ثقافة وفنون

الأدب المغربي.. البدايات الأولى وأسباب سيطرة المشارقة على الساحة الأدبية

الأدب عموما هو المرآة الحقيقية التي تظهر عمق الشعوب وثقافتهم، و تميزهم عن باقي الشعوب الأخرى وتعرف بهم؛ لذلك نجد أن أغلب الدول تسعى دومًا إلى كتابة تاريخها وحاضرها عبر ما يخلفه الكتاب من مؤلفات ورويات، وما يمر من خطب ومحاضرات.

والمتمعن في الأدب المغربي الذي بدأ يشكل غزوًا للساحة العربية والعالمية، لا يعرف ولادته العسيرة وتاريخه القديم، ثم يجهل كل الجهل أسباب سيادة الأدب المشرقي وتأخر الأدب المغربي، بالرغم من عراقته وتاريخه القديم.

كثيرًا ما نتكلم عن الأدب المغربي وصعوده القوي خلال السنوات الأخيرة، وهيمنته على الساحة الأدبية العربية التي ظلت إلى وقت قريب تحت رحمة الأقلام المشرقية، من كُتّاب مصر وبلاد الشام، وهذه السيطرة ليست وليدة الصدفة ولم تأتِ من فراغ، فهذه الدول العربية عرفت تطورًا علميًا كبيرًا قبل دول المغرب الأقصى، فقد ساعدها في ذلك الاستعمار الفرنسي والإنجليزي، وكل الحملات التي قادها الصليبون ونابليون على هذه الدول، فظهرت المطبعة والمدراس، وتم تأسيس الجامعات، وتحولت هذه الدول إلى منبع العلم والحضارة، فيما بقي المغرب الأقصى بعيدًا عن كل هذا التقدم، وإن كانت هناك بعض المحاولات الأدبية القليلة التي جاءت مع ظهور جامعة القرويين بفاس المغربية، ثم الزيتونة بتونس.

وأمام كل هذه التحديات والظروف الصعبة وما عرفته دول المغرب الأقصى من انتكاسات كثيرة، وتأخر في النبوغ الأدبي، إلا أن صدى المشارقة كان له تأثير كبير على هذه الدول التي حاولت أن تنهض من رمادها، وأن تسير على نهج دول المشرق، وأعني هنا كلٌ من سوريا ومصر، والعراق أيضًا، لكن هذه المحاولات ظلت محدودة ولم ترقَ إلى المستوى الذي كان يطمح إليه المغاربة، خصوصًا بعد الإشعاع الكبير الذي أحدثته جامعة القرويين، والعلماء الذين تخرجوا منها، ثم الوفود الخارجية التي كانت تأتي إليها من الأندلس، ومن مختلف الدول العربية والأفريقية.

لكن هذا الإشعاع لم يكن فياضًا في المجال الأدبي؛ كونها كانت تركز كثيرًا على الفقه وأمور الدين والمنطق، كما كان لها دور بارز في المحافظة على اللغة العربية ونشر الإسلام في أفريقيا وغيرها.

وإذا ما بحثنا في تاريخ الأدب المغربي، الذي بات يهيمن على الساحة الأدبية العربية، من خلال الرويات التي تصدر كل عام، فإننا سنقف عند البدايات الأولى والإرهاصات التي أسس لولادتها أمام هذا الكم الهائل من المدارس الشرقية الكبيرة، فنجد أن أدب المغاربة له باع طويل وتاريخ عريق، بحيث ترجع نشأته إلى عصر الدولة الإدريسية التي حكمت المغرب خلال القرن الثاني هجري، مع الخطابات التي كان يلقيها القادة المغاربة الفاتحين للبلاد المفتوحة، كطارق بن زياد خلال فتح الأندلس، وخطبته الشهيرة التي ألقاها أمام جنوده من أجل تحميسهم ودفعهم إلى فتح الأرض الإيبيرية؛ لأن نص الخطبة التي ألقيت هو نصٌ أدبيٌ بامتياز، ويدخل ضمن النصوص الأدبية التي اشتهر بها المشارقة من العرب، فهو نصٌ كما نظر إليه العديد من المؤرخين، على أنه كامل الأوصاف سواء في بلاغته أو لغته أو تصميمه المتمثل في مراحل، حيث اتخذها طارق بن زياد وسيلته من أجل تحقيق هدفه، ثم تذكيرًا وترغيبًا، ثم إقناعًا وتشجيعًا لجيشه.

بالإضافة إلى ذلك نجد أن هذه الفترة عرفت ظهور بعض الخطب الأخرى والمحاولات، والتي صنفت على أنها تدخل ضمن المظاهر والقضايا الأدبية التي شكلت الأساس واللبنة الأولى لِمرحلة نشأة الأدب في منطقة المغرب الأقصى.

إلى الآن نؤكد ونجزم على أن البدايات الأولى مهما اختلفنا كانت خلال الفترة الإدريسية، لكن بالرغم مم أن الأدب المغربي بعد الولادة العسيرة وما رافقها من تأخر في مقارعة المشارقة، إلا أنه عرف نوعًا من التطور الملموس في العصور التي تلت ذلك، ولم يبقَ حبيس فترة النشأة والظهور، حيث سيعرف نوعًا من الازدهار مع الدول التي تعاقبت على حكم بلاد المغرب، بدءاً بالعصر المرابطي، ثم العصر الموحدي، والعصر المريني، والعصر الوطاسي، والعصر السعدي، والعصر العلوي، حيث أن الحكام المغاربة مهما اختلفت دولهم، كان همهم الرفع من قيمة الأدب، والتشجيع على نشر مختلف أنواعه من شعر ونثر وغيرهما.

لكن هذا الأدب المغربي ظل يتلون بلون العصور، ويتمطط ليناسب كل عصر من عصور الدولة المغربية، فكل دولة ولها خصوصية حكمها ومراجعها في ذلك، فيخضع في بعض الأحيان لتوجهاتها، مما كان له السبب في تباين درجة التطور والازدهار من عصر إلى آخر، ولا نعني في ذلك التفضيل فيما بين هذه العصور، إنما المقصود في ذلك، أنَّه لكل عصر خصوصية وطابع خاص، يتميز به عن غيره من العصور.

الهوامــــش:

1/ شكري فيصل، “مناهج الدراسة الأدبية في الأدب العربي”، صـ41.

2/ عباس الجراري، “الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه”، صـ7.

3/ نفس المرجع، صـ7.

4/ عبد الله كنون، “النبوغ المغربي في الأدب العربي”، الجزء الأول، صـ9.

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.
زر الذهاب إلى الأعلى