مدونات

الأمر ليس للمقايضة.. اعمل الخير وربما لن يعود لك

أتردد كثيرًا أمام عبارة “اعمل الخير عشان يرجع لك”، كنت مقتنعة في صباي بتلك القاعدة الكلاسيكية أن فعل الخير سيعود لك حتمًا ولكن أمام عدة مواقف؛ مثل موقف الكاتب إبراهيم الفقي الذي نشر التفاؤل مات محروقًا، ومحمد رمضان (المخرج) الذي كان يشتري البطاطين للفقراء مات من البرد في سيناء. أمام تلك المواقف كان لابد لرؤيتي أن تتعدل حتى لا أفقد ثقتي بالعدل ولا بالمنطق.

الفكرة كلها تكمن في؛ هل أنت تقوم بفعل الخير فقط لو سيعود لك؟ أهذه كل دوافعك تخدم نفسك فقط؟ رأيي أن فعل الخير لابد أن يكون أمرًا مجردًا من أن أنتظر منه مكسبًا شخصيًا لأفعله، بمعنى أن الفعل الخيّر لا يحتاج لمردود ملموس يعود عليّ كى أتنازل وأتكرم وأفعله، مجرد إدراكي قيمة العمل وأنه سيفيد أحدًا كافٍ جدًا أن أفعله طالما لن يضرني بل وأحيانًا هناك أناس يصلون لدرجة من اليقين والصدق والقناعة لا أصفهم بأقل من كلمة ملائكة، يمكن لهم حتى أن يموتوا في سبيل الدفاع عن فكرتهم و عن قناعتهم، فما الذي يمكن أن يكون عملًا خيّرًا أكثر من هذا؟

أشخاص مثل ريتشل كوري التى كانت مقتنعة تمامًا بحقوق الفلسطينين ووقفت بمنتهى الشجاعة أمام البلدوزر الإسرائيلي ولم تخف حتى أزاحها وماتت، ماذا يمكن أن يكون أسمى من أن تضحي بحياتك في سبيل فكرتك الخيّرة؟

أرى أن أنبل الأشياء هي التي تتم بدون انتظار مردود شخصي، اللهم سوى شعور الرضا عن أنفسنا، إننا كنا أقوياء وتجاسرنا  على أن نقف ونتغلب على أنفسنا أولًا قبل أي شيء وعلى من حولنا واستطعنا على أن نفعل الشيء الذى كنا مقتنعين أنه سيفيد غيرنا.

لا أكون مبالغة لو قلت أن أسمى عبادة هي التي تُؤدَى عن حبٍ خالص دون طمع في ثواب ومقابل من وراء العبادة كما نُسب إلى المتصوفة الإسلامية رابعة العدوية، مقولة أنها “تأمل أن تُحرَق الجنة والنار معًا ليعبد الناس ربهم عن حب دون طمع في جنته أو خوفٍ من ناره”.

لست بصدد صناعة قديسين أو أولياء أو “سوبر مان”، من العادى أن تؤدي فعل الخير منتظرًا منه مكسبًا ما أيًا كان، تحسن مهارة لك، تلفت نظر الناس فتفوز بعلاقات فتخطف وظيفة، تتعرف على ناس جدد، كل هذا محمود ولا ألومك عليه الفكرة التي ألعنها هي أن تصل لنقطة وتقول: “طب ما الخير لم يعد لي، لمّ؟ أنا أعرت أمس فلانًا مياه لم يا رب المكان الذى أنا فيه ليس به كولدير”، الأمر ليس مقايضة.

كنت في ندوة عن الثقة بالنفس في إحدى الجمعيات الخيرية وكانت توجد فتاة في الصف الأول الإعدادي وكان بالمكان شخص يعرفها وشى بها وقال إن صوتها جميل، فالمُحاضر أصر على أن تغني، ترددت الفتاة وفي النهاية بعد الضغط غنت، لم أستطع إنكار جمال صوتها وفكرت كثيراً هل أذهب لها وأثني عليها أم لا؟ حسمت ترددي وذهبت لها وأثنيت على صوتها في أول فرصة أتيحت لي.

بعدها طلب مننا المُحاضر أن نكتب ٧ مميزات يراها الآخرون فينا، ترددت واحترت وجلست أفكر دون أن أجد ما أكتبه سوى ثلاث مميزات حتى باغتتني من كانت تجلس على يساري وقالت لي “على فكرة أنتِ لازم تكتبي في المميزات أنك واثقة في نفسك أنتِ طلعتي اتكلمتي وكنتِ أحسن حد اتكلم وواثقة في نفسك وعندك لباقة في الكلام”. كل هذا تقوله لى فتاة لا تعرف اسمي حتى ولا تريد مني أي شيء! وهذا بعدما مدحت صوت الطفلة الأولى “طب ما الخير بيرجع أهو”! أجل لكن ربما يعود وربما لا يعود ليس هذا العامل الشرطي الذي يجعلني أفعله أو لا، الأمر ليس مقايضة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

نورهان مصطفى

أول جمل ينشر مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق