ثقافة وفنون

الأغنية العربية وتأثيراتها على مفهوم الحب (العراقية والمصرية نموذجا)

الأغنية العربية ليست بعيدة بشكل ما عن الثقافة العامة التي يشكلها الوعي الجمعي والذوق العام، فهي تتشكل بناء على عصرها وتشكل الثقافة العامة للمدلول الشعبي، إذ يدل عدد المستمعين لأي أغنية على مدى نجاحها أو فشلها، وعلى الأغلب ينجح ذلك النوع من الأغاني الذي يحصد أكبر عدد من المستمعين، بغض النظر عن جودة المحتوى، وبمعنى أقرب إلى مسامعنا هي تلك الأغاني التي تحقق “شعبية عالية”.

الغريب والطارئ أن الأغنية العربية المعاصرة لا تعتمد في أسس تقييمها على قوة كلماتها ولا على سلامة لحنها كما كان ذلك في الأغنية العربية القديمة، بل اختلفت المعايير وتباينت أفضليتها وأصبحت تقاس لا على معيار واضح أو محدد ويود ذلك لاختلاف الأذواق تارة وللأمزجة الشبابية والأذن الموسيقية التي باتت تصنع ذوق الأغنية العربية العام.

فمن الأغنية الطويلة التي غالباً ما كانت كلماتها تعتمد على الأشعار وبالتالي اللحن الرصين والذوق الرفيع إلى الأغنية السريعة التي لا تعيبها سرعتها بقدر ما تعيبها كلماتها المفرغة ولحنها النشاز، بين هذه وتلك يعزي البعض ذلك الصراع على أنه صراع أجيال، حيث ما كان يلائم جيل “الزمن الجميل” لم يعد يلائم “الجيل الحاضر”.

لقد أثرت الأغنية العربية المعاصرة بكل ما تحمله من مفاهيم على كلا من الوعي والشعور لدى مستمعيها ونحتت بشكل مغلوط مفاهيم للحب جردته من القيمة التي نالها في الأغنية القديمة على يد “أم كلثوم” و”عبد الحليم حافظ” و”سيد مكاوي” وغيرهم، تلك القيمة المستمدة من فلسفة الحياة والواقع التي نقلتها الأغنية اليوم نحو التطرف في الشعور وفي الحب وفي السعادة وفي الحزن.

بالنسبة للأغنية العراقية المعاصرة هي في جوهرها أغاني تذهب لأقصى مراحل الحزن والألم وهي غارقة في الخيبات التي أورثتها للشباب اليوم دون أدنى مسؤولية، أغاني عجنت الحب بالألم والفراق والعذاب لغياب المحبوب وفقدان الصبر بل وفقدان الأمل في الحياة وتلك الشهية للحب، الشهية التي آمنت بها الأغنية القديمة، حيث كانت تتعطش لحالة الحب مهما كانت الحالة، ولأجلها هدمت أي جدران قد تعيق الإنسان على أن يحب، باختصار إن الأغنية العراقية اليوم جعلت من الحب حالة حرب نفسية والمحب فيها إما قتيل وإما قتيل، ونلاحظ فيها تكرار كلمات مثل: (هم، عذاب، مظلوم، مجروح، مهموم، متمرمر، خايف، ميت وأذية) وتكاد لا تخلو أغلب الأغاني العراقية اليوم من مثل هذه الكلمات وهو ما أثر سلبا على المفهوم العام للحب ليس فقط عند الشباب العراقي إنما على الشباب العربي بوجه عام ذلك لما تمتلكه اللهجة العراقية من شعبية عربية كبيرة.

وأما الأغنية المصرية اليوم فهي مما لا جدال تذهب نحو الانحدار إذا ما جعلت المعيار في هذا المقال ينصب حول قدرة الأغنية على البناء الفلسفي والنفسي للحب بعيدًا عن قوة الكلمات ورصانة اللحن، لذلك يجيز لي هذا المعيار التحدث عن الهبوط الحاد لمزاجية الأغنية المصرية اليوم، تلك التي تذهب نحو تسخيف الشعور بالحب والتقليل من قيمته باعتباره هزلا أو تجربة كوميدية ليس على الإنسان إلا أن يأخذها على سبيل الدعابة واللامبالاة بل وأبعد من ذلك فيجوز له أن يأخذها على محمل التسلية والبساطة، لقد أخفقت الأغنية المصرية المعاصرة على جعل الحب مظلة الإنسان الكبيرة، التي بشرت بها “أم كلثوم” قبل حوالي 40 سنة عندما غنت:

“الله محبة

الخير محبة

النور محبة”

وحصرت كل ذلك في دائرة أضيق من ضيقة تدور في فلك اللحن السريع والكلمات غير المفهومة وغير المتزنة، واعتماد كوميديا الحب السوداء في الأغاني واستخدام ثلاث إلى خمس كلمات محوريات تدور حولها الأغنية كاملة.

والسؤال الآن: هل أثرت الأغنية العربية على الذوق السمعي العام أم أثر الذوق العام على صناعة الأغنية العربية المعاصرة؟

هذا السؤال أشبه بسؤال “الجاجة والبيضة” ومن أتى قبل من، لكن أستطيع القول في هذا السياق أن كلاهما مؤثر في بعضه العض، فلو لم تجد الأغنية اليوم صدى وجمهورًا لما تكللت بالنجاح بالتالي لما تكاثرت مثيلاتها من الأغاني، وفي نفس الوقت لو لم تنتج مثل هذه الأغاني بصيغتها الخاصة لما ألفتها الأذن الشبابية ولا طربت عليها.

ومن الجدير بالذكر أن الأغنية اليوم لا تنتقد إلا من حيث ركاكة كلماتها وضعف لحنها والأولى بها أن تنتقد لفراغها الروحي ولعدم إمكانيتها عن التعبير، ومع استشكال فهم السبب الذي دفع نقيب الموسيقيين المصريين “هاني شاكر” من منع أغاني “المهرجانات” على الرغم من الشعبية الكبيرة التي حققتها هذه الأغاني، إلا أنه بالطبع يدرك خطورة نمو وانتشار مثل هذا النوع من الأغنية، وبناء عليه يجدر بنا أن نتساءل عن السبب الذي يجعل من هذا النوع الرديء من الأغاني أيقونة شبابية معاصرة.

هل علينا إعادة بناء مفهوم الأغنية العربية وتعبيراتها عن “الحب” و”السعادة” و”الحزن” ومعاني الحياة؟ أم علينا قبول الشكل الجديد للأغنية واستيعابها؟ أم نعزيها لأسباب الذوق العام التي لا طائل من الكلام فيها وتترك الأمور كل حسب ذوقه؟

فلسفياً تعتبر الأغاني من قسم “الجماليات/ فلسفة الجمال” أي ضمن ما هو نسبي، بحيث كل إنسان يطلق صفة الجمال عما يمثل له الجمال وصفة القبح عما يمثل له القبح، ولكن جوهر المعادلة في هذا المقال هو ليس التعبير عن الجمال أو قبح الأغنية العربية المعاصرة وإنما المسألة برمتها تدور حول محاكمة المفاهيم المشوهة التي تصدرها تلك الأغاني وترسم بها مشاعر وأحاسيس جيلا كاملًا.

اقرأ أيضاً: أغاني المهرجانات: ضجيج بلا معنى سمّوه «فنًا»

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق