ثقافة وفنون

“الأنتيمون” ليوناردو شاشا

شابٌ في مقتبل العمر، يرث عن أبيه كدَّهُ في مناجم الكِبريتِ بصقليا– حيث تنتشر البطالة، وتسوء الأوضاع الاقتصادية في النصف الأول من القرن العشرين– ولكنه يتوقى ميتةً كتلك التي لقيها أبوه عامَ (1926م) بينما ناهز عمره هو بضعةً وعقدًا؛ إذ أوصلوه ذات ليلة إلى منزلهم مُفَحَّمًا، بلا ملامح؛ إثر انفجار إحدى المناجم الكبريتية، التي يواجه عمالها كل يوم خطر انفجار مادة الأنتيمون المميتة، الذي أو يودي بحيواتهم، أو يُفقِدهم الأبصار. 

يقرر الصقليُّ الشابُ– على ضوء ذلك– أن يفر من أصدافه، ويعتزل خطر عمله الشاق، الذي قد كان أفقده أباه في السادسة عشرة؛ فتضطره الحاجة، ويعوزه إملاقه المدقِع، ثم لا يجد من سبيل إلا التحير والأرق: ترى ماذا يفعلُ يقتاتَ به لقمة عيشه وهو البائس المعدم؟ 

 

«كنت الليلَ أهذي، دونما حمى تعتريني، ولا سقام، ولم أكن أنام: كانت كل كلمة حدثوني بها، كل ضجة تناهت إلى مسامعي، كل فكرة جالت بخاطري؛ كما لو أنهن ينفجرْنَ بداخلي، مثل برق آلة التصوير، الذي يطلقُه المصورون لالتقاط الصور، ثم انطفأ ذلك الضوء، واستبقى خيالي ضوءً أرجوانيًا، لا ريب أنه هو ذاته الذي يومض في مخيلة الأكِفَّاء.

لطالما غزاني الخوف من عنصر الأنتيمون* السام؛ ولأنني كنت أعرف أنه إما يحرق الأحشاء -كما فعل بأبي- وإما يذهب بنور العيون؛ إذ كنت أعرف الكثيرين الذين انطفأت أبصارهم بفعل الأنتيمون، ومن غدي كنت أجدني شيخًا ابن مئةٍ سنين، وعزمت أن لست أعود للعمل في مناجم الكبريت أخرى.

كنت أدري أن حربًا في إسبانيا، وكان جمهرةٌ قد ذهبوا بالفعل للحرب في إفريقيا، ثم كان أن جنوا الأموال، ولم يمت منهم غيرُ واحد من بلدتي.. وهب الموتََ واقعًا؛ فما كان ليُهيبَني أن أهلكَ تحت آشعةِ النهار، ولم أكُ قط لأخشى أن ألقى حتفيَ في الحرب الإسبانية، بل كل ما كان يُرعِدُني حقًا هو لهيب المناجم، أو -بالأحرى- الأنتيمون»

 

في مجموعته الروائية «أعمام صقليَّة» هكذا يسرد ليوناردو شاشا في حكايته «الأنتيمون» أحداث هذا المشهد المثيرِ التعْسِ، مسلطًا الضوء على حقائق التغييب السياسي الذي تعانيه الشعوب، وويلات الحروب التي يعانيها الجندي الفقير، ويجني غنائمها الأمير والوزير، ودَنَسَ السياسة الحقيرة، التي تتعامل مع الشعوب كأنهم الدُمَى لا تصلح إلا لتنفيذ خططها البائرة، أو فئرانُ تجاربَ لا يُبالىٰ بأمرهم إلا لأن تتحقق مصالحُ القيادات، والأحزاب، والفئات، والتوجهات الحاكمة. 

تقرع طبول الحرب الأهلية في إسبانيا في يوليو عام  (1936م)، وتصَّادمُ جبهات الحزب الفاشي الإسباني (الفالانخ) مع الحكومة القائمة اليسارية النزعة والتشكيل؛ فتخور القوات اليمينية المتمردة أمام جبهة الجمهوريين الليبراليين، والاشتراكيين النظامية؛ أو  يرسلَ الحزبُ الفاشي الحاكم في إيطاليا المددَ إلى جبهتهم في الجمهورية الإسبانية الهارية التي تضم –مع الفلانخيَّةِ– القوميين، ورجال الدين الكاثوليك –الذين يثورون على حكومة اليسار بكلا ليبراليتها واشتراكيتها– والموالين للنزعة الملكية. 

أما مُسُّوليني، فيرى في مساعدة صعود الفاشية في إسبانيا إلى سدة الحكم توطيدًا لسلطته، وعزًّا لها أمام الشيوعية المتصاعدة في أوروبا: كان الدوق دائما ما يقول: «إسبانيا اليوم، وغدًا العالم بأسره»، وبالفعل يقرر الزعيم الإيطالي أن يرسل قوات عسكرية للقتال في صفوف المتمردين الفَلَانْخيَّة؛ وثَمَّ كان العاطلون الذين يقطنون الجنوب الإيطالي– دون الشمال الصناعي شبه المزدهر– هم الطُعمَ لتنفيذ لعبته النكراء. 

 

«تزينتُ كما يزدان يوم الأحد، وانطلقت إلى مقر الفاشية، وجدت هنالك سكرتير الحزب، الذي كان يوما ما رفيق دراستي، وأصبح -حينًا بعدُ- ناظرًا للمدارس الابتدائية، لم يُكنَّ لي أيةَ ضغائن، بالرغم من تحفظه أني أعامله معاملة الرفاق، وكنت أخاطبه بلا رسمية، إلا أنني كنت أتحدث إليه بكامل الاحترام.

–أريد أن أذهب للحرب في إسبانيا. 

–في الواقع هناك خطب ما لا بد أن تفهمه: لقد أعلنت الحاجة عن متطوعين بالفعل، ولكن لم يُفصَح عن الذهاب إلى إسبانيا تحديدا. 

–فليكن إذًا، ولو إلى الجحيم.

–حسنًا حسنًا، ولكنهم يريدون عسكريين، الأولوية لهم، وأنت لست تنتمي لأية قوات عسكرية. 

–فالتقيدني توًا بأيِّهم.

–ليس الأمر بهذه البساطة. 

–إنني عضو في النقابات الفاشية، ولطالما كنت شابا ذا نزعة فاشية، أتممت التربية العسكرية، ومن بعد كنت جنديًا بالخدمة الوطنية، ولا أدري -إذ عدتُ- لماذا لم يدرجوا اسمي في قوائم العسكر؟!

–إذن تَنْشُدَه.

–أطالبُ به الآن: لم أشارك في الحرب بإفريقيا، ولكن هذه الحرب أريد أن أشترك بها، لقد كنت قناصًا أثناء فترة خدمتي بالجيش، وأنا لا أزال بصحة جيدة؛ أظن امرؤًا مثلي له الحق في أن يذهب للحرب؛ أوْ أكتبَ للدوق، وأعرضَ عليه أمر تطوعي!

كانت تلك حيلة نافعة: ذات مرة كتب عامل إلى مُسُّوليني شاكيا أنهم لا يريدون تسليمه جائزة ما… والحق أقول لكم؛ لقد دفعوا بها إليه.

قال السكرتير: سنرى ما يمكن فعله، سأبلغ المستشار وسنرى، عُدْنِي يومَ الاثنين. 

وبالفعل قد استدعونني بعدئذ؛ وثَم رحلت بكل سكينة، وراحةِ بال، ناحت أمي وبكت زوجتي؛ أما أنا فقد كانت مناجم الكبريت هي كل ما يخيفني حقًا، لكنْ الحربُ لم تكُ لتبدوَ لي عدا رحلة قصيرة.»

 

يقول شاشا: «في الحرب الجميع خاسر، ثم ليس إلا السادات يربحون»، وكذلك هو يا شاشا؛ فهم الذين يجمعون الغنيمة، وهم الذين يتقلدون المناصب، وينالون الترقيات، ويتلقون الأوسمة الشرفية، والقلادات، والتقديرات، وتُنسب إليهم البطولات؛ والقادات.

ألا من يريد الحرب؟ ومن يفيد من فيوض الدِما فيها؟ يروي لنا بطل قصتنا أكثر من حكاية لأكثر من جندي تبين لنا: كيف هي حالة التغييب التي يلعب بها القادة على البسطاء، والشعارات الكاذبة السفيهة التي تُردد بكل زيف، وتزييف، وتلاعب، وامتهان، دون تصديق، ولا حقِّ ولاء، ولا إيمان، كأنها هي المصالح الفردية التي تحرك؛ فتُحرَّكُ لها الأمم المستعبَدة بفعل المدنية والحضارة، التي–كما ذهب روسو– جعلت للقلة على العموم السيادة.

 

«حتى حططنا بإسبانيا، لم أكن أعرف شيئًا عن الفاشية، كما لو أنها لم تكن؛ فأنا عاملٌ بسيط–كما كان أبي، ومن قبله أبوه– أعملُ بمناجم الكبريت، كنت أقرأ الصُحفَ، وكنت أعتقد في الذي تترجمه كلماتها: كانت إيطاليا– التي تعكسُ الصحفُ– دولةً عظمى، وذاتَ مكانةٍ في العالم منذ الإمبراطورية الرومانية، وكان مُسُّوليني يلقي خطابات يروقني سماعها».

كان مُسُّوليني يحمِّلُ الحرب مأخذ الجهاد العقائدي في مواجهة الشيوعيين الملاحدة؛ لإعلاء كلمة الرب، والحفاظ على كنيسته، وديانته.

لم يكن حقيقيا أن حكومة إسبانيا شيوعية خالصة، بل كانت أحزاباً يسارية ائتلافية منتخبة بعد سقوط الحكومة اليمينية، قبل الحرب (1936)، متشكلةً من الجمهوريين الليبراليين، والاشتراكيين، وكانت الجبهات الحاكمة موالاةً من روسيا الشيوعية، والمكسيك الاشتراكي؛ أما جبهة فرانكو -الذي تزعم حركة الفلانخة- فكانت تواليها ألمانيا النازية، وإيطاليا الفاشية، وأمريكا.

«ساعتها فقط قمت أفهم حقيقة الحرب في إسبانيا؛ إذ كنت أحسب أصحاب الرايات الحُمْرِ -الشيوعيين– هم المتمردين الذين يسعون للانقلاب على النظام الحاكم، ثم أبان لي فينتورا –على النقيض– أن الفاشيين في إسبانيا هم المتمردون الحقيقيون، وأنهم لا يستطيعون قلب نظام الحكم الشيوعي وحدهم؛ فقد سألوا مُسُّوليني يدعمَهم، ومن جانبه حدَّث مُسُّوليني نفسه أنْ (ما أنا فاعلٌ بكل أولئك العَطَلَة الجنوبيين؟ إذنْ أبعثَ بهم إلى الحرب في إسبانيا، وهكذا  أملك الزمام) وبعد ذلك انبرى فينتورا يقول: بم ينفعك الشيوعيون؟ وبماذا ينفعونَني؟ ما شأننا بهم؟ لست أبالي البتةَ بكليهما، وعليهما جميعًا أبزُق؛ إنما أريد لأذهب إلى أمريكا… كَثُرَ ما حاولت التسلل عبر الحدود إلى فرنسا، ولكنهم لم يغفلوني قط، وساعةَ ما نُبِّئتُ خبرَ الحرب الأهلية في إسبانيا، وحاجتهم إلى متطوعين؛ أمسيتُ أشد الفاشيين تزمتًا في إيطاليا، حتى لقد جعلوني من بين أوائل المبعوثين إلى هنالِك، ولكنني – في الحقيقة– الفاشيةَ ازدَري، والشيوعيةَ كذلك.

أظن النبيذ قد خلق له رغبة عارمة أن يتكلم –وبثقةٍ وأمان– لينفسَ عما بداخله؛ ولأنه لم يكن ينبغي له أن يتكلم بهكذا صراحةٍ معي– أنا الذي لم ألبثْ أتعرفُ إليه– وبثقة جمة، وعن أمور خطرة؛ حتى لقد أخافتني صنائعُه.

بعد بضعة أيام أخبرني أن هذه الثقة لم يكن يستلهمها من النبيذ، الذي كان قد أسكره؛ وإنما كان يحسن بي الظن؛ ولأن له في الرجال فراسة، بَيْنَما أنا لم أزل أعتقد أن النبيذ هو الذي دفع به إلى الحديث، وكنت دائمًا أعزي إليه ألا يتجاوزَ القنينةَ نصفَها، قال لي يومها –وقد ألان النبيذ قلبه تجاهي–: إن أنت إلا واحد من بين أولئك العاطلين الذين غسل مُسُّوليني يديه من حملهم.. أنت عاطل… الفقير في إيطاليا– الذي لا يملك قوت يومه– يصبح في إسبانيا بطلا يصنع الأصانيعَ في سبيل عظمة الدوق».

الحرب– فيما يبديه لنا واقعها– بلا قيمة، كمثل عركةٍ تُضْطَّرُّ إليها؛ لأنه استغاث بطَولِك جارٌ، غيرُ ذي قربي، ولا جُنُبٍ، هو –في الواقع– ذاهبٌ يجيرُ آخَرًا، أنت من معرفته في حِلِّ، وأنت في معركته لا حول لك ولا قوة؛ في صف من لا تحب، ولستَ في الرأي تؤيد؛ لنصرة من لا تعرف، ولا تُعنى بفوزه، ولا بكامل أمره، ثم تكتشف حقيقة تفتك بمعنوياتك؛ إنه أفاكٌ مُضِلٌ مبين، ومن أنجده -الذي هو جارُكَ– قد كان خاتلك في شأنه.

«أيها الرفقاء – العمال والمزارعين– الإيطاليون، لماذا تحاربوننا؟ هل ترضون الموتَ بلا غاية، إلا أن تحرمونا حرية الحياة، نحن عمال ومزارعو إسبانيا؟ لقد خدعوكم؛ ألا فمنازلكم منازلكم، عوائلكم عوائلكم، أم هلموا إلينا بالترحاب نستلمْكم، رُفقاؤكم– الذين هم أسرانا– سيقولون لكم أننا فتحنا أمامهم أبوابَنا بلا صُدود، كانت الحقيقة مرة؛ فقد كانت تصاحبها قنابل المعركة بالطبع، والواحد منا لا لا يقدر على احتمال مرارة الحقيقة، والقنابل معًا».

وهو يحدثنا عن كذب الشعارات والهتافات، التي يموت مئات الألوف من أجلها، وما هي إلا تضحية بالية في سبيل مصلحة فردية لجبهة أو ائتلاف قد لا تعرفه –كما لم يكن بطلنا يعرف عن الفاشية– ولست تحبه ولا تنتمي إليه.

هذا التغييب لعقول الأجناد أبلج، وكأن لسان حال الجنود يقول «إنك لكذاب، ووالله إنك لتعلم أننا نعلم أنك كذاب»، كل في واديه أتى لا تستعنيه قضية مُسُّوليني، أو فرانكو، ولا يحمل في رأسه غير الذي دفع به إلى هناك.

«كانت هزيمة مدريدَ أشنعَ وأذمَّ ذكرى، على إثرها أوْقفونا للمساءلة، وواحدًا منا قد رحَّلوه، أذكر أنهم جعلونا نصطف صفًّا، وطفق قائد الميليشيا يمر علينا يتفحص وجوهنا، ثم توقف لدن أحد الجنود وساءله: أنت، ما الذي أتى بك إلى إسبانيا؟ تلعثم الجندي ثم أنشأ يجيب: كان لي صديق، صديق قال لي (هناك حرب في إسبانيا لما لا تقدم طلبًا؟)، وأنا قد كنت تزوجت عن قريب، وكنت أعمل في أرض إقطاعية، أتشاركُ زراعتَها مع أبي وأخي، فلما تزوجت ألقيَا بي في الشارع، وقال أبي (ابحث لك عن أخرى)؛ فحدثت نفسي أنَّ ذاك لعبثٌ أن أُلْفِيَ غيْرَ واحدة، ثم أين كنت لأجدها؟

ولحسن الحظ جاء صديقي ليخبرني عن الحرب في إسبانيا، لَمَزَهُ الكولونيل الذي كان في عون القائد: «أَهْبَلُ»، بينما أخذ القائد يمر من جديد، ويطالع الوجوه دون أن ينبس بكلمة، ثم توقف ثانية وسأل جنديا آخراً، وكنا جميعًا قد فهمنا كيف يجب أن تكون الإجابة؛ حتى لا ينعتنا الكولونيل بالحِمَاقِ، أو الأَهَابِل.

أجاب الجندي بصوت حازم: «من أجل عظمة إيطاليا، وأمن إسبانيا»؛ فالتقط القائدُ أنفاسه، وخاطبَه أن أحسنت، ثم التفت للكولونيل يقول له: نصرفُ مكافأة لهذا الجندي، كانت مساءلات كتلك –وبمثل هذه الطريقة– تعدُّ في غاية البَلَهِ والسفاهة، لقد عاد الكولونيل وحده بعد ذلك ليكمل التحقيقات؛ فأما فينتورا – الذي كان ألسَنَ فصيحًا– فأجاب بحصافة وحَذَق؛ تكلم عن الدوق، وعن إيطاليا الفاشية، وعن الدين بلسانِ اتحاديٍّ فيدراليٍّ، وأبٍ واعظٍ معًا، وكان هو في الحقيقة مبغِضًا للفاشية، ورجال الدين، ولكن– كالعادة– لم يكُ الفاشيون يريدون لمَّا العَرِصَ الحَذِقَ، الذي يختبرُ المُوَالَسَة، وقد كنا جمعًا – دون قلائلَ كان لديهم إيمانٌ بالفاشية– ذهبنا إلى هذه الحرب من أجل الراتب، الذي كانوا يدفعون لنا، وكنا مجبرين على الذهاب إلى إسبانيا؛ إما لأجل البطالة، وإما بسبب سوء الأوضاع العمالية في إيطاليا».

تعكس شخصية فينتورا ملامح الفكر الشاشاوي، الذي لا يرى في الحرب إلا خدعة كبيرة تخدع مجنديها، قبل أن تختال أعداءها؛ لم يكن فينتورا يهتم لأية فئة، ولا ينتمي؛ أما البطل فكان يزعُمُه ركيكَ المبادئ وهشَّ القيم، فكان أسلوب شاشا يصوره في عقلي إنسانًا منطقيًا إلى أبعد الحدود، لم يوجد الإنسان في هذه الأرض ليضحي بحياته من أجل إثبات تفوق قائد على آخر، ولم يُخلق ليقاتل من أجل مصالح الغير، الذين يستعبدونَه بالسخرة العسكرية؛ وإنما هو ليعمر حياته ويبنيها –قبل أن تسلبها كف القدر منه– وُجِدَ، وكان.

«في منتصفِ مارسَ كنا في دورية، ثم توقفنا عند نقطة ما بلا حراك، نائين إلى الصمت، كما لو أن تحذيرًا ما قد تناهىٰ إلى مسامع أحدنا، ولكني كنت أظننا سمعنا شيئا بالفعل غير ذاك التحذير الغامض، هممنا نتحرك، ثم سمعنا صوتاً يصيحُ: «ألقيَا سلاحَيكما»، استدارت رأسينا، مثل الدمى؛ بحثاً عن مركز الصوت، وإذا بأحدهم يشحذ سلاحه، ثم أطلق رصاصة في الهواء، وعاد الصوت يكررها من جديد: «ألقيا سلاحَيكما، واستسلما».

كانت الكلمات بالإيطالية، والصوت كذلك كان إيطالي اللكنة؛ قد لاح لنا في بادئ الأمر أنهم يمازحوننا، أو يتلاطفون معنا على محمل الود والزمالة؛ وبالفعل توهمنا ذلك، وقلنا: «ويْكُم! قَطْكُم مزاحًا.. هذا نحن»، فإذا بالصوت يجيب استخفافا: «بالطبع أنتما، نعرفكما جيدًا.. ألقيَا سلاحَيْكما»، ومن فوره قام فينتورا بحركة حثيثة، ثم انفجرت قنبلة يدوية بين الأشجار، ارتمينا خلف جذوع الأشجار، أما ذاك الملازم وجندِيه؛ فقد أُرْدِيَا قتيلَين. 

وبينَما كنا نستدفئ إلى شعلة من اللهب؛ قال فينتورا: «لمَّا بعدُ يُخلقْ مَنْ يحتال على لويجي فينتورا»، وجعلنا ندفئ بعض النبيذ على ألسنة اللهب، ثم قلت أنا له: لقد كانَا إيطاليَين، ربما قتلت قنبلتك منهما أحدًا.

–يؤسفني ذلك، ولكنْ حتى لو كان ذانِكَ من الأمريكيين– الذين أفتش عنهم– كنت سألقي القنبلة أيضًا؛ ذاك بأنه في بعض الظروف لا تنفعك إيطاليا، ولا أمريكا؛ لا الفاشية، ولا الشيوعية، الأمر وما فيه أن هناك لويجي فينتورا، وهناك من يريد أن يأخذه أسيراً.

ثم قص عليَّ يقول: 

–ذات مرة، وقع شجار في إحدى مقاهي نيويورك، ولما وصل رجال الشرطة، جعلونا نقف في مواجهة الحائط رافعي أيدينا عاليًا، ظللت ملتصقًا بالحائط لعشرة دقائق كاملة؛ واهًا له من خزي! أن يُوقَفَ رجل حر إلى الحائطِ وجهُهُ، وهو مرفوع اليدين، يومها قلت لنفسي أن الشخص التالي الذي يقول لي (ارفع يديك عاليًا)– إما إياي، وإما هو على هذه الأرض؛ فأي كرامة بعدُ إذنْ؟ وأنت تقف مرفوع اليدين، بينما يصوب أحدهم بندقيته نحوك.

وإن تلك الإعدامات أيضًا تصيبني بالغثيان؛ فأي الشرف في أن توجه رجلًا عُرض الحائط؟ وأنت تصوب نحوه ثنتي عشرة بندقية، إنهم أناس بلا شرف؛ أولئك الذين يدبرون الإعدامات بالرصاص، وأولئك الذين ينفذونها.. نعم، هكذا هم؛ أناس بلا شرف، قوم جف من وجوههم ماؤها».

كان فرانكو مجنونا بتصفية المعارضين؛ في كل بلدة كانت تسقط في أعتابه بعد مقاومة -أولعَ الجنرال بتنفيذ إبادات وإعدامات جماعية، لكل أولئك الذين خِيلَ أنهم موالون، أو مؤيدون للحكومة السابقة، أو للنزعة اليسارية الشيوعية؛ رغبةً منه أن يوقعَ الرعب في نفوس المتأخرين من المقاومة.

«في مالاجا، أخذت أسمعهم يتحدثون عن الإعدامات، وأيضًا لقائي بـ فينتورا لاحقًا فتح لي عينيَّ على الحقيقة، أما أهل المدينة فتسلمونا بالترحاب، جميعهم كان يرغب أن يقدم لنا شيئا، ويجري معنا الأحاديث، كانت النسوة تَبَسَّمْنَ لنا، والرجال كانت تقول (إنهم من اليمين)، ويدعوننا لاحتساء المشروبات، لم أكن أدري: ماذا يعنون؟ كنت أحسب قولهم – أننا من اليمين– نوعاً من الإطراء، أو لونًا من المحاباة الحسنة، أو ربما ترحيبًا بمذاق إسباني خالص، ثم شرح لي فينتورا أن الفاشية حزب سياسي يميني؛ وأن الشيوعية، ووليدتها الاشتراكية؛ أحزاب يسارية، وكان مواطنوا مالاجا جميعهم من اليمين، كانوا ينفذون إعدامات إلى ما لا نهاية، كانت ساحات الإعدام مثل المسرح، وكانت السيدات تذهب للمشاهدة من بعيد، وكانت هناك سيدة عجوز تشاهد بمنظار مصنوع من الصدف، لعب مشهد العجوز بمخيلتي؛ إذ بدا لي رمزا لتعنت الإسبان، وتزمتهم، كل من لم يكن «مع» كان لزاما «ضد»، أو بالأحرى في مالاجا كان يصنف شيوعياً، لقد كانوا يعدمونهم، وهم الفلاحون، والعمال؛ بالطبع كان ذاك يؤرقنا، حتى دون أن أدريَ شيئًا عن الاشتراكية كان هذا العلم، وتلك الألحان الاشتراكية؛ كافيين لأن يثيروا بداخلي ذكريات عسيرة، كذكرى أبي… لقد كانوا ينفذون الإعدامات في الفلاحين أثناء احتفالات ذكرى العَدْرَاْ، منتصف أغسطس».

وقد تعرض الكاتب– مبرزًا المعاني التي دارت حولها عقود القرن العشرين– للأرستقراطية، والعنصرية الطبقية، من خلال صورة (مدام ماريا) صديقة أمه، التي كانت تحمل له نوعًا من البغض، وتفجر عليه بالتعالي؛ لأنه لم يكن يقدم لها الولاء، الذي يشبع تيهَها، وعُجبها الطبقي، وهو يقدم لنا الفكرة واصفًا، ومعبرًا عن ملامحَ من الفكر اليميني الأرستقراطي المتطرف، الذي لم تتطهر منه المجتمعات الإنسانية، ولن.

«في تلك اللحظة، جالت بخاطري ذكرى السيدة (ماريا جراتسيا)، التي قد كانت أودعتنا عُشَّةً في رياضِ إيوانها، وكانت أمي تمسح أرضية طوابقِه، وأدراجَه ثِنتين كلَّ أسبوع؛ لتخفض من قيمة الإيجار، بينما كانت تلك السيدة تراقبها بنظارتها، وتقول لها: قد كنتِ أنهيتي مسح الدَرَجَ من جميع البقع والأوساخ، مرري الخرقة إلى هذه الزواية ثم مرريها أخرى إلى الردهة. 

تارتين في الأسبوع كانت تنزل أمي من البلاط منهكة مستنزفة القوى، حتى أن الرغبة في الطعام تعافها من شدة الإنهاك، والنصب.

لم تكن السيدة ماريا تظن بيَ الحسنى، لطالما كانت تقول لأمي: (ابنك ينشأ نشأة سُوأى، ليس خدومًا البتة، إنه بالكاد يلقي علي التحية، ويرتدي كما يرتدي السادة النبلاء، من يعرف إذًا أيةَ أفكار سوء قد غُسِلَ بها رأسه؟ على المرء أن يبقى حيثما قدرت له عناية القدر، وأن الفقير الذي يرتسم الغنى؛ تنتهي به الحال إلى ما لا تحمد عقباه؛ ألا ذاك فعلِّميه، وكانت أمي تعزي إلى القول أن (حيها يا بني، لتفعلْه من أجلي)؛ أما أنا، فلم أكن أرغب أبدًا في السلام عليها، كنت أرفع لها القبعة، وأقول لها: مساء الخير، لكنها لم تكن لتكفيَها التحية، بل كانت ترقب أن أقدم لها فروض التبجيل، والتعظيم، وأن أنحني مقبلا يدها؛ لذلك كانت تطالعني من وراء عدستها، ولا ترد التحية عليّ، لا ريب في أن هذي السيدة الأرستقراطية كانت لتودُّ أن تأتي واقعة إعدامي، تشاهدها بمنظارها أيضًا، مثل سيدات مالاجا».

ومن هذا المنطلق، يعرض الكاتب لمسألة العدالة، نافيًا أن تكون قاصرةً على الله؛ لأنه هو الذي يأتي بالشر، كما يأتي بالخيرات، وهو الذي يقدر كليهما لا سواه «قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً» وهو يعرض لنا –من خلال حديثه عن اشتراكية أبيه العماليّ– فرقًا جوهريًا بين مبدأ المساواة –التي لا تحمل في طياتها العدل بالضرورة– والعدل –الذي لا يعني بدوره تحقيق المساواة؛ كاشتراكيٍّ، كان أبوه طامحًا في المساواة، وإن تكن غيرَ مجدية في عالم القسطاس.

«ولكن الاشتراكية أيضا كانت تشبه قليلا الدين، كانت مثل مِرجلٍ تغلي فيه مجموعة من الأشياء، وكل واحد يضع لنا في داخله عظمة ليجعل منها مرقته التي تروقه».

لكن من منظور آخر قد لا يكون ذاك عدلًا؛ فتطبيق الضرائب المتساوية القيمة على كلا الفقير والغني نظرة اشتراكية غير عادلة، وكذلك سلب الثروات الطائلة من الرأسماليين غير الإقطاعيين فيه قمع واعتداء، وكذلك توزيع الفرص بالتساوي، دون مراعاة الحالات الفردية أو الأحقيات، من أعتى ألوان الجور، مع كونه أفضلها في التدليل على المساواة.

ومن هذا المنظور يستوي العدل الإلهي، الذي لا يكتمل إلا بكفة الآخرة، لأن الذي نال في الدنيا وبغى فمحروم، والذي حرم يكرم في دار الحق وإن عظمت ذنوبه، فقد علمنا في الأديان جميعًا أن الفقراء أحباب الله، وفي الكتاب المقدس «طوبى للرحماء فإنهم يرحمون، طوبى للودعاء فإنهم يرثون الأرض»، والودعاء هم المساكين الذي لا يقدرون، والذين لا يملكون، والذين هم لينوا الطباع، حسنوا المعاشرة، وأبناء هذي الطبقات دائماً مستضعفون، صابرون على البلايا التي يرزأهم بها القدر. 

وإني كنت قد لمست في نفس كل فقير رضا، لعَمري أفقده، مع فراهة ما أملك، ليس من مستوى مادي فقط، وإنما اجتماعي، وتعليمي، وطبقي، ثم نكتئب، ويبتسمون!

فهكذا تُدرس السعادة؛ بالروح، لا المادة، وكم من غني يشتهي راحة بال فقير– يشري بها كل امتيازاته– مثلما يشتهي الفقير غناه وانبساطه، وهذه القضية قضية قديمة؛ فلو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدَر، فسَجِيَّة الإنسان أنه باغ إذا اقتدر.

«وفقا لعقيدتنا لم نكن نعتد بغير الأمور الطيبات؛ أما الآلام والمعاناة فليست من فعل الرب، بل يأتي بها القدر، كنا نقضي يوم أحد هادئ، على مرقةٍ، وبعض اللحم، وكانت أمي تقول (ينبغي لنا أن نحمد الربَّ عطاياه)، أحضروا أبي إلى المنزل مفحماً، بفعل الأنتيمون، وكانت أمي تقول أن القدر اللعين هو الذي أحرقه، أريد أن أُرِيَ أمي– الآن– أن الربَّ والقدرَ هما نفسُ الشيء.

(يرد عليه فينتورا مستنكرًا وكأنه يحمل الله– الذي هو القدر ذاته؛ لأنه كلمته– ذنب سفاهات البشر من عفونة المجتمعات، والعسف القائم، والسفك الممعن، والظلمات التي لا يُرى لها سنا فجرٍ، ولا صباحًا؛ فيقول)

–لا أريد أن أختبر عن الله شيئًا، ولا القدرِ؛ من الحمق أن تفكر في القدر، كمثل أن تقف إلى جوار وادي النمل، ثم تشرع تفكر: «هل أسدد له ضربة؟ أم لا؟ أهو القدر الذي يسددها له؟ أم هو القدر الذي يمنعها عنه؟»، فإنك إذا أخذت تفكر في القدر قد يفُطُّ عقلك، وتفقد صوابك، وأنت تشاهد الوادي؛ لأن الأمر عند الله أكثر تعقيدًا، اقتنعت أن الموتَ إلهٌ، كل إنسان يحمل في داخله إلهَ موتِه، ولكن ليس أمرا سهلاً، هناك لحظات قد تتمنى فيها أن يكون الموتُ مثل غفلةٍ ناعسة، وأن تظل بعض الأمور عوالقَ في أهداب الأحلام، أي مرآة تعكس شخصك بينما أنت بالفعل بعيد؛ وهو الذي لأجله يتخذ الناس إلها يؤمنون به، ولكني الآن لا أريد أن أعرف عنهم أي شيء، أشعر أني مهجور وحيد، مثل طفل أخذ يمشي، ثم إنه يدرك– عند بقعة ما– أن يد أمه ليست معه لتسانده، فيتعثر.

هنا ينبغي لي أن أسير بمفردي، دون الرب، أو ربما– بالأحرى– لم يكن قط معي؛ وأنني إذا كان ينبغي لي أن أتخذ من إله، فلا بد أن يكون إلها صالحًا عادلًا؛ أما هو، فقد خلّاني– بالفعل– وحيدًا هنا، في إسبانيا».

بينما أنا أخالف فينتورا فيما ذهب، ولست أعارضُه في السبب، فربما أنا أيضًا أضعفُ على الابتلاءات، وأطيقها، وربما أن ربي لم يتركنِي قط حتى الآن، فوجدته وأنا في خضم الملهيات غارق، وكان لي في ظُلُمَات نفسي، وفي دهم الدواهي العضال، المشكلات تظل، فبدونهن لا تكون الحياة، لأن الدنيا جُبلت على الكدر، والإنسان مفطور على الكبد، لكن الأمر وما فيه لا يخرج عن نطاق العامل النفسي، لحظات الصبر التي يسليك الله بها ليقول لك أنما هو سامع مجيب، وإن لم يتدخل في القدر بالمنع، فإنه يتدخل فيه باللطف والتخفيف، فحكمته في ذلك أن يضمنك في صفه، ويستلبك من مخالب خَلَب الدنيا، وأخذها الغرور؛ فإنما أنا أتخذ اللهَ إلهًا لأنه القدير، ثم أحمد أن كان لي ربًا؛ لأنه يحمل عني الكثير مما أكله إليه، ويرعاني بعنايته في الشق الآخر الذي أتوكل فيه عليه، ونحن– المصريين– نقول: «اللي مالوش كبير، يشتريلو كبير»، وكبيرنا هو الله، الذي لا يتخلى، وقد يدعك تعاني حتى تُدَمَّرُ خلايا جَلَدِكَ، واحتمالك ينفد، ثم يتدخل في حبكة درامية تغير كل شيء قبلما تلفظ أنفاسك الأخيرة «قَبْلْ ما تِسَلِّمْ نِمَرْ».

أما السبب الذي أدى بـ فينتورا لما ارتآه؛ هو منطقي، ولست أقدر عليه نقدًا ولا تفنيدًا؛ فأنا أعيش خوفًا من غدٍ يصيبني فيه بعض الذي أصاب أقوامًا كـ فينتورا ولم يجدوا الله فيها لعلَّةِ الاختبار والاصطبار، وإنك لو كنت سألتني عن أوحدِ ما لست عليه مقتدرًا لقلت لك الصبر، وإني والله لست أصبر على مقالة حتى أنهيها، ولا قصيدة حتى أخط منتهاها، فاللهم لن تجدني صابرًا كأيوب، ولا يعقوب وإنما أنا كنفس إدريس التي فترت، وضعف آدم، وجزع موسى عن السؤال، وليس يغيب عن شخصي مسحات من قنوط إبليس -اللهم سلم- واللهُ لا يتخلى، أو يترك؛ وإنما هي مسألة تعزيز للاختبار على قدر عظمة المبتلى وأجره.

والإنسان ضعيف؛ أما وقت الابتلاء لا تقدر أن تفكر في كل تلك الفلسفات، وإنما تقنط، وتبور تربة أملك، وتزهق روح عقلك، حتى يتملك قلبك الزمام بفيض شعوره؛ وأما الآن فإنك تقول ما يمليه عليك المنطق الذي أعلمك أن هناك تجريب، وأن جزاءً سيكون، أما ظن النبي الله خلَّاه؛ فأنزل يقول «ما ودعك ربك وما قلى»؟ ، وقال داود: «إِلَى مَتَى يَا رَبُّ تَنْسَانِي كُلَّ النِّسْيَانِ؟ إِلَى مَتَى تَحْجُبُ وَجْهَكَ عَنِّي؟ إِلَى مَتَى أَجْعَلُ هُمُومًا فِي نَفْسِي وَحُزْنًا فِي قَلْبِي كُلَّ يَوْمٍ؟ إِلَى مَتَى يَرْتَفِعُ عَدُوِّي عَلَيَّ؟ انْظُرْ وَاسْتَجِبْ لِي يَا رَبُّ»؛ فذا طبع إنساني عتيد.

تعليق:

وبعد الذي عكسته لنا تلك الحكاية من ويلات الحرب، وسَفاهة القادة، وضراوة المَلعوب، وبعد الذي أطلعنا عليه من شرِّ العالم، وفساد متزعميه، وحقارة الودعاء فيه، وتباطؤ العدالة التي ناشد داوُد بها ربَّه الذي أمسكها طِوالًا «يَا رَبُّ، لِمَاذَا تَقِفُ بَعِيدًا؟ لِمَاذَا تَخْتَفِي فِي أَزْمِنَةِ الضِّيقِ؟ فِي كِبْرِيَاءِ الشِّرِّيرِ يَحْتَرِقُ الْمِسْكِينُ»، فهل نحن اليوم بصدد حرب عالمية ثالثة؟ هل يرمي بنا القادات والزعماء إلى مقبرة المعاناة في سبيل جنون العظمة والمصالح الفردية؟ يلعبون بنا لعبة العرائس في مسرح السياسة البارد الأبلد؟ هل يعود البشر يعانون ضنك الحروب وويلاتها دون قضية؟ هل تحكمنا خلافات الحكومات مع نظيراتها؟ حتى نبيت كأدوات رَخْصةٍ هينة طيعة في أياديهم الملأى بعُباب من دماء ضحاياهم الذين لقوا في سبيل عزة سلطانهم الحِمام؟ هل تخوض العوالم مجددا حرباً تباد فيها الإنسانية؟ تيتم فيها الطفولة؟ وتلطم الأنوثة؟ وتستباح الحريات؟ وتزهق العدالة؟ وتتنفس الخدعة فيها الصعداء مرحى؟ والشرف يلقى من جرائها الحتوف؟ والأمان يمسي سلعة شحيحة؟ والسكينةُ فريسةً للتدمير والفتك والإفساد؟ ثم تلفي في ساحتها الأصداف سبيلا لوقوعها؟ بينما يحتسي السادة في قصورهم النبيذ الدافئ، ويستدفئون بأبدان ملتهبة، يسكنون إلى حرارة نِشوتها على الفُرُش، وتقدم لهم أفخر الأطعمات والأشربات، والدواءات، ثم يقدمون لتفل الخطابات المعدة لهم يستثيرون بها العمير لنصرة جلالتهم، وينزفونهم أرواحهم، وأكبادهم كما كانت نزفت قلوبهم فهم ميتة إنسانيتهم، ثم يلوحون بالألوية، وتنالهم التشريفات وتكتب باسمهم الانتصارات، والمنتصر هو الذي يكتب، والسيد هو الذي يملك الأحبارَ والأقلام، ويشتري أصحابَها.

كل الذي يحدث في العالم الآن يؤكد لي التعبير الإنجيلي الصريح (الشرير–رئيس هذا العالم)؛ ثغور باسمة، وقلوب بالشرور ناضِحة، وجوه بيضاءَ، ووعود لا تسفر عن غير السواد الأدهم، كاذبةٌ الألسنة، تلفظ بالشعارات، والاصطلاحات الفارهة التي تخلِب وتَغِرُّ، وتقول بالحرية التي هي تُعارض مبدأها، منذ أن قرروا أن الحرية الوحيدة هي تلك التي يفرضونها أُحاديَّةً، وبنودِها التي يرون، دون حُرِّ قناعة، ولا اختيار.

رجل واحد، أو اثنين، أو ثلاثةُ نفر، تذعن لهم أمم، وتَحَرَّكُ لهم جيوش، وتسَّاقط بإشارة من أناملهم البكماء أرواحٌ، كأوراق الخريف المتداعية، وهم يتراقصون على فيضان الحروب، ويخططون لنجاتهم وغرق الكوكب، يُقسمون الكعكة بعد أن هضموها، ويُقسِمون على الحَيفِ عزمًا، وقد نادوا بما عداه ظاهرًا.

تقرع طبول الحرب؛ فكأنهم يفرحون، وهم يجلبون لنا الدمار، ويخططون له، يكتبون التقسيمات ويرسمونَها على الأرض الواقعة، بقوة المال والعتاد، وكلٌّ يحقق لمن علاه– واعتلا كرامة إنسانيته، ونُبْلَه –مصلحتَه- ابتغاءَ مصلحةٍ عند سلطانه، وهم جميعهم كلابُ الأُمَم، بل أفاعيها التي تنفث بالسم الخفيَّ، الداني والقَصِيَّ، ويخططون للحروب كأنها رحلة ميدانية؛ فتراق في سبيل كراسيهم نفوس وأرواح، وتزهق حيوات كثرى من الباقيات؛ وهل الباقون غيرُ موتى بقيدها؟

وإن هذا العصر لأعتى وأظلم من عصر الحروب، والحملات، والاستعمار؛ فإنما عولمة العصر تقضي بالخنوع للأقوى، ومهانة الأضعف من الأمم؛ بينما أنت– كفرد تابع– لا قيمة لك إلا بأمتك، ولا قدرة لك على خلاف قرارات سياداتها، ولا تقرير مصير روحك الزاهقة؛ أما الأقدمون كان عندهم الفعل لا المشاهدة، التأثير لا التلقي، القرار لا الائتمار، ونحن نسبح في هيمنة المُطْعِمِ بماله، العزيز بجنده، الجبار بعدته، المهيمن بسلطته، المعطي برضائه، المانع بسخطه، ونحن الغلام ذو المطمع، والغانية الهيفاء الرهيفة.

نحن –بني الإنسان– نعيش على أرض محتلة، أخذها الشيطان الذي هو على لسان الرب «الشرير رئيس هذا العالم»، واستعبد ثُبِينَ (ثـلَّةً) من البلياتشو الذين يحركهم بريموت كنترول، يهندسون له تخطيطاته؛ يقول لهم ويغريهمُ بالدنيا، ثم إذ يستوون يأمرهم الناهية، فينفذون الشر وقد استحلَوه واستحلُّوه، ويهبهم القوة فيجندون الأخباث الذين هم على ظاهر أمرهم، حتى إن يأمروهم فيمتثلوا، وهم الذين أكلوا الأخضر واليابس. 

الذي يسليني في تلك الدونية العقيمة، الجارفة، الضارية، المستبيحة، القارعة، الفاحشة، الدنسة، البلداء، إنما هو أنهم هم أيضًا «أراجوزات» تؤدي ما كتب لها من دور، وتنفذ، حتى يسقط الستار عن ظهورها، وعن وجودها نفسِه، هم يربونهم، ويختارونهم بدقة وعناية، حتى إذا استووا استعملوهم، ثم ألقوا بهم عرض الحائط، وهو ما يجعل أولي القادات يتصارعون أن يثبتوا أفضليتهم، حتى يمكثوا أطول ما أمكن، متغافلين أو مغْفَلين عن أنهم لعبة، أو عرائس مسرح، وأن لدورهم وقت معلوم، فنحن في التلاعب سواء، وفي الضعف والهون والخضوع كذاك. 

لا يغرنك ألقابٌ ومؤسسات وجمعيات وعُصَب، فإنما هم يبتدعون؛ ليزيفوا، وليصنعوا لأنفسهم مبادئَ وحقائق خاصة معنونة بما ألفَهُ البشر من عناوين أخاذة العبارة والصيغة، فهم يسلبون الحرية باسم الحرية، ويهدمون الدين باسم الدين، ويسرقون الأراضي باسم الاستقلال، ويحاربون الدول باسم السلام، وهم من ذلك في شأن ومنصب أعزي إليه صون وحماية ظاهرَين، وخراب باطن. 

تلاعب بالعقول المتابعة، وجرح للقلوب المناضلة، وسجن للطيور المهاجرة في فضاء الأمل، القضية كيف يحيا أولاء بوجهين؟ بل مئة وجه؟ كيف يعدون بما ينتوونَ نقائضه؟ ويبتسمون في وجه من يبيدون؟ كيف تخرج منهم إماءة السكينةِ ويدٌ يمدونها للسلام والأخرى في الظهر طاعنةٌ؟

القضية قوم جمعتهم فرقتهم، وعصبتهم هوان، وإجماهم خلاف، القضية بيتٌ تحس فيه الغربة، وعراء يساورك في امتداده الأسر كعصفور سقيم في قفص فوق شجرة وسط غابة فسيحة من فوقها غمام من جِمار ومن أسفل منها الغدق المسجر، القضية في نفسٍ خُلِقَت لتطمح في التغيير فتغيرت، وفي التأثير فتأثرت، وفي التعمير فتهدمت، آملةً فقُنِّطَت، حرة فسُبِيَت وعُبِّدَت، نقية بيضاء فسودتها الألغاط والغُمَم، حتى باتت فرصتها الوحيد لتحيا هي الموت.


«انْتَظِرِ الرَّبَّ وَاصْبِرْ في سبيله، وَلاَ يضيقُ صدرُكَ بالَّذِي يَنْجَحُ فِي طريق الشر، وبالذي يُجْرِي المَكَائدَ. كُفَّ عَنِ الْغَضَبِ، وَاتْرُكِ السَّخَطَ، وَلاَ تَغِرْ من فاعلي الشَّرِّ؛ فإنهم يُقْطَعُونَ، وَالَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ الرَّبَّ هُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ.

عمَّا قريبٍ لن يكونَ الشِّرِّيرُ، تَطَّلِعُ فِي مَكَانِهِ فَلا تجدُه هنالك، أَمَّا الْوُدَعَاءُ فَيَرِثُونَ الأَرْضَ، وَيَتَلَذَّذُونَ فِي كَثْرَةِ السَّلاَمَة، الصِّدِّيقُونَ يَرِثُونَ الأَرْضَ وَيَسْكُنُونَهَا إِلَى الأَبَدِ، أَمَّا الأَشْرَارُ فَيُبَادُونَ جَمِيعًا، عَقِبُ الأَشْرَارِ تَنْقَطِعُ، أَمَّا خَلاَصُ الصِّدِّيقِينَ فَمِنْ قِبَلِ الرَّبِّ، الذي هو حِصْنُهمْ فِي زَمَانِ الضِّيقِ، وَيُعِينُهُمُ الرَّبُّ وَيُنَجِّيهِمْ، يُنْقِذُهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ وَيُخَلِّصُهُمْ، لأَنَّهُمُ احْتَمَوْا بِهِ» -مزاميز- «طُوبَىٰ للوُدَعاء فإنهم يرثون الأرض.» -إنجيل متى- «وَلَقَدۡ كَتَبۡنَا فِی ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعۡدِ ٱلذِّكۡرِ أَنَّ ٱلۡأَرۡضَ یَرِثُهَا عِبَادِیَ ٱلصَّـٰلِحُونَ» ألَا «كَانَ ذَ ٰ⁠لِكَ فِی ٱلۡكِتَـٰبِ مَسۡطُورࣰا».


هوامش:

* عنصر كيميائي يوجد في الطبيعة على شكل مركبات الكبريتيد الخطير الذي يعد الخام الرئيسي للمعدن، واسمه العربي هو الإثْمِد الذي يدخل في تصنيع الكُحْل، واختيار العنوان بالاسم المعرَّبِ حرفيًّا هو الأكثر انتشارًا في أوساط التعدين والكيمياء.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد محمود القاضي

كاتب ومترجم، حائز ليسانس الألسن جامعة عين شمس، تتمحور كتاباته في مجالات الأدب السردي، وقضايا الفكر النقدي والفلسفي؛ باحث في مجالات اللغة، والدين الإسلامي، ومطالع لحقول التاريخ والآداب الإنجليزية والإيطالية، والسيكولوجيا، ومقارنة الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق