سياسة وتاريخ

الأزمة الروسية الأوكرانية.. ماموقعنا منها؟

هل الوطن العربي منقسم بين مؤيد ومعارض وشامت وصامت؟ فبرغم التداعيات الكارثية المتوقعة من وراء الغزو الروسي على أوكرانيا ربما أجد جانب مثير في ردود الدول المناهضة للخطوة الروسية “الرعناء” كما تصفها الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.. فكلها مجتمعة بشكل مباشر أو غير مباشر في ذات صفة “الرعونة” و “الغوغائية” التي أدت لغزو أفغانستان والعراق والصومال وتدمير ليبيا وتشتيت الشعب السوري وأدوارها المقيتة في إثارة الفتن لتفتيت الوطن العربي فيما يُعرف بـ”الربيع العربي” بقيادة “باراك أوباما” و”هيلاري كلنتون” وغيرهم من قادة العالم الغربي خلال عقدين من الزمن.. فهل قام القيصر الروسي “بوتين” بأمر جديد غير ما فعلوه جميعاً من قبل؟  وهل قتل وتشريد الملايين من العرب والمسلمين وتدمير الشرق الأوسط بذرائع واهية وأكاذيب فاضحة ومؤامراتهم الشيطانية تختلف كماً ونوعاً عما يجري اليوم في أوكرانيا، فقط لأن الضحية هذه المرة هي أمة أوروبية “شقراء” الملامح؟

الغريب أن الجمهورية الأوكرانية قد عانت من الحروب من قبل وبعد وأثناء الحربين العالميتين، وتم تقسيمها عدة مرات بين الشرق السوفيتي والغرب الأوربي، ولم يرمش لهم جفن قط.. فشرق أوكرانيا روسية الهوى واللغة والانتماء العرقي، بينما غربها تطمح أن تكون أوروبية غربية.. وعانت الأراضي الأوكرانية من التقسيم والاحتلال المتكرر بين روسيا السوفيتية البلشفية وبين جارتها الغربية المتمثلة في بولندا، ولم تستقر كدولة مستقلة (أو شبه مستقلة) إلا بعد تفكك الاتحاد السوفيتي.. حيث أُضفي الطابع الرسمي على هذا الاستقلال من خلال الاستفتاء الشعبي الذي أجري في الأول من شهر ديسمبر من عام 1991.. بل أصبحت أوكرانيا منطقة نفوذ متداخلة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا الاتحادية، وذلك عقب توسيع الاتحاد الأوروبي في عام 2004.. واتضح ذلك جليًا بعد ظهور انقسام سياسي بين أوكرانيا الشرقية الموالية لروسيا وأوكرانيا الغربية الموالية لأوروبا، مما تسبب في فوضى سياسية متواصلة ابتدأت بالثورة البرتقالية في عام 2004 وبلغت ذروتها في عام 2014 مع اندلاع ثورة الميدان الأوروبي وأزمة القرم، والتي وقعت فيها جمهورية القرم ذاتية الحكم تحت سيطرة روسيا الاتحادية.

وبوتين يقول بصراحة أن عملية إنشاء أوكرانيا الحديثة بشكل كامل كان في الأساس من قبل روسيا، وعلى وجه التحديد من قبل البلاشفة الروس.. حيث بدأت هذه العملية عملياً بعد ثورة 1917.. وعلاوة على ذلك، يضيف بلا مواربة بأن الزعيم السوفيتي “لينين” ورفاقه هم من قاموا بذلك على حساب روسيا من خلال تقسيم أراضيها التاريخية وتمزيق قطع منها.   فالزعيم الروسي قد أعلن مراراً أن انهيار الاتحاد السوفييتي السابق كان أكبر كارثة من الناحية الجيوسياسية خلال القرن العشرين، لكن يبدو أنه يحاول أن يصحح الخطأ التاريخي الذي وقع فيه مؤسس الاتحاد السوفيتي “لينين”، حسب رأيه، عندما تم تأسيس الجمهورية الأوكرانية بعد انتهاء الحرب الأهلية التي تلت ثورة 1917.. بل ويؤكد بأن أوكرانيا هي صنيعة الثورة البلشفية حيث منحتها الزعامة البلشفية الإحساس الخاطئ بالدولة عبر السماح لها بالاستقلال الذاتي داخل الدولة السوفيتية الحديثة المنشأ حينها.

لكن التاريخ يشهد بأن الأراضي الأوكرانية رزحت تحت سيطرة الدولة العثمانية لفترة ليست بالقصيرة حتى أبرمت روسيا وبولندا معاهدة “السلام الدائم” عام 1686.. وقد أنهت تلك المعاهدة حوالي أربعة عقود من المعارك مع الإمبراطورية العثمانية التي نجحت في السيطرة على مساحات شاسعة من أوكرانيا.  وبموجب تلك المعاهدة تم تقسيم دولة “القوزاق” وسيطرت روسيا القيصرية على مساحات كبيرة من الأراضي الأوكرانية ومن بينها مدينة “كييف” التي كانت تحت سيطرة بولندا، مقابل انضمام روسيا إلى التحالف الأوروبي المناهض للدولة العثمانية والذي كان يضم بولندا وليتوانيا والإمبراطورية الرومانية وإمارة البندقية.

وبموجب ذلك الاتفاق والتحالف “الأرثوذكسي” شنت روسيا حملة عسكرية على “الخانات التتر” في شبه جزيرة القرم، واندلعت الحرب الروسية – التركية بين عام 1686 و1700 وانتهت بتوقيع معاهدة القسطنطينية بين روسيا والسلطنة العثمانية، حيث تنازلت الأخيرة عن مساحات كبيرة من الأراضي الأوكرانية التي كانت تسيطر عليها، مثل سواحل بحر “آزوف” لصالح روسيا مقابل تعهد روسيا بمنع “القوزاق” من شن هجمات على الدولة العثمانية، ومنع الأخيرة لـ”تتر القرم” المسلمين من شن هجمات على روسيا القيصرية.

ربما يكون تاريخ أوكرانيا مليئاً بالحروب التقليدية والنزاعات عبر التاريخ البعيد والقريب، غير أن هنالك حرب إعلامية تدور رحاها اليوم خلف الكواليس في ظل الانتشار الواسع للمنصات الإعلامية ووسائل التواصل الحديثة التي تعمل على خلق الأكاذيب والافتراءات والأخبار والصور المفبركة.. ونحن بين المؤيدين والمعارضين والمتعاطفين مع هذه الجهة أو تلك نعيش في متاهات الشبكات العنكبوتية.. فمن سيوضح لنا حقائق الأمور ومن سنصدق؟   إنها في الأخير مأساة حقيقية تدور رحاها بين أضلع العالم الغربي “المتمدن” الذي قد بات على شفا الوقوع في أتون حرب عالمية ثالثة، ربما نووية المصير، بعد عهود من ممارسات الاضطهاد لأمم شتى حول العالم.. فبالرغم من تدخل حلف الناتو في انقاذ مسلمي البوسنة والهرسك من مجازر الصرب الأرثوذكسي في التسعينيات من القرن الماضي، بات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو هذه المرة في هلع وتردد من التدخل بشكل مباشر في وجه “بوتين” والمعضلة الأوكرانية خوفاً من تفاقم الأوضاع وامتداد التحرك الروسي نحو دول شرق أوروبا بشكل خاص، ونحو غربها بشكل عام، مع تلميحات وتهديدات القيادة الروسية باللجوء لترسانتها النووية المرعبة!

فأين نحن العرب مما يجري في أوروبا؟ هل نحن خائفون من اندلاع حرب عالمية ثالثة، ربما نووية، وربما تطال حدودنا، أم أننا بعد ما شهدناه من أهوال ومآسي وحروب وتشتيت ومجازر وقنابل فوسفورية وعنقودية وبراميل متفجرة لم نعد نكترث لما يجري هناك؟  هل بات كل همنا اليوم الخشية من ارتفاع أسعار وتكاليف “الخبز” لأن جل وارداتنا من القمح كانت تأتينا من روسيا وأوكرانيا؟ هل لم نعد نتأثر بأخبار الحروب حول العالم بعد أن عايشنا في أوطاننا الويلات تلو الويلات وشهدنا المجازر التي كثيراً منها كان من ورائها تلك الدول الغربية المستبدة والغاشمة؟! فهل بعد ضياع فلسطين ودمار العراق وسوريا وليبيا والسودان واليمن والصومال نجد ذرة من التعاطف مع أوكرانيا؟؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

د. محمد العباسي

أكاديمي من البحرين.. دكتوراة في سيكولوجية تعلم اللغات.. أكثر من 30 سنة في إدارة وتعليم اللغة الإنجليزية في كليات وجامعات في البحرين والكويت.. درست وعشت سنوات الدراسة و العمل في قطر والكويت وكاليفورنيا ولانكستر في إنجلترا وكارديف في ويلز.. متقاعد، وأكتب مقالات في كافة المجالات التربوية واللغوية والاجتماعية والسيكولوجية والفلسفية والسياسية، إلخ. وأيضاً لي مشاركات أدبية و مطبوعات شعرية.
زر الذهاب إلى الأعلى