علوم وصحة

الإجهاد المائي والموت من أجل شربة ماء

ابتداءًا من عام 2007، وقع الشرق الأوسط في أشد موجة جفافٍ منذ أن بدأ العلماء في حفظ سجلاتهم هناك في الثلاثينيات، ولمدة ثلاث سنوات، كان هطول الأمطار أقل بكثير من المعتاد، فهجر ما يصل إلى 1.5 مليون سوري الأراضي الزراعية الجافة، وهاجروا إلى المناطق الحضرية، ما أدى إلى ضغوطٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ جديدة معهم، كما أدى انخفاض غلة المحاصيل إلى نقصٍ حاد في الأغذية، هذه العوامل في حد ذاتها لم تتسبب في الحرب الأهلية السورية عام 2011، لكنها ساهمت بشكلٍ كبير في الظروف التي تسببت فيها، ما كان مؤشرًا لما يسمى “الإجهاد المائى”.

احتلت المياه مكانة بارزة في أعمال العنف اللاحقة أيضًا، حيث استخدمت قوات المتمردين إمدادات المياه والوصول إليها كأسلحة حرب، وهو ما يمكننا من توقع المزيد من هذه النزاعات القائمة على المياه، وخاصةً في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

 منذ عام 2016، تسبب العنف على المياه في “الحزام الأوسط” النيجيري في مقتل المزيد..

تعاني هذه المناطق من ظروفٍ مناخيةٍ قاحلة مزمنة، ونوباتٍ متكررةٍ من الجفاف غير متوقعة، ومما يضاعف هذه المشكلة، تتنبأ مراكز المناخ الإقليمية بارتفاع درجات الحرارة، وزيادة الجفاف، وتزايد التباين في هطول الأمطار.

يؤدي ارتفاع منسوب سطح البحر إلى اقتحام المياه المالحة في أنهار المياه العذبة والدلتا الخصبة، مثل نهري دجلة في العراق والنيل في مصر، وهما اللذان يعملان كقنابل خبز للنمو المتزايد للسكان، العديد من الدول في هذا الجزء من العالم ممزقة أيضًا بالحرب الهشة، من المحتمل أن تؤدي الظروف المناخية المتغيرة إلى إضعاف الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في العقود المقبلة.

المشكلة تمتد إلى أبعد من تلك المناطق، وتتوقع الأمم المتحدة أن 1.8 مليار شخصٍ سيعيشون في مناطق تعاني من ندرة المياه بحلول عام 2025، ويمكن أن يكون ثلثا سكان العالم في حالة من الإجهاد المائي، ما يعني أنهم لن يواجهوا فقط نقصًا في المجموع -أي حجم المياه المتاحة- ولكن أيضاً عدم كفاية نوعية المياه وسهولة الوصول إليها، والحقيقة نحن نواجه أزمة مياه عالمية.

هذه حقيقة، فقد توقع العلماء تغيّر المناخ، وندرة المياه، كأسباب محتملة للنزاع في المستقبل، في الواقع، هذا المستقبل هو يحدث الآن هنا، ويجب فهم هذا النمط الناشئ من الصراع، لأن الشرق الأوسط وشمال إفريقيا معرضون له بشكلٍ خاص، وهذا ما ركزت عليه بعض الدراسات، ففي عام 2016، رصدت خرائط المناطق النائية للاستشعار عن بعد، ولاحظت وجود علاقة بين مجالات تأثير المنظمات المتطرفة العنيفة -وهي الجماعات التي تدعم وتنفذ العنف بدوافع أيديولوجية- ومناطق الأراضي الجافة أو النباتات المتناثرة، والعديد من تلك الأماكن كانت تحت ضغط الماء الحاد.

أعاد الباحثون هذا الارتباط العلني بين الإجهاد المائي واحتمال نشوب صراع عنيف إلى استكشاف الروابط المعقدة بين الاثنين بعمق أكبر، واعتمدوا على ثلاثة افتراضات أساسية، والتي تتوافق مع مراحل الصراع المسبق، الصراع المستمر، وما بعد الصراع من الاضطرابات العنيفة.

والافتراضات هي:

أولاً؛ الإجهاد المائي عامل سببي في اندلاع النزاع.

ثانيًا؛ الإجهاد المائي يمكن أن يسرع من الصراع.

ثالثًا، يمكن أن يكون التخفيف من الإجهاد المائي عاملاً مهماً في بناء السلام والتعمير الوطني بعد انتهاء الصراع.

فيما استكشف باحثون سابقون العلاقة بين الإجهاد المائي والعنف، ولكن ليس عبر هذه المراحل الثلاث، من العوامل المحتملة الكامنة وراء ترددهم أنه لا يوجد إجماع على أن الإجهاد المائي يمكن أن يؤدي إلى نزاع واسع النطاق بالإضافة إلى تكثيفه.

الصراع ليس النتيجة الوحيدة المحتملة لضغط الماء، فقد حدثت تفاعلات إيجابية مبنية على تقاسم المياه بين الدول والقبائل على أساس رسمي أو غير رسمي عبر الشرق الأوسط وشمال إفريقيا منذ العصور القديمة، واحدة من أوائل القصص في الكتاب المقدس تصف حلاً سلميًا بين إبراهيم والفلسطينيين حول حقوق البئر.

 المحتمل أن تؤدي الظروف المناخية المتغيرة إلى إضعاف الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في العقود المقبلة.

التوترات حول الوصول إلى المياه كانت موجودة أيضًا دائمًا، كلمة التنافس مشتقة من الكلمة اللاتينية rivalus، بمعنى “من يشارك النهر مع نهر آخر”، وبشكل خاص ما اهتم به الباحثون حديثًا، التفاعلات بين المنظمات والجهات الفاعلة على المستوى دون الوطني، فغالبًا ما يعتمدون على جمع مياه الأمطار ومستودعات المياه الجوفية بدلاً من المياه السطحية كمصادر رئيسية لمياه الشرب.

هطول الأمطار لا يمكن التنبؤ به، وخزانات المياه الجوفية محدودة، ما يجعلها المحرك الرئيسي للتوتر والصراع، في عالم متغير الاحترار، فإن الإجهاد المائي والندرة لديها القدرة على تفاقم الصراعات في جنوب آسيا وشرق آسيا وأمريكا الجنوبية ومناطق أخرى.

مسارات التأثير

هناك مشروع بحثي في ​​جامعة جورج واشنطن، تم تنفيذه على المنظمات المتطرفة العنيفة المشاركة في النزاعات الداخلية في سوريا والعراق والصومال ونيجيريا، وبشكل خاص على تنظيم الدولة الإسلامية (المعروف أيضًا باسم داعش) وغيره من الجهاديين في سوريا والعراق، حركة الشباب في الصومال، و”بوكو حرام” والمتشددون الإسلاميون في نيجيريا ينتمون لقبيلة “الفولاني”، درس البحث أيضًا كيف حفز الإجهاد المائي الجهات الفاعلة دون الوطنية الأخرى، مثل الأكراد شبه المستقلين في العراق، أثر الجفاف الشديد في 2007-2010 على جميع هذه البلدان.

كخلفية، قمنا بتحليل الأدب الذي استعرضه النظراء والمصادر الأخرى، بما في ذلك التقارير الإخبارية من مناطق الصراع، وكانت البيانات العامة الصادرة عن المنظمات العنيفة وموجزاتها على وسائل التواصل الاجتماعي مفيدة أيضًا، كانت مرحلة البحث الأولي  تعتمد على البيانات، بما في ذلك معلومات الاستشعار عن بعد حول الظروف البيئية، وحركات المنظمات المتطرفة العنيفة، أخيرًا، وكان من ضمن المصادر مقابلات مع خبراء الأمن والعلوم السياسية، ومحادثات مع المسؤولين الحكوميين رفيعي المستوى، ومناقشات مع عمال الإغاثة في معسكر رئيسي للمشردين في الأردن، وانتهى الأمر بالعديد من اللاجئين السوريين.

لقد وجدت الدراسة ما يمكن أن نسميه مسارات التأثير الناتجة عن الإجهاد المائي والصراع في العراق ونيجيريا والصومال وسوريا، جميع الأماكن التي تناولها البحث، هذه المسارات متميزة في كل حالة، هذه الأنماط يمكن أن تكون مفيدة لتوضيح أسباب وآثار العنف المرتبط بالمياه، على الصعيدين الإقليمي والعالمي.

كانت الخطوة الأولى في فهم طرق التأثير، وهي وصف النسيج السياسي والاجتماعي الذي يقوم عليه الصراع في كل دولة، والانقسامات العرقية والدينية والاجتماعية والسياسية المتوطنة في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومع ذلك، توجد وحدة واسعة حول الطريقة التي يتصور بها الناس الموارد المائية، وجزء مهم من السياق الاجتماعي هو أن المياه هي جوهر الثقافة الإسلامية التي تميز معظم المنطقة.

كان المعنى الأصلي للشريعة هو “المكان الذي ينحدر منه الماء”، في الشرق الأوسط، قبل ظهور الإسلام، كانت الشريعة المياه المحكومة، وتوسعت في وقت لاحق لتشمل الجسم الإلهي للقوانين والقواعد الإسلامية، لذلك فإن الصراع القائم على الماء له آثار ثقافية ودينية تتجاوز تأثيره على الحياة والصحة، من حيث المبدأ، يمكن أن تساعد الصلة بين الماء والشريعة في إنشاء محرمة ضد تسليح المياه.

الخطوة الثانية على طول المسار هي دراسة الخصائص الجيوفيزيائية لكل بلد عن كثب، وأحد العوامل الحاسمة هو حالة الموارد المائية المتاحة، دراسة الظروف الهيدرولوجية الأساسية في بلد ما تضيء أفكار الصراع الأساسية، لأنها تساعدنا على فهم الاقتصاد السياسي لتوزيع المياه.

أولت الدراسة اهتمامًا أيضًا لتغير المناخ والجفاف والتغيرات البيئية الأخرى، والتي قد تؤدي إلى زيادة الإجهاد المائي، بعد ذلك، ثم تقييم آثار تلك العوامل البيئية على النظم البشرية الرئيسية، بما في ذلك الزراعة والرعاية الصحية وإنتاج الطاقة، وعلى سبيل المثال، أدت محاصيل القمح المنضب بسبب الجفاف إلى انهيار في الزراعة، مما أدى إلى انخفاض المحاصيل الزراعية وتراجع الأمن الغذائي في سوريا قبل اندلاع الحرب الأهلية في عام 2011.

أخيرًا، والأهم لأغراض تحليل الصراع، يقودنا نهج المسارات إلى استجواب الطرق المحددة والمتنوعة التي يستجيب بها الأشخاص للإجهاد المائي النظامي، حيث تعد النزاعات، والهجرة، وتعديلات السياسة المائية الطارئة ردود فعل نموذجية، ويمكن أن يكون للنتائج تداعيات عالمية، ويمكنهم زيادة شعبية الإيديولوجيات المتطرفة.

غالبًا ما تتدافع البلدان لتخفيف المشكلات التي تحدثها المياه قبل أن تصل إلى مستويات الأزمة، على سبيل المثال، في أوائل عام 2018، فرضت الحكومة البلدية في كيب تاون بجنوب أفريقيا قيودًا صارمة (مثل تركيب الأجهزة المنزلية للحد من استهلاك المياه) لتفادي الإنهاك المتوقع لإمدادات المياه المحلية، وهي أزمة تلوح في الأفق عالمياً، إلا أن التدخلات السياسية الناجحة تتطلب عمومًا حكومات عملية وشفافة ومستنيرة.

في غياب الحكم الفعال، تصبح الهجرة والعنف أكثر انتشارًا، يؤدي ذلك إلى عملية تغذية مرتدة؛ تصبح السياسة أكثر صعوبة مع تفاقم أزمات المياه، ويصبح البلد غير مستقر، وتفقد الحكومة الوطنية السيطرة الفعالة، تميل عمليات التغذية الراجعة الأخرى إلى تضخيم آثار الجفاف والندرة وتغير المناخ، البنية التحتية للمياه سيئة التصميم، مثل إنشاء قنوات ري مفتوحة غير فعالة، يمكن أن تستنفذ موارد المياه، مما يزيد من آثار الجفاف المستمر، وبالمثل، فإن المياه الجوفية يمكن أن تؤدي إلى تفاقم الآثار على الجفاف والتصحر، الانهيارات الاجتماعية والسياسية التي تتحدى سلطة الحكومة، ما يجعل من الصعب معالجة هذه المشاكل الراسخة.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

الرفاعى عيد

كاتب وشاعر وصحفى مصرى، عمل بالعديد من المؤسسات الصحفية، وكتب بالصحف المصرية والعربية، تولى عددا من المناصب فى العمل الصحفى، ويشغل حاليا منصب نائب رئيس تحرير جريدة الديار. صدر له ديوان "أحلام قلوب ثائرة" عام 1999، و"رفاعيات فى رباعيات" بالعامية المصرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق