سياسة وتاريخ

الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي في عيون الغرب

يحفلُ تاريخنا العربي والإسلامي بالعديد من الشخصيات التي لعبتْ دورًا فعالًا في تشكيل تاريخ أمتها، فأصبحوا خالدين بأعمالهم، واستطاعوا أن يحفروا أسماءهم في ذاكرة التاريخ، فلا يُغفل ذكرهم مهما تقادم الزمن، ومن تلك الشخصيات المجاهد المغربيّ الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي قضى حياته مجاهدًا ضد القوى الاستعمارية التي احتلت بلاده، وفي هذا المقال نُسلط الضوء على جانب من حياة الأمير، وهو نَظرة الغرب إليه، فسوف أقف بشيءٍ من التحليل عند أقوال الغربيين عن الرجل، والأسباب التي تقف وراء موقفهم منه.

فلقد كان والده قاضيا، وكان يُكافح ضد الاحتلال الإسباني الذي احتلَّ “سبتة” و”مليلة”، وكان الأمير محمد منذ صغره يحملُ من الصفات ما يؤهله لخلافة أبيه في مركزه العلمي والقيادي([1])، ولذا اهتم أبوه بتعليمه حتى صار قاضيا مثله، ثم صار قاضي القضاة وعمره لا يتجاوز الثالثة والثلاثين، وبعد مقتل والده في معركة مع الإسبان سنة 1920م، بدأ محمد سلسلةَ من المعارك ضد الإسبان، حقق فيها انتصارات عظيمة، وأقام إمارة إسلامية بالريف، فاجتمعت عليه القوى الاستعمارية من إسبانيا وبريطانيا وفرنسا، فاضطر إلى التسليم حقنا للدماء، وتمَّ نفيه إلى إلى جزيرة “لا رينيون” سنة 1926م”، ثمَّ رأت فرنسا في عام 1947م أنْ تعيده من منفاه إلى فرنسا([2])، لكنه في الطريق طلب اللجوء السياسي من مصر، وبقي بها يواصل جهاده حتى مات سنة 1963م.

زعامة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي

ولا شكَّ أنَّ الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابيّ كان زعيمًا عربيًّا إسلاميًّا، التفَّ حوله الوطنيون من المغاربة، ولم يكن كفاحه محلَّ إعجاب من المغاربة وحدهم بل من العالم العربي والإسلامي كله، فلا جدال في نظرة التقدير من قِبل العالم العربي إلى الخطابي، لكن المتأمِّل فيما تداوله الغرب من أحاديث حول الرجل ورحلة كفاحه يدرك أنَّ نظرتهم إليه قد اختلفت عن نظرة العرب، كما أنَّهم لم يتبنوا نحوه اتجاها واحدا، ولذا يمكن أنْ نجمل نظرتهم للأمير محمدٍ في اتجاهات ثلاث:

الأول: ألقى بالتُّهم على الأمير محمد، واعتبره طالب دنيا، وساعيًا إلى الزَّعامة، فقد اتهمه بعض الغربيين بأنهٍ كان يسعى إلى السيطرة على خام الحديد الموجود في مناجم مدينة “مليلة” و” الحسيمة”، غير أنَّ هذا الاتهام لا يثبت أمام التمحيص، إذ لو كان ذلك هدفه لأمكنه الوصول إليه بالاتفاق دون قتال، كما أنَّه لا يفسر عملية هجوم الأمير صوبَ الجنوب وصوب الأطلس.([3])

كما اتُّهم الأميرُ محمد بأنَّه إنَّما أراد بقيادته للثورة أنْ يفرض سلطان البربر على العرب، وأن يُعلي من شأنهم على حساب العنصر العربي، غير أنَّ هذا الرأي الخبيث مردودٌ بما كان من سيرة الأمير ومواقفه، فلم يثبت عنه أنَّه فرَّق يوما بين العرب والبربر، وإنَّما كان الولاء للعروبة والإسلام فحسب.

الثاني: وقد نظر أصحابه إلى الأمير محمد نظرةَ إجلالٍ وتقدير، وأثنوا على خلقه وجهاده، فجريدة “الديلي إكسبريس” البريطانية  قالت عنه: ” إنَّ الأمير ابن عبد الكريم الخطابي يُعدُّ من بين كثيرين من مشاهير رجال العالم الذين لا تعرف سيرهم إلا في الروايات، فهو شديد الحذر والانتباه لا يبوح بخطته إلا عند تنفيذها، وقد عبأ جيشا على أحدث نظام …”.([4])

وقال “وردبريس” مراسل “الديلي ميل” البريطانية حينما زار الأمير في معسكره:”وسيم الوجه رغما عن غضونه، براق العينين، له نظرات النسر، مليح كأغلبية بني جنسه، أجشُّ الصوت، جميل اليدين، مهيب الطلعة، وديع المُحيا، دائم الابتسام، قد يشعر المتحدث إليه بطمأنينة وعطف، ومن رأيي أنَّه برئ ممَّا يرميه به أعداؤه الإسبان من الوحشية والقسوة في معاملة الأسرى …”. ([5])

ولم يتوقف الثناء عند حدود الصحف البريطانية وحدها، فقد مدحته بعض الصحف الألمانية، فجريدة “دويتشه الجمينة تسايتونغ ” الألمانية قالت عنه: ” هو رجل قدير ذائع الصيت وزعيم متعلم وقائد ماهر ومنظم حاذق وسياسي حكيم…” ([6])

وقد وصف الصحفي الأمريكي ” فانسن شين” لقاءه بالأمير محمد، وعبَّر عن إعجابه بصموده وثباته وتفاؤله في وقت يُحاصره فيه الأسطول البريطاني، وتقذفه طائرات إسبانيا وفرنسا، وذكر أنه يعتبره أفضل من ساسة أوروبا التافهين المشغولين بأمور تافهة.([7])

الثالث: وهو اتجاه عبَّر عن خطورة الأمير محمد وثورته على أوربا كلها، وإسبانيا منها بصفة خاصة، فيقول عنه “كورتي” عضو مجلس العموم البريطاني: ” إنَّ هذا الرجل الذي يزعم هؤلاء أنَّه يقاتل باسم الإسلام ويعيد إمارة المؤمنين والخلافة الإسلامية إنَّه لخطرٌ عظيم على البلاد الأوروبية”.

وقال الكاتب الفرنسي ” إميل بروي” :” إنَّ مركز إسبانيا في المغرب الأقصى صار متحرجا، وعبد الكريم يعرف ذلك ويرى نفسه قد فاز بالنصر…. وتراه يطمع في أن يكون الزعيم العصري للإسلام..؟ ([8])

وخلاصة القول إنَّ الرأي العام الغربي تجاه الأمير محمد  يتلخص في موقفين:([9]):

الأول: معارض للأمير ولجهاده، وهو التيار المتشبع بالفكر الاستعماري الذي له مصالح ومشاريع لها علاقة بالمستعمرات، وهو اليمين الأوربي والنخبة الأرستقراطية بصفة خاصة.

والثاني: ويمثله الرأي العام الشيوعي، وبصفة عامة كان اليسار الأوربي يقف من الأمير محمد ومقاومته للقوى الاستعمارية موقف المؤيد الداعم.

فالموقف الغربي من الأمير محمد قد اتخذ اتجاهين متضادين حرَّك كلاهما مبدأ النفعيَّة، فمن كانت مصلحته مع سيطرة الاستعمار على العالم كان معارضًا للأمير، ناقمًا على ثورته، ومَن تعارضتْ مصالحه مع سيطرة القوى الاستعمارية أيَّد الأمير وأثنى على جهاده، وبجانب هذين الاتجاهين نجد عددًا غير قليل من الأوربيين مدحَ خُلق الأمير محمد ومهارته الحربية دون أنْ يكون وراء ذلك هدفٌ يسعون لإدراكه، بل كان ذلك من قبيل احترامهم وتقديرهم لشخص الرجل وأفعاله، وهذا أمر بدَهيٌّ، فمن تجرَّد من المصالح الشخصية جاء موقفه مؤيدًا للحق مؤازرًا له.

ومهما يكن رأي الغربيين في الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي فسيبقى علامةً مضيةً في تاريخنا العربي والإسلامي، ورمزا للنضال والصمود، وفكرةً يستلهم منها المجاهدون في كل العصور الثورة والأمل.

المراجع:

([1]) انظر: محمد بن عبد الكريم الخطابي من القبيلة إلى الوطن، محمد العربي المساري، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2012م، ص 25.

([2]) انظر: دور الوطنيين المغاربة في حركة تحرير تونس والجزائر من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى غاية الاستقلال، رسالة ماجستير، رضا ميموني، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية والعلوم الإسلامية، جامعة الحاج لخضر باتنة، الجزائر، 2011-2012م، ص 3  و44.

([3]) عبد الكريم الخطابي، دكتور جلال يحيى، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 1968م، ص 150.

([4]) سيرة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي بطل الريف ورئيس جمهوريتها، رشدي الصالح ملحس، المطبعة السلفية ومكتبتها 1343ه، ص34.

([5]) المصدر السابق، ص 34.

([6]) المصدر السابق، ص 36.

([7]) عظماء منسيون في التاريخ الحديث، د. محمد بن موسى الشريف، سيبويه للطباعة والنشر والتوزيع، (د.ت)، ص 75.

([8]) سيرة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، ص 35.

([9]) عبد الكريم الخطابي حرب الريف والرأي العام العالمي، الطيب بوتبقالت، وكالة شراع لخدمات الإعلام والاتصال، العدد الرابع ذو القعدة 1417ه- أبريل 1997م، ص 17 وما بعدها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

د. أحمد علوان

دكتور أحمد علوان، دكتوراه في اللغة العربية ( النحو والصرف) محاضر بجامعة عين شمس، ومعد برامج تلفزيونية- ومنسق تربوي بإحدى المدارس الدولية بالقاهرة.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى