مدونات

الأدب وصنائع الأدباء

وما أجمل بعد الغداء! من أن تستلقي في ظهيرة أو أصيل، فلا صوت يَضجُّ حولك، ولا بضع كليمات يدُرنَ بفلك أسماعك؛ لكن يؤانسك الصمت، ويُنادمك الجَمام، ثم تراجع فكرك وتقرأ وجدانك، وتسرح بخيالك، وتعبِّر، فالكلماتُ تأتيك تترًا بلا إمعان، أو تقرأ قراءة تطلعية صامتة.. في رواية، أو تاريخ، أو سيرة، أو أدب.. أو ربما سيرة تاريخية للأدب في رواية!

كرهت طيلة الفترة الأخيرة أن أقرأ في التاريخ غير العربي بالعربية، فأتلقىٰ عن أناس مُسْتَغْرِبين أو مترجمين.. قد عَفَتْني فيهم الثقة؛ لا سيما أني مترجم أيضًا، فتأخذُني الأنَفَة وآبىٰ غيرَما أدأبُ على دراسة أصلِ ما أطالعُ بلغته الأم أو أُلمَّ بعلمِه؛ فالإلمامُ، ثم أترجمَ فَهمي، ويثقل مصدري، قبلما أتكلم فيه، وأكتب.

ولأن الإنسان يرغب إنْ ليس عليه؛ كنت أحب أن أطالع وأطالع إلا ما استوجب مطالعتي، حتى جعلت من ذاك مدَّخَلًا مما أستثقِل الشروعَ فيه، ومَدْخَلًا إلى جوهره.. فقرأتُ أدَباءَ سِيَرَهم، وأسهبتُ في رؤاهم والمدارسَ، فكنت أقرأُ الجَمهرةَ لا أكتفي بالنبذاتِ عنهم ولا الصغائر، ثم بينَا أنا دراسٌ قارئ إذ الأقدارُ تَدَاخَلُ، والمساراتُ تَشَابَهُ وخبراتي القاصرة.. أنِّي نائلٌ؟ مما أنالهم القدرُ من الشهرة والتعظيمِ يومًا، بقدر ما أنالهم وإيايَّ من الكدر والشقاء الوجداني، الذي أعيى الأخلادَ، وأنهك الأرواح سابحًا بفَلَكِها. 

فلم أكن لأقولَ -ولا ينبغىٰ- أني تأثرت بتَرْجَمَتِهم، كما هم تأثروا خَلَفًا بأسلافهم.. وأخذوا من آداب بعضهم البعض، وأثروا في ثقافات بعضهم البعض جيلًا تلو جيل، وأديبًا عن آخر، ومدرسة عن مدرسة، وتوجهًا بعد توجه؛ وإنما كانت قراءتي لهم إثباتًا أن الأفكار تتوارد، والعقول تتلاقى، والأيامَ دُوَلٌ، والتاريخَ يتكرر، وأن الجنس البشري كله يدور في نفس الفلك الذي نهايته واحدة لا تُخترَق، وأن أقصى ما وصلت إليه حضاراتنا الأخيرة –من تقدم، أو إسفاف، أو عسف، أو رفاهة– وأن آخر ما وصلت إليه العقول المعاصرة الحديثة –من يقين أو إلحاد– ليس إلا ما وصل إليه الأولون من بناء الحضارات القديمة التي هلكت آثارُها. 

فكان ما مررت به من عوامل نفسية هو من عوامل التهيئة الأدبية، والعقائدية، بل لقد كان تربية تأهيبِيَة لخوض مضامير الحياة.. وأنا الذي اعتقدته إخفاقًا، حتى علمت سُلَّمَ النجاحِ آخرَ دهليز الفشل.. وإنك لن تنجح ما دمت لم تفشل، ولن تربح إلا حين تخسرَ أولًا، كما لن ترتاحَ حتى تكلحَ أو تكِدَّ. 

وأخيرًا أصادفُ من يفكر ويؤمن، ويشطُّ ثم يؤوب.. بعد قرون وقرون من التيه والشك والرفض الذي أكأبني –وإن كنت عشته دونما أطالعه قَبْلًا– من المِئَةِ الثالثة حتى الثامنة من الألفية الثانية.. وإنْ منا لمَّا ليدفَعَنَّه التفكيرُ إلى الشطط؛ أما التوجهات السوابق كلها فكانت ثمرة تمردٍ واستكبار –من لدن العصور الوسطى حتى عصور المدرسة الرومانسية في بدايات القرن التاسع عشر– فقَدْ فُقِدَت الثقة في الكنيسة التي كانت هي صوت الرب، ورمز الوحي، ومحل الإيمان –فكأنما هي بمثابة الشوكة في الحلق، أو أنها عُقْدَةُ كلِّ من يُفكر، أو يفكر ألّا يفكر– حتى أفلح الغفير من الأدباء والمفكرين في إسقاط الضوء على إسقاطاتِها، ثم في إسقاطها، أو هَيْبَتِها.. 

ومن ثَمَّ كان كل مفكر هو رمزٌ للتضاد مع الدين، وعملةٌ لمناهضة الكنيسة، وعلى الرُغمِ أن جاليلو جاليليي ارتأى أن النزاع ليس مع الدين نفسه، ولا الكتاب المقدس؛ وإنما «مناط المشكل يكمن في تفسيرات الكنيسة الباطلة للكتاب المقدس، واحتكار المسيحية وحصرها في أفكارهم» حتى أن مطالعة العوام للكتاب المقدس أو محاولة الإطراق في تفسير معانيه كانت لتعدُّ هرطقة تستوجب العقوبة.. وبالفعل لم يكُ مصرحًا بطباعة الإنجيل، ولا تداوله خارج أسوار الكنيسة، ومكتبة رجال الدين، التي حُصِرَ الفِكْرُ، وانصبت الثقافة على إصداراتها وموضوعات سِجَالها.. وعلِّي أيضًا لا أغفل الفِكْر الباروكي، الذي عدَّ هيمنة الكنيسة على الفكر والثقافة، وتقويدَهما بأصفاد الحلال والحرام؛ أعاد إيطاليا –التي كانت منارة العلوم والآداب لأوروبا والعالم منذ العصر الروماني– مئة سنة إلى الوراء. 

إيهٍ من مدائح القديس فرانشيسكو داسِّيزي في القرون الأولى التي استشعر فيها جلال الرب، وآثر مدحه بمدح خلائقه الدالةِ على عظمته، والتأمل في قدرته.. وكم لمست مدائحه سؤدة فؤادي، وهدتني إلى شعورٍ سامٍ عميق، لم أكن لأختبرَه -تلك الفترة- إلا بمثل تلك القراءة النافعة.. وإن لم أكُن لأعترف بالأدب الإيطاليِّ أدبًا، ولا باللغةِ لغةً؛ لما كانت عليه من لهجاتٍ محلية متفرقة، غريبة التطور عن اللسان الحديث، لا تعود إلى أصلٍ إلا فرنسيً أو لاتينيّ.

ثم لم يَلُح في شبه الجزيرة أدبٌ حقيقي قبل القرن الثالث عشر، الذي كان الأدب الفرنسي بحلوله في ذروة تقدمه، واحتفائه بالنوابغ، ولم يعرفوا إلا عرفَ الفرنسيون أولًا أو الإنجليز أو الألمان.. ولكن –على الرغم من تلك السطور الخوالي– فإنها لمستني دراسته.. وإيهٍ من كوميديَا دانتي التي أستلهمها من أبي علائنا بعد أن كانت تُرجِمَت إلى الإسبانية في العصور الأندلسية –قبل 1492– وإنْ كان أليجييري في صَوغِها أعمد إلى مراقبة الكنيسة؛ إلا أنها اعتُدَّت كأولى الأعمال التي تقرِّبُ الخطاب الديني إلى لسان العامَّة من الناس –أي الذين لا يشتغلون بالبحث والإطلاع دون الأعمال المعيشية المادية–  وقد كتبها بالفلورنسيَة –إحدى أبسط اللغات الدارجة إذَّاك– وصوَّرها تمامًا كما في رسائل غفران المعري، بجماليات تقرب المفهوم والفكر الديني إلى العقول، وتنأى عن تزمت الكنيسة والمتشددين. 

لم ترد الكنيسة كما هو معلوم إلا بسط نفوذها، وفرض هيمنتها على كافة المجالات في المجتمع، حتى السياسة، والقصر، كما لو كنتَ تشاهد كهنة معبد آمون في إحدى حلقات ‹يوسف الصديق› وهم يستخفُّون الناس، ويسترِقُّونهم، ويسرقونهم بصكوك الغفران، ويحكمونهم بسلطة الدين، وباسم كلمة الرب؛ بما أنهم يمثلون الوساطة إليه، كما أنك هنا تقرأ أسطورة إغريقية عتيقة، أو تشاهد “Gods of Egypt”.. واهًا! كأن التاريخ ينْعاد.

ومن هذا المنطلق كان اندلاع حروب أوروبا الوسطى جميعا: حروب الكاثوليك (فرنسا، والإمبراطورية الإسبانية –وما وقع تحت سيطرتها كدُويلات إيطاليا كدوقية سافوي وإمارة ميلان والبرتغال لاحقًا– والأراضي الألمانية باسم الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وما وقع تحت سيطرتها؛ والبروتستانت (إنجلترا، والدنمارك، والسويد، والرابطات البروتستانتية في فرنسا وألمانيا) منذ النصف الأخير من القرن السادس عشر، حتى حرب الثلاثين عامًا (1618-1642) التي قُصِدَ بها –أي جميع تلك الحروب– تقويض توسعات الدول غير الحليفة –ذات الوجهات المعاكسة والمذهب البروتستانتي– وإثبات الهيمنة وفرض النفوذ على أكبر بقعة ممكنة لمعتقدٍ معينٍ واحدٍ؛ فإذًا بالجمعة تقوى شوكتهم، وهو الذي اشرأبَّت إليه الإمبراطورية الرومانية المقدسة وحلفائها بالقضاء على مخالفيهم، وتوحيد الكلمة، والرأي، والمعتقد، والسيادة. 

لكنها تحولت في واقع الأمر إلى حرب ذات مصالحَ سياسية، وتوسعات استعمارية: فقد طال الصراع بين فرنسا وإسبانيا على السيطرة على الشمال الإيطالي سنوات عدة قبل اتفاقية ١٥٥٩م –كما تصارعوا والإنجليز على عرش البرتغال بعد ذاك بعقود– ليعود من جديد في حرب الثلاثين عامًا صراعًا مع النمسا.. وهم جميعًا كاثوليك! فذا مربط فرسنا. 

انتهت الحربُ بهزيمة التحالف الكاثوليكي، وسقطت إسبانيا وخسرت النمسا خسارات طائلَات –يذكر ذلك أليساندرو مانزوني في عمله التأريخي الأشهر «الخطيبَين؛ ١٨٢٢: ١٨٤٠»– و أن حازت إمبراطورية السويد  الأراضي لتثبت نفسها كقوة جديدة في الغرب الأوروبي، بينما آلت أكثر الغنائم إلى سويسرا، وسقطت إسبانيا –وبالتالي دويلات إيطاليا التي تحت حكمها– في المجاعات والأوبئة، حتى أخذ طاعونُ تسعٍ وعشرينَ وستمئةٍ وألف جمهرةً عظيمةً من السكان في إيطاليا، وخلَّفَ الوباء الأسودُ المجاعات الضارية، وسقطت الإمبراطورية في الأزمات الاقتصادية.. وهو يعرض ذاك في طوايا المعاناة التي يلقاها لإتمام زواجهما البائس لوتشا و رينزو، بطلا الرواية، التي تدور أحداثها في لومبارديا، في القرن السادس عشر.

وبعدما فشلت جميع المحاولات الثقافية الهادفة إلى التقريب بين الشعب والكنيسة، وبين الدين من جهة والفكر والثقافة والعلوم؛ اضطر الوالون إلى الفصل التام وإنكار ولائهم للكنيسة، أو حتى رفضها القاطع، وتوجهوا بكياناتهم جميعًا إلى الفكر العلماني؛ أي الذي يُحرمُ على نفسه الانشغال بالفكر الديني، أو أن يندرسَ تحت رحايا قيوده المُعرقلةِ للتقدمِ والعلوم النافعة؛ استنادًا إلى صنائع الكنسية المستبدة.. فيعيشون حياة العبث والمجون، الذي حُرِموا من لذته الكاذبة قرونًا وأحقابًا، ويذهبون مذهب اللا أخلاقية، ويدينون بدين اللذة الحسية، ويعتقدون في المادية والعدمية.. تحت مسمى تنوير العقول من ضلالات الكنيسة التي حرمت التفكير، واستبدت بالعقول، فعطَّلتها وأخرت الحضارات.. 

وعادت دعوى جاليليي للفصل بين لغتي الدين والعلم –التي كانت محاولة التقريب الأخيرة– هي بداية شعلة الرفض والإنكار لهذا الكيان الكنائسي الذي لم يرْتؤوه إلا وسيلة واهية للسيطرة على أدمغة الشعوب، وأنكروا الدين والإله؛ لِما نما في أنفسهم من حقد على كلمة الرب، وخطاب الدين الماحقِ لآدمية الإنسان، والمُنقصِ من قدرة عقله اللامتناهية -كما صورت أفاعيل الكنيسة-.. ولأنهم توهموا أخيرًا أنهما لا يتفقان، ولا يتوافقان؛ فكان لزامًا أن يُنكَرَ منهما ما لا يعتمد إلا على الغيبيات، ويُثْبَتَ ما يقوم على المعاينة المجردة، و الاستقراء، والتجربة؛ لأنه غيرُ ممكنِ الانتفاء..

 وهكذا ظنوا أنهم حرروا عقولهم، وخلقوا لتفكيرهم بيئة صالحة تعظم شأنه وتؤلِّهُه؛ بينما الأمر اتسع ليشمل في طواياه التحرر الروحاني كذلك، والسلوك غيرَ المسؤول، القائمَ على الرغبة وما يحقق المنفعة المادية للحواس*، لا ما يقوم على دعائم المبدأ والخُلُق*، حتى ولَّد ذلك عندهم الشُغُورَ الوجدانيَ -في دواخلهم- الذي دفع بالرومانسيين من بعدهم إلى استنباط أهمية الوجود الإلهي في روح الإنسان، ليملأ هذا الفراغ الخطير، ويسَلِّمَه من مضارِّ الانجراف وراء اللذة والمادية التي تسلب عن حياته أي هدف، وتجردها من كل معنى؛ كما ضرورة الإيمان في نفس المجتمع لسلامته من الشرور، و إصلاحه من مساوئ الجور..

وتوجهوا إلى القومية من الليبرالية الجان لوكية الداعية إلى العيش في أحضان الطبيعة أمةً واحدةً بلا حدود ولا تقسيمات ولا معتقدات، فالعقيدةُ واحدة؛ هي الأخلاق –التي تتمحور في عدم أذية الآخر فحسب– دون عبادةٍ غيرَ التأمل في ‹قدرة الطبيعة الأم› ثم الفناء سدى والعودِ إلى أحضانها..

فرغب الرومانسيون -على النقيض من ذلك- في وطن قومي واحد يجمع الأطياف المتفرقة، ولغة قومية وثقافة موحدة، وكذلك اهتموا بالجانب العقائدي، الذي لم يكن إلا وسيلةً لسد الفجوة الوجدانية في نفس المرء –بالتطَهُّرِ من دنس الذنب ثم الإصلاح– والتي أُثمِرتَ عن الأَيَس من جور الحياة، ومظالم المقادير، وضعف الإنسان، وفقدان قيمة ومعنى الحياة التي دائمًا ما تنتهي سُدى؛ وكذلك لتعزيز ثقته في نفسه بالإيمان واليقين بعد التيه والبهيْتة، بدلًا من الانتحار الذي ارتآه التنويريون وسيلة لإنهاء المأساة في تراجيدياتهم. 

فقد خرجوا أخيرًا من القالب الصلب والجامد للعقلانية والمنطق إلى الحساسية والشعور، واختلفت نظراتهم التشاؤمية؛ إذ إن تشاؤم التنويريين كان نتاجًا لحياة بلا هدف ولا معنى، ومجتمع لا أمل في إصلاحه، ومقادير لا يمكن التعديل عليها، وقد أغفلوا في ذلك كله الجانب المعنوي للنفس البشرية: الروح، فدفعهم للانتحار وفقدان الأمل. 

بينما دفعت نظرة الرومانسيين -التشاؤمية في حد ذاتها- إلى الأمل؛ لأنها كانت ناتجة عن معرفة القدر الحقيقي للإنسان، وأنه محدود وقاصر القدرة، وأنه -لولا الخلاص الإلهي- هالكٌ ضائع، مقتبسةً جذورَها من المسيحية، والأسس الروحانية الأصيلة فيها؛ فلم تكن بذلك نظرتهم تشاؤمية بشأن القيمة والهدف من الحياة؛ لأنهم علموا لحياتهم هدفًا، ثم آمنوا بضرورة التطهير الإلهي للأرض من الجور والمفسدة، والخلاص الإلهي للإنسان من الذنب والمَهلكة في نهاية الأمر.. وإنما ذلك كله اختبار للودَعاء الذين يرثون الأرض، وتغريرٌ بالفَسَدَة الذين يحاربون ‹الرب الصالح› بصَنائعهم الدنيئة، ويُضارُّون أبناءه. 

وهكذا اعتقد الرومانسيون في الخلاص بالمحبة الإلهية، مُستنبطي دعائمَ اتجاههم من الكاثوليكية في الأصل، وآمنوا بضرورة معاناة الصالحين في الدنيا لينالوا الوعد الإلهي بالتطهير من ذنوبهم في الآخرة؛ فهم شركاء الرب في الفداء لتطهير العالم.. وأما مانزوني -بطل مقالتنا وأبو الرومانسية- فقد نفى أي قيمة ومعنى للحياة دون العناية الإلهية، التي هي بمثابة صوت الرب الهامس في الوعي الإنساني، يرشده وينير له طريقه في الحياة، وإنها ليست إرشادًا بالمعنى الظاهرِ فحسب؛ بل هي الدافع نفسه، الذي يؤدي بالمرء لاتباع هذا الصوت المرشد، وسماع كلمته؛ فالله يهدي إلى الخير، ثم يزيد هُدىً بالتوفيق إلى اتباعه. 

مانزوني ترجمة قصيرة: 

بعدما ارتمى مانزوني في أحضان التيه، وخِضَمِّ الشك، والتنويرية التي غرستها فيه بيئة باريس المنفتحة، تأتي إيريكيتّا زوجته لتلهمه -بتحولها إلى الكاثوليكية- بأن يعيد التفكر من جديد في مبادئ نشأته ودراسته حَدثًا، ثم ليطالعَ التوجهَ الأخلاقي دون المادي، ويقرأ أدباءه ومفكريه؛ حتى يتحول هو الآخر إلى مسيحية متعمقة يَخُشُّها عن قناعة هذه المرة.. ولقد أؤمن أن الواحد منا لا بد أن يكفر في حياته مرة أو بعض، وإلا فليس يؤمن حقًا؛ كما قال د. مصطفى محمود أن الشك أول اليقين، وكما أنك كذلك لم تنجح حتى تمتحن الفشل.. فإن إلحادَ الباحث أولُ درجات إيمانه، ورفضَ المفكر أولُ علامات قبوله واهتدائه.

لم يكن مانزوني ابنا شرعيا، فقد أنجبته أمه من علاقة غرامية مع عشيقها، وفي العقد الأول من عمره انفصلت عن زوجها -الذي تبناه- الكونت بيترو مانزوني، لتصحبُه معها إلى باريس، حيث تعيش مع حبيب آخر، هو أيضا الكونت كارلو إمبوناتي الأرستقراطي الميلاني؛ لذلك لم تُعِزْه قطُّ المادةُ، وهذا ما جعلني أذهب إلى أن الدنيا لا يرفضها، أو يسخط على مقاديرها إلا أحد اثنين؛ إما فقير جارت عليه، وإما غني حيزت له، فذاق منها كل شيء؛ فيعرفانِ جميعًا قيمتها الحقة: الأول لمرار ذاق، وتكدر بغصته، وحقد قد خلفته في صدره سيرةُ الأيام، فكأن شيئًا عاد لا طعم له؛ والثاني لشبع أمَلَّه كلَّ نعيم، فكأن شيئًا أكثر مما حُبِيَ لن يستحق، و كلاهما إلى النتيجة ذاتها..

وهكذا أثبت لنا مانزوني أن إنكار الحق هو أول منازل الإثبات له، وأن البعد عن الله هو طريق مظلمة شاجَّة، كتلك التي صورها أليجييري في الكوميديا الإلهية بالغابة الموحشة، المكتظة بالوحوشِ الضواري -الشهوة والشهرة والمال- وأن رحلة البحث هي تيه ومَضنكة، ثم لا يرشدك فيها، ولا منها ينجيك إلا نور إلهي يجعل لك منها صراط الوصول إلى الله، والهداية إلى سكينة الإيمان باليقين.


*مذهب التنويريين Enlightenment: كل ما يحقق اللذة الحسية – وإن انتفت عنه الأخلاقية – فهو مقبول، وهو مذهب دو ساد Alphonse De Sade وفولتير Voltaire الفرنسيين، ومازوخ Masoch وكانط Kant الألمانيين، وديفيد هيوم David Hume وجون لوك Johne Lock الإنجليزيين، و ألفييري Alfieri و باريني Giuseppe Parini الإيطاليين، وغيرهم من الفلاسفة والمفكرين الذين عايشوا فترة القرن الثامن عشر، وقُبَيْلَه، وعقبَه. 

* عارض كانط التنويريين – وأصحاب مذهب اللذة منهم- في حسيتها ومادية المنفعة، وقد أثبت في فلسفته الألمانية أهمية دور اللذة المعنوية والروحانية – المبنية على الخلق والأسس الرواسي– إلى جانب المحسوسات المادية الناقصة، فيما أدعوه أنا التكامل بين الروح والجسد.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد محمود القاضي

كاتب ومترجم، حائز ليسانس الألسن جامعة عين شمس، تتمحور كتاباته في مجالات الأدب السردي، وقضايا الفكر النقدي والفلسفي؛ باحث في مجالات اللغة، والدين الإسلامي، ومقارنة الأديان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق