؤية لأجل تأسيس مؤسسة إدارية وطنية مستقلة تلعب فيها الإدارة المحلية او الوطنية دور الفاعل الثوري المناهض للبيروقراطية وتزييف الوعي، وبالتاي تأتي تنحيته أنهيارا قيميا فيما يتعلق “حياد الإدارة”، وبالتالي أستاذ بشير وانطلاقا أيضا من أفكار المقال العميق، فإن العلاقة بين “إنتاج إدارة خالصة” و”رسكلة إدارة هجينة” كما الفرق بين “بناء إنسان وطني” و”ترقيع كيان تابع”، وهو حسب رأيي الضعيف ما يفسر انتقالية الإسمية في المدرسة الوطنية للإدارة، حيث تتداخل المفاهيم على المستوى الرمزي لتحيل إلى الغالب والمستدمر الذي خلّف فكره في عمق العقول المؤمنة بفرنساوية المسار الجزائري بعد تمييع مفهوم الوطنية، فخرج إلى الميدان من يكرّس اللغة كأداة لبناء الفكر، وبالتالي تأكد المسار الفرنكوفيلي المتجذّر في معناه الحبّي والفرنكفوني النافر نحو الوجهة الأكيدة في اللغة، ومن ذاك أصبح الإداري التعييني مفهوما وواقعا يواجه الإرادي الاختياري في تمثيله للشعب، ومن هنا تأتي أهمية الحراك في محاولته إعادة القاطرة الوطنية إلى السكة المتعدّدة المسارات والتي تصب في شرعية الشعب وحراكه وليس في استبدادية السلطة وتوجهاتها.
    تحياتي وتقديري..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق