سياسة وتاريخ

الحزب والأيديولوجيا.. بين جدلية الفكرة والواقع

لا تزال أزمة السلطة المتولدة عن أزمة السياسة وعقلها العالق وسط إشكالاته وأسئلته المؤجلة في التاريخ في البلاد العربية، تدفع إلى المزيد من البحث عن سبل الحل التي من شأنها أن تفضي في منتهى المطاف إلى الاندراج الطبيعي في سير السياسة وفق إيقاعها، وصار ينزاح من إيقاعه العالمي إلى الإيقاع العولمي في وقت يكاد المفهوم بذاته يغيب أو ينفلت من وعي العربي فكيف به على التجربة؟

إشكالية العقل السياسي العربي اليوم هو أنه يكتفي في محاولات تغذيه، بقشرة التاريخ ينقر عليها ولا يبقرها أو يخرقها ليغوص في عمق التجربة الإنسانية التي تأسست كنماذج تطبيقية ومعرفية، في وقت يظل فيه مستريبا متحفظا من كل ما هو وافد عليه وفق مقياس التجربة التراثية التي تطورت في وعيه، وصارت بإشكالاتها المتغربة عن العصر كتلة مرجعية للمعرفة وفي التطبيق قاتلة.

من ذلكم ما يطبع العمل الحزبي السياسي الذي هو أداة تمظهر واعتمال للسياسة وفق شرطياتها المؤسسية، حيث اتصلت الوسيلة (المؤسسة الحزبية) بوثاق غير طبيعي بالغاية بشكل استحال معهما الرتق المفضي إلى تحرير العقل من مكبل الهيكل ما من شأنه أن يعطي مرونة للعمل السياسي ويخلق فضاءات إضافية ومساحات أوسع للتلاقي في الرؤى والمفاهيم ويقلص من فجوات الخلاف داخل النسق السياسي الوطني.

من هنا تتضح أزمة الوطنية باعتبارها حالة طارئة على الوعي السياسي العربي، وكيف أنها مرتبطة أساسا بذلك الاقتران الوظيفي الحتمي الصعب بين بنيتي الهيكل والعقل في العمل السياسي العربي بصرف النظر عن التحدي الذي يعيشه المجتمع في واقعه ومدى استجابة هذين البعدين، المشروع (العقل) والحزب (الهيكل) لذلك التحدي.

إدغار موران والمقاومة بالشيوعية

في معرض إجابته عن سؤال طرحته عليه مقدمة برنامج في القناة الإذاعية الثقافية الفرنسية، متعلق برؤيته لما يطبع القرن الحالي من فكر وسياسة، في ظل تجربة القرن الفائت حيث طغت الشيوعية كفكر وسياسة على العالم، في وقت يسيطر فيه اليوم الفكر البيئي على السياسة بالغرب، وكيف انتقل هو شخصيا من الشيوعية إلى البيئية.

أكد السوسيولوجي والمفكر الفرنسي إدغار موران أنه وقتما اختار الشيوعية في بداية أربعينيات القرن الفارط، اختارها لكونه كان مقاوما للمد النازي وحالما اختلف مع نسقها الدوغمائي داخل الحزب الشيوعي الفرنسي قرر مغادرتها نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات، وأنه من يومها لم يتحزب ولم ينخرط في أي تنظيم فكري أو سياسي مهما كانت طبيعته.

بل وذهب إلى حد القول بأن تحوله إلى التيار البيئي إنما سببه يعود في الأساس لانشغاله بمسألة كيفية إنقاذ كوكب الأرض من العبث البشري من أجل البشرية ذاتها.

يتضح من هنا أن إدغار موران قد اكتفى من الوهج الشيوعي الحاشد بموضته وخطابه لجحافل البشرية المناهضة لهيمنة الشعوبيات والفكر الرأسمالي، ليستطيع من خلالها أن يمارس ويخرج فكره للناس، من غير ضرورة لابتلاع الخلفية أو القاعدة الإيديولوجية للحزب والاكتفاء بمنسوب الأفكار المتقاطعة مع الفكرة المؤسسة للحزب دون كتلة مرجعيته الفكرية أي إيديولوجيته الخاصة، .

بهذا حافظ على استقلالية تفكيره من هيمنة تلك الكتلة غير القابلة في الأحزاب الدوغمائية للجدل والنقد والتغيير، وهو ما مكنه من الخروج منه مع أول خلاف واختلاف حدث له مع قادة الحزب الشيوعي الفرنسي.

الانغلاق الإيديولوجي موت الفكرة

تجربة إدغار موران هذه يمكن التأسيس لها كنموذج عملي للممارسة الحزبية السياسية غير ذات المنزع الإيديولوجي المتزمت، لأنها تفرز معطيات عدة أهمها أن الفكرة المرجعية أو الإيديولوجية لا يجب أن تهيمن على التفصيلات الأخرى التي تنتج عن احتكاك واتصال العقل السياسي ما فوق المؤسسي خارج القوقعة الحزبية الخاصة أو الضيقة.

بل تغدو تلك التفصيلات عاملا مغذيا للفكرة المرجعية المؤسسة الأولى وتسمح لها ومعها للحزب أيضا، بأخذ سياقه السلس والسليم في التطور وفق الإيقاع الذي تتطور عليه المرجعية، سواء داخل السوق السياسية المحلية أو على الصعيد الكوني، باعتبارها جزء من التعبيرات البشرية ورؤاها للتاريخ الإنساني المشترك يتوجب نقله من مثالية الفكر إلى واقعية العمل السياسي.

المفكر الذي لا يستطيع أن يتحرر من قوقعة خلفيته الإيديولوجية، على اعتبار أنه لكل مفكر منطلق فلسفي إيديولوجي يشتغل وفقه على أسئلة التاريخ، فلا يمكنه بالمرة أن يسهم في تحرير الحزب وإخراجه من أسر وظلمة معبده الإيديولوجي، والاستنارة بوهج التجارب الفكرية والسياسية الأخرى، وهو ما يوقع الكثير من التيارات في مطب فرية امتلاك الحقيقة، حقيقة التاريخ الفكرية والسياسية في زمن انتحرت فيه الحقيقة التاريخية.

الانغلاق الحزبي موت السياسة

في تجربتنا العربية حيث الحقيقة أسهل ما يمكن أن يدعي السياسي امتلاكها في ظل اندحار العقل التاريخي، يعمل الحزب بنزوعه الانغلاقي وفق خلفية التأسيس الأولى على الحيلولة دون أن ينشأ فكر وطني متأت من مخاض التجربة الفكرية والتاريخية، هكذا انغلاق تسبب في موت السياسة بوصفها نشاطا مثاليا أخلاقيا ينظم حركية المجتمع على كل الصُعد المجتمعية ويضبط آليات إدارة سلطة القوة وقوة السلطة معا.

أكثر من ذلك صارت السياسة لفرط انزياحها عن العقل والتصاقها بالهيكل، ليس فقط تنفصم عن حرية الفكر بل تتصل أساسا بالمظهر، فمن خلال اللباس والملامح يمكنك أن تعرف التيارات ومذاهبها ورجالاتها ومقاصدها، فليس يصعب التمييز بين شيوعي وليبرالي وبين وطني وإسلامي، بل وبين إسلامي وإسلامي أيضا خارج الخطاب حتى!

التحول بالسياسة من فكرة القوة إلى قوة الفكر

كما وعطل الرباط الذي وثقت إحكاما به السياسة بالفكرة، محولة إياها من بعدها الوظيفي التصوري إلى دوغمائية قاتلة للسياسة والفكرة معا، عملية الانتقال من فكرة القوة التي تأسست عليها السلطة السياسية في الدولة الوطنية العربية إلى قوة الفكرة، ما أضعف الدولة وأضعف السياسة وأركس الوطن كله في وحل أزمة الوجود التاريخي في رحى صراع دولي ضار يشهده المجتمع العالمي بأسره.

في الجزائر التي طبعت تجربة تأسيسها القٌطري صراعات جمة، أخذت أشكال ثنائيات أهمها بين المدني والعسكري، وبين هذا الأخير و السياسي، وبين هذا الأخير والمثقف، ليظهر في الأخير المالي (الفاسد) فجأة كرقم جديد في معادلة الأزمة التاريخية للسياسة بالجزائر.

كل ذلك بسبب الأحادية التي رُسخت كنمط فكري وسياسي خاص يتوجب على المجتمع السياسي الجزائري الأخذ بها، ومع الأسف انتقلت هاته الأحادية من كونها أزمة سلطة إلى أزمة نموذج عمل سياسي حزبي، فمثلما انغلقت السلطة على مشروعها الإيديولوجي الوطني انغلقت الأحزاب فكريا وهيكليا على ذاتها وصارت مجرد مشروع تكرار الأحادية في حال وصلت إلى السلطة.

أي أننا وجدنا أنفسنا بإزاء التعدد الرقمي للسياسة، وليس تعدد في الفكر والتجربة، فما تعانيه مؤسسة السلطة من تصلب وتعلب داخلي يحول دون شيوع ثقافة التداول على الحكم، هو ذاته ما تعانيه المؤسسة الحزبية.

السالب الثابت في الأداء الفكري والسياسي الحزبي العربي

إن عدم جرأة المثقف والمفكر العربي على هجران برجه النظري المثالي العالي، وإنزال مشروعه على الواقع السياسي، وإن كان في بعض الأحيان له ما يبرره من هشاشة مجتمعات السياسة والمعرفة في العالم العربي، إلا أنه حرم المعرفة أن تنخرط في الواقع المجتمعي وتغدو مؤسسة له لا مؤنسة كما هي عليه حاليا.

كما وتسبب في طغيان الرداءة في الإنتاج السياسي لدى النخب الحاكمة منها والمعارضة، وزاد من تفاقم حدة الظاهرة بالمقابل ابتعاد مكونات المشهد السياسي عن الواقع، بل والسعي الحثيث لمعاودة تمثله إشكالا وحلا انطلاقا من المشروع التأسيسي الأول في انكماش زمني وتاريخي لا يطيقهما المنطق، في حين تتغير الوقائع وتتقلص الأبعاد وتأثيرات الخارج عل الداخل والعكس صحيح.

لعل ضعف الأداء الحزبي التي تولدت عنه مثالب كبرى أهمها العزوف الكبير عن العمل السياسي والعمليات الانتخابية من قبل الإنسان العربي، سببه هو عدم انزياح تلكم التيارات عن الحدود الفكرية الأولى التي وفقها رؤاها رأى الحزب النور في ظروف خاصة، ومحاولة التمدد إلى الواقع الدولي المتجدد خارج النسق الحزبي الجامد.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى