ثقافة وفنون

الإبداع الأدبي .. بين ميوعة موجهة وأقلام مبدعة

في عصر التكنولوجيا والهواتف الذكية، غدا القراء عبر العالم لا يستطيعون إتمام قراءة كتابة لا تتجاوز الأسطر المعدودة، وأصبح هاجس المتتبعين الذين يمنحونك إعجابهم هو المحدد لكتاباتك، لم يقف الأمر عند منشورات تلقى على حوائط فيسبوكية، أو جمل تنشر في تغريدات تويترية، بل تعدى الأمر كل شيء ليصبح الحافز والإثارة هو المحدد لكتابات الروائيين والقصاصين.

فكيف ولماذا وصل الأمر إلى هذا الحد؟

الأدب كمحفز للشعوب

الأدب من الأشياء التي استعملتها الشعوب والأفراد لنقل معاناتها ولتحفيز بعضها البعض وأحيانا لتحريض الجماهير ضد المتحكمين والمسيطرين عليهم، ولأن الإبداع الأدبي لا يمكن كبحه، فالمسيطرون على الشعوب لم يعدموا الحيلة لاحتوائه، وفي أيامنا هذه يعد تمييع وتتفيه الأمور أفضل تكتيك وخطة للسيطرة على الجموح الإبداعي الذي قد يؤدي بشكل أو بآخر إلى توعية الشعوب بحقيقة ما يعيشون.

الميوعة والتفاهة كأدب قائم بذاته

منذ القدم اعتبر المال المحدد في مدى إخلاص الناس لمبادئهم، وبالمال اشتريت الذمم والهمم، ولأن الظروف الاقتصادية للفرد هي التي تحدد إبداعه الأدبي، فقد أغرقت المؤسسات المانحة بدعم من مؤسسات أكبر جموع الأدباء في خندق المال الوفير مقابل التشهير بالأعمال الأدبية الخاصة بهم، واستعملت المنابر الإعلامية لهذا الغرض، فترى أن رواية من حجم “ذاكرة الجسد” أثرت في آلاف القراء عبر العالم، وكانت بحق نموذج أدبي يظهر قدرة المرأة العربية على التفوق أدبيا، تتحول مبدعتها لكاتبة أعمال لا يقرأها إلا المراهقون، ” كالأسود يليق بك”، و”نسيان بوان كوم”، والدعاية الإعلامية والنسخ المطبوعة للكتابين الأخيرين فاقت ما حققته “ذاكرة الجسد” بكثير، رغم أن هذه الأخيرة أفضل وأحسن من الأخرتين من الناحية الأدبية والأسلوبية. كما أن الجوائز الأدبية والدعاية الإعلامية لروايات مثل “هاري بوتر” و ” الشفق” تجعل من يسمع بهما يعتقد أنهما أفضل من رواية “البؤساء” و” الأم”. فلماذا يحدث هذا؟

الاقتصاد هو من يحدد الأدب

للجواب على هذا السؤال، وجب فهم طبيعة الواقع الذي تعيش فيه الشعوب، أمم الأوطان على سطح الأرض في الألفية تعيش مرحلة من القهر والظلم منقطعة النظير، ترزح إفريقيا وجزء من آسيا تحت وطأة الفقر، وتعيش الشعوب العربية خارج نطاق التاريخ اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، وكي تبقى الأمور على حالها وجب على من يستفيد من بقاءها كذلك أن يعمل على السيطرة المطلقة على الأوضاع، فيوجه الإعلام بالشكل الذي يخدمه، فالإعلام هو الذي جعل من الكلاسيكو الكروي أهم من مأساة سوريا واليمن، والإعلام هو الذي جعل من كاردشيان ومايا خليفة أشهر من الأطفال الذين يموتون جراء الفقر والأمراض بقارة افريقيا، الإعلام نفسه هو الذي جعل كاميرون دياز ويسرا أهم من عبد الرحمان منيف وغابرييل جارسيا ماركيز.

الوعي أساس الإبداع الأدبي

في العالم العربي تخشى الدول من شعوبها كثيرا، لذلك نجد أن المنطقة العربية هي الأتفه على الإطلاق في كل شيء، فالدول العربية لا تشجع الإبداع الأدبي إلا إذا كان تافها، وفي حالات نادرة وفقط نجد مبدعين ذوي أعمال تستحق القراءة يظهرون على المنابر الإعلامية، النقود تصرف بكثرة جدا لخدمة الميوعة والتفاهة، حتى أنك تجد مثلا في المغرب فتاة تدعى “سلوى عشوان” تدعي أنها تنظم الشعر قد جابت جميع المنابر الإعلامية البصرية، وأزعجت الجمهور بقصائدها التي لو استيقظ امرؤ القيس من قبره لانتحر شعريا قبل أن يسمع أن مثل هذه توضع معه في نفس المضمار، في العالم العربي أيضا حققت رواية “أحببتك أكثر مما ينبغي” لأثير عبد الله النشمي أرقام خيالية في المبيعات عادلت أرقام الظاهرة رونالدو في الأهداف، وفي العالم العربي دائما تجد رواية تحت عنوان “كن خائنا تكن أجمل” لها دعاية إعلامية منقطعة النظير، رغم أن هذا الرواية في الحقيقة لا يمكن حتى أن تصنف رواية طبقا لمعايير الكتابة الروائية.

رغم قتامة الصورة في العالم العربي خاصة، والعالم ككل عامة، إلا أنه وكما هو معلوم الأديب ابن بيئته، والواقع هو الذي يجعل الإنسان مبدعا، فالجيل الصاعد وإن سعوا إلى خندقته في مجال الإبداع التافه، وحصروا تفكيره في النقود وجعلوها مركز اهتمامه، إلا أن الأقلام لابد وأن تبدع، والأدب بالضرورة سينتصر، ولنا في “الحي الخطير” وثلاثية “مخطوطة ابن إسحاق” أحسن مثالين.

هشام بوطيب

هشام بوطيب مغربي الجنسية، كاتب روايات وقصص صاعد. معد سكريبت برامج مصورة.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى