ثقافة وفنون

«الأشياء تتداعى».. رواية انتصرت للهوية الإفريقية على التوغل المسيحي

تعد رواية “الأشياء تتداعى” للكاتب النيجيري تشينو أتشيبي، من روائع الأدب الإفريقي العابر للحدود نحو العالمية، فهي رواية الغوص في أعماق الأساطير الإفريقية القديمة، والأرواح وقوى الخير والظلام التي تتصارع على الأرض، ومناهضة الإمبريالية، وما تشكله من خطورة في محو تاريخ وإرث الحضارة القديمة.

الأشياء تتداعى: تذكرة الولوج للقارة السمراء

الأشياء تتداعى الرواية المترجمة لأكثر من خمسين لغة، مشبعة بالتفاصيل، تمنح قارئها تذكرة للولوج إلى جذور القارة السمراء، والتفاعل مع مكوناتها، ومعايشة أخطارها، وتمنحه رصيد غني عن قوانين القرى، عاداتها الاجتماعية، مناسباتها، طقوس احتفالاتها، نظامها الغذائي، وطرق معالجة المعلومات والأحداث، وذهنية بشر المكان. كما أنها تعكس حضارة القارة السوداء الموغلة في التاريخ الإنساني، وأنماط عيش قبائلها وفق سرد محكم البناء.

وتضمنت الرواية مقاومة الزحف التبشيري بالديانة المسيحية، كما أنها انتصرت للهوية الإفريقية، وقدمت نماذج من الأرواح الشريرة في الأساطير الإفريقية، حيث تتمدد هيمنة الأرواح الشريرة “أوجبانجي” إلى الرضّع لتفتك بهم ومازالت أجسادهم الصغيرة ضعيفة.

والطفل “الأوجبانجي” لدى الأفارقة؛ هو الطفل الذي يعذب أمه بموته، ثم تعود روحه مرة أخرى لرحم الأم.

من عار الطفولة الشاقة إلى حياة لم تكن في الحسبان

تنطلق الرواية من قرية أمووفينا -أرض الشجعان- التي تنحدر منها تسع قرى صغيرة، وتصوّر معاناة بطل الرواية أوكونكوو الذي يتحمل مسؤوليته عائلته منذ صغره في ظل أب خامل تنعته قبيلته بالمرأة لأنه لم يحصل على أي لقب من الألقاب الأربعة وفق نظام القبيلة.

وتتوالى الأحداث مع أوكونكوو من اجتهاده لتجنب مصير والده الذي شكّل وصمة عار في حياته، إلى كسب شهرة معتبرة بتغلبه على أقوى مصارع عرفته أومووفينا وما جاورها من قرى، وقتله خمسة رجال في حربهم ضد قبيلة مباينو، وصولاً إلى تكوين حياة يحسد عليها بامتلاك مزرعة، مخازن غلال، أكواخ، وعدد من الزوجات.

التوقعات تنقلب رأسًا على عقب.. والمنفى المصير

وبحسب رواية الأشياء تتداعى فإن حياة البطل تنقلب فجاةً أثناء مراسم دفن أحد شيوخ قبيلته، حيث كان قد أطلق النار بالخطأ فقتل أحد أبناء الشيخ المتوفى، وكان عقابه الاجتماعي أن ينفى “الأوتشو” -أي القتل بالخطأ- بماله وأهله لمدة سبع سنوات كاملة، وبعد انقضاء السنوات السبع، يمكنه العودة إلى قريته.

شكّلت سنوات المنفى في مبانتا، قرية أهل أمه، صفعة لطموحات أوكونكوو في تقلّد أعلى الألقاب في القبيلة، حيث أنه سيعيد رحلة الحصول عليها من جديد.

وبالفعل استعاد البطل شيئاً من قوته، وتحسنت حالته المادية بعمله في زراعة قطعة أرض “اليام” -نبات تشتهر به بعض دول إفريقيا شبيه بالبطاطا الحلوة- منحها له خاله، وتمكن من الوقوف على قدميه مرة أخرى، إلا أن الحملات التبشيرية للقرى التسع كان لها أثر في تدهور أوكونكوو باعتناق ابنه البكر المسيحية وهو ما أغضبه وجعله يقرر قطع علاقته بابنه والتبرء منه.

الأشياء تتداعى حقًا: العودة للوطن وقد تغير كل شيء

بعد انقضاء سنوات المنفى، يعود أوكونكوو إلى قريته أومووفينا ليجد الأمور تغيرت كما تغيّر الناس، فقد وجد كنيسة على رأسها رجل أبيض، واعتنق الكثير من شعب الإيبو الدين الجديد، كما شكلت المحكمة الذي بناها الوافدين الجدد مصدر رعب للسكان المحليين خصوصاً أنها مدعمة برجال شرطة مسلحين.

تتسارع وتيرة الأحداث حين يسجن شيوخ أمووفينا بعد حرقهم للكنيسة، ويتعرضون للجلد في السجن، وهو ما سبب لغط وغضب كبير بين سكان أومووفينا، وبعد إطلاق سراحهم يقتل أوكونكوو أحد موظفي المحكمة في اجتماع سكان أمووفينا في السوق لتداول إمكانية محاربة الكنيسة.

ويصدم أوكونكوو بخذلان أفراد قبيلته وفرارهم بعد قطعه رأس الموظف، وهو ما جعله ينتحر بعد ساعات في الباحة الخلفية لبيته قبل أن يقبض عليه رجال الشرطة.

 

برجاء تقييم المقال

الوسوم

منذر السعيدي

كاتب وباحث عُمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق