مدونات

الأزمات وولادة آفاق جديدة

النظام الكوني والدورات الحياتيّة

تُشير معظم الحضارات والعلوم القديمة حول الكون، إلى وجود نظام كوني يسير وفق مسيرة مرتبطة بدورات زمنيّة، وتتميّز كل دروة بسِمات خاصة تطبع خصائص وصِفات العصر، وهذه المعلومات تعود إلى دراسة علم الفلك والكواكب والنجوم في حضارة مصر القديمة، بحيث نبع من تلك المعرفة قانون كوني، وهو أحد قوانين هرمس (مثلّث العظمة).

وهذا القانون يقول بأنه كما هو فوق كذلك في الأسفل، والمعنى من ذلك أنّ حياتنا على الأرض هي انعكاس للحياة في السماء أو الفضاء الكوني، ومن خلال ذلك يمكن أن نفهم تأثير الكواكب على السِمات البُرجية، وتأثير حركة الكواكب والنجوم على التغيّر المناخي والحركات الطبيعية التي تحدث على الأرض، كما يُمكن فهم أحزمة الطاقة المنتشرة على نقاط مُعينة من خطوط الطول والعرض على الأرض، والتي هي مرتبطة بشكلٍ ما بمواقع النجوم.

من خلال هذا الاستعراض البسيط لمعرفة كونية غير محدودة، يُمكن النظر إلى الحالات الذهنية والشعورية والسلوكية التي تميّز بها كل عصر من العصور، بحيث مرّت الأرض بحالة من الارتقاء المعرفي والروحي في عصور الحضارات القديمة مثل حضارة مصر والحضارة الإغريقية، والتي مازلنا نستقي منها حتى اليوم معرفتها وفلسفتها وعلومها، ونحن ندرك بوضوح كميّة الفلاسفة والعلماء الذين مازالوا خالدين حتى اليوم منذ تلك الحقبة من التاريخ.

كذلك مرّت حقب أخرى مختلفة ومتوالية من الحروب والقِتال والدمار والاستعباد وصولاً إلى ظهور الثورة الصِناعية التي غيّرت وجه الفِكر البشري، ونستتبع الحقبات حتى عصرنا هذا الذي يقع ضمن مرحلة ثورة التكنولوجيا والمعلومات والاتصالات، والتي غيّرت أيضاً مُعظم المفاهيم الإنسانية والاجتماعية.

واليوم تُشير علوم الخيمياء إلى أنّ البشرية تمرّ بمرحلة من الصحوة الروحية، والتي بدأت منذ العام 2012، بحيث يعيش العالم مرحلة من الصراع الوجداني والوجودي بهدف أن يخلع ثوب المادّية والفساد والفوضى التي سادت لفترة طويلة من الزمن، ورسّخت في البشرية حالة من الانفصال الوجودي، والتي تتميّز بالتفكير والشعور الفرداني المنفصل عن الكون والجماعة، وهي الحالة الأنوية الماديّة الخالية من الإحساس بالأمان، والمُشبعة بالخوف والغضب والقلق، نتيجة المُخالفة لنظام الطبيعة والكون، والرغبة بالتمرّد الإنساني على الطبيعة الأم، ممّا حفّز الاضطرابات والأمراض النفسية والسيكوباتية، وحفّز التباعد والتعارض بين الناس، فَساد نوع من العزلة الإنسانية رغم وجود جميع وسائل التواصل.

نظام الأزمات والنقلات

تقول المعرفة الكونية القديمة أنّ الحياة الإنسانية هي إسقاط للطبيعة، فمثلما تتبدّل الفصول في الطبيعة ويمرّ فصل الصقيع والمطر والرياح يمرّ أيضاً موسم الحصاد والثِمار والقطاف، وتتوالى الدورات بين برد وحرّ لتستمرّ الحياة، بحيث لا يُمكن أن تُثمر الشجرة ما لم تمرّ بمرحلة اليَباس وتساقط الأوراق، لتتمكّن من العودة لاحقاً إلى الاخضرار والإنتاج، وتلك الحالة من الانحلال والاضمحلال ضرورية لاستعادة الطاقة، ولا غنى عنها في مسار الدورة.

وكما هي الحال في الطبيعة كذلك هي الحال في الحياة الإنسانية والبشرية، فالإنسان هو أحد مخلوقات الطبيعة وخاضع لأنظمتها، فهو لا يُمكن أن ينضج قبل أن يمرّ بمراحل من التجارب الفكرية والاجتماعية والذهنية، ومن ناحية أخرى لا يُمكن أن يفهم البشر معنى السعادة والسلام ما لم يختبروا تجارب الحزن والخوف، فالفقير يقدّر المال والمريض يقدّر الصحة والأمّي يقدّر العلم، بالتالي فالكون مبنيّ على الثُنائيات والمُتناقضات كأُسس مكوِّنة لحالة الكون الكلّية.

ولا بدّ من اختبار وفهم كل المُتناقضات للوصول إلى المعرفة الكاملة، والحالات المأزمية التي يمرّ بها البشر سواء على صعيد حياتهم الشخصية أو الأزمات الجماعية التي تخصّ بلد معيّن، هي تجسيد لحالة اليَباس والاضمحلال التي تسبق إعادة التوازن، وهذه الأزمات تعبّر عن الحالة البالية التي وصل إليها البشر، بحيث يكون ظهور الأزمة تجلّي لوضعيّة خلع الثوب البالي والمُنتهي، واستبداله برِداء جديد يعبّر عن بداية دورة أو فصل جديد من الحياة.

الأزمة العالمية الحالية

إنّ الأزمات التي تطال كل البشر في جميع البلدان هي حالة عالمية ينبثق عنها توحّد بشري حول تلك الوضعيّة المُقلِقة، كما تتوحّد الجهود حول غريزة البقاء والخروج من تلك الأزمة.

فانتشار الأوبئة العالمية يعبّر إمّا عن الوضع الذي تقوم فيه الطبيعة بتنظيف الرواسب والأوساخ الكونية العالقة، والتي باتت تعرقل مسار الدورة الكونية من خلال إزالتها واقتلاعها بواسطة الرياح أو الأعاصير أو الزلازل أو الانفجارات البركانية أو بواسطة البكتيريا الطبيعية الهادفة، وذلك بهدف العودة إلى حالة التوازن الوجودي، أو قد يكون انتشار تلك الأوبئة دلالة على تمرّد الإنسان على النظام الطبيعي، واستخدام وسائلة اصطناعية للعبَث بالعالم وفق توجّهاته الفكرية والماديّة.

وهذه الحالة أيضاً تعبّر عن الوصول إلى حالة اليَباس والفساء والاضمحلال الروحي والشعوري، والذي لا بدّ له من الزوال لاستعادة إمكانية ولادة نور جديد ذي توجّه روحي وفكري أفضل وأرقى.

إنّ هذه المرحلة التي يعيشها العالم من انتشار الوباء وحالة الشعور بالخوف على الحياة والحذر والوقاية ومُضافرة الجهود لإنقاذ الحياة، هي وضعية مأزميّة تحفّز الفكر الإنساني على نبذ كل أشكال الأنانية والمادية، ويُعيد الإحساس الروحي الجَمعي بقيمة الحياة والسلام، وبالتالي لا بدّ أن ينتج عنها حقبة جديدة تعيشها البشرية في فصل أرقى وأفضل وأكثر وعياً ومسؤولية تجاه الحياة، كما سوف تُرسي هذه الأزمة الإحساس بالوِحدانية والانتماء الكوني البشري بعد حقبة طويلة من الانفصال الرقمي.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ألحان نجيب الجردي

ألحان نجيب الجردي - أخصائية في علم النفس العيادي، وأستاذة في العلوم التربوية والإجتماعية للمرحلة الثانوية المهنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق