سياسة وتاريخ

الأفكار أشبه بحطام السفينة ربانها المجتمع ورياحها الخوف

عزوفك عن الأفكار التي كانت ترسي على شواطئ حياتك لا تعني أنك شخص متقلب الرأي بقدر أنك شخص تقيس أبعاد المرحلة التي تعيشها والتي يجب عليك أن تجدف مع تيار التحولات الفكرية التي تدفعك إلى الانتقال مع أمواج التجديد عبر رياح التغيير التي تدفع أشرعتك نحو التطوير والنضج وإعادة النظر في تفاصيل الأشياء.

وعلى النقيض، هل التغير الفكري يجعلك تطفو فوق الأمواج أم يهوي بك إلى القاع كي تبقى كحطام السفينة تعيش بيننا جسداً بلا روح أشبه بالسفينة التي تبحر دون ربان تائهة في البحر تحركها الأمواج هنا وهناك فلا تستطيع أن تتحكم بها أو أن تقودها إلى مرفأ آمن. كم تشبه السفينة في تركيبها ذلك الشخص التائهة في بحور التناقضات كي يقود نفسه نحو مصيرٍ مجهول.

إن التحولات الفكرية لها أسبابها وآثارها في التغير ليس فقط على مستوى الفرد بل قد يصل أثرها إلى أجيال متتابعة؛ والسبب في ذلك أن الإنسان كائن اجتماعي، يؤثِّر ويتأثَّر، ويغيِّر ويتغيَّر. فالماضي الذي مضى والحاضر الذي نعيشه يعج بالأمثلة من الناس ينتقل خلف اللذة الفكرية المؤدية إلى المجهول، فهناك من انتقل من اعتدال إلى تشدد، أو من تشدد إلى اعتدال، ومن منظومة متزنة من الآراء مستمدة من منهجية علمية، إلى آراء مبعثرة قائمة على النقيض والانتقاء بالتشفي.

يصاب بالريح العاتية وتلعب به الأمواج حتى يتحطم على شاطئ مجهول وتبقى أفكاره ذكرى ممزقة فلا ينفع بها إصلاحًا أو ترميمًا. ولكي نصل للنهضة الفكرية والعقلية والروحية توصلنا إلى شاطئ الأمان ينبغي علينا متابعة منهجية مختلف في التعامل مع الأفكار التي تطرح أو تفرض علينا.

لذا فإن، المنهجية العلمية ذات أهمية كبرى في ميدان الرأي والفكر، صيانةً له من الفوضى والآراء الشاذة والمتطرفة. إن المقاييس العلمية الصحيحة هي المصدر في قبول ورفض ما يطرح من آراء وأفكار في جميع الميادين المختلفة، سواء في الميدان الديني عبر الاستنارة بالعلم الشرعي الصحيح الصادر من أهله، أو في الميادين الحياتية بالاستنارة بالعلوم والتقنيات المفيدة من قبل المختصين ذي الخبرة.

وإذا أمعن النظر فيمن جعل التطرف طريقة ومنهج، نجد الخلل لديهم في ضعف المنهج العلمي، إما بسبب تأثر بالشبهات، وهو اعتقاد ما ليس بدليل دليلاً، نتيجة لضعف حصيلته العلمية والوازع الديني لديه، فهو يستنبط الأحكام الشرعية من دون أهلية، ومن دون استنارة بأقوال علماء الأمة وأئمتها.

وقد تأخذ التحولات الفكرية طريق آخر، تحت مظلة المصالح الشخصية فنجد من يلهث خلف رغباته وشهواته، فتيارات التقلبات الفكرية جرفت المبادئ والقيم وجعلته يطفو على السطح، فعندما تسيطر الدنيا والمصالح الخاصة على العقول يصبح الإنسان مملوكاً لمصلحته، وهذا ما يحدث جلياًّ وواضحاً للعيان في عالمنا الآن. في حين أن التحولات الفكرية قد توثر سلبًا على حياة الإنسان إلا أن هناك تحولات فكرية قادرة على انتشال الإنسان من القاع إلى القمة، ومن الرأي الضعيف إلى القوي، مستمعاً إلى صوت العلم، ويستشير ليستنير، فيكون في رقي مستمر قادر على الموازنة ما بين الصالح الذاتي والعام في الوقت نفسه، معتدلاً في آرائه، متزناً في اختياراته، متثبِّتاً غير متعجل، ليكون منارة مشرقة في آرائه المستنيرة، وقدوة في حسن نظره ودقة اختياراته.

إن السفينة التي يكثر ربابنتها تغرق أو ربما تصل لكن بعد فوات الأوان لأنها لا تملك وسيلة لتحديد الطريق فهي تنقاد إلى اتجاهات متعددة. لذا فإن التغيرات الفكرية المتكررة تجعلك تائه في بحر الأفكار تنقاد خلف العاطفة أو مصلحة ذاتيه كان ثمنها مبادئك وقيمك. وفي نهاية المطاف، مازال بداخلنا أفكار أشبه بحطام السفينة لا معنى لها سوى أنها غارقة بداخلنا كان ربانها المجتمع وأمواجها الصمت ورياحها الخوف. ويبقي السؤال الأهم هل ستذهب من تلقاء نفسها دون أي جهد أم ستبقى للأبد رغم كل جهد؟

اقرأ أيضًا: لنشق في أنهر الحياة مسارًا.. سبيل المواطن العربي في ظل غياب حكوماته

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق