ثقافة وفنون

الأدب الساخر: عندما يكون قول الحقيقة أبدع النكات

يفتتح الكاتب رابليه، أحد كتبه، في محاولة للمزج بين الرواية والفكاهة بالشكل التالي: “أفرطت السيدة غوزييه الحامل في التهام كروش الدواب، فاضطروا إلى إعطائها مقبضًا للرحم، فانفكت مشيمتها واندس الجنين في أحد الأوردة، وصعد مع تيار الدم، وولد من أذن أمه”.. يا له من مخاض عسير!

نلاحظ أن هذه الرواية بدءًا من عباراتها الأولى، تصف أحداثًا غير واقعية. لكن هل يتعين على الفكاهة أن تخرج عن سياق الواقع أو تبالغ به كي تكون مضحكة؟ ليس بالضرورة. الفيلسوف الرواقي خريسيبوس، مات جراء نوبة من الضحك، وهل ثمة ما هو أكثر واقعية من هذا؟، يروي ديوجين أن خريسيبوس كان يراقب حمارًا يأكل بعض التين وصرخ:”الآن أعطي الحمار شرابًا من الخمر النقي لغسل بطنه من التين”، وعندها مات في نوبة من الضحك.

“الرواقيون” معروف عنهم مواجهة الواقع الإنساني بالاستهزاء، لكن هل السخرية تعني الفكاهة؟ إن “الفكاهة” وفق ميلان كونديرا؛ هي نوع خاص من الهزل يختلف عن السخرية. ويعتقد “أوكتافيو باز” أن الفكاهة ولدت مع “سيرفانتس” (مؤلف دون كيخوته)، بالتالي ولدت مع فن الرواية، ويقول إنها “تجعل كل ما تلمسه غامضاً”.

لنأخذ برنارد شو مثلاً في مسرحيته “بيجماليون” التي حصلت على جائزة الأوسكار، في المشهد الذي يكون فيه السكير دوليتل يساوم على بيع ابنته ليزا لخبير اللغويات هيغينز بخمسة جنيهات:

يقول بيكرينغ (صديق هيغينز): “يجب أن تعلم تمامًا يا دوليتل أن قصد السيد هيغينز شريف تمامًا”.

فيقول دوليتل: “طبعًا سيدي، لو كنت أعلم أن قصده غير شريف لكنت طلبت خمسين جنيها”.

هيغينز [غاضبًا] “هل تقصد أنه بوسعك بيع ابنتك مقابل 50 جنيهًا؟!”

دوليتل: “ليس حرفيًا، لكن بوسعي عمل أي شيء لأدخل السرور على قلب رجل مثلك سيدي”.

بيكرينغ: “أنت بلا أخلاق”.

دوليتل [بلا خجل]: “لا أستطيع تحمل الأخلاق ولا حتى أنت لو كنت فقيرًا مثلي”.

يحضرني قول الفيلسوف الساخر شو عندما يخلط الرواية والفكاهة في أعماله: إن “أسلوبي في المزاح هو أن أقول الحقيقة دائمًا، إنها أبدع نكات الأرض”.

نلاحظ هنا، الواقعية والصراحة الصارخة وراء هذا الحوار، وما يجب ملاحظته أيضاً، أننا لا يمكن إلا أن نزداد حبًا بدوليتل رغم أنه سكير وعديم الشرف وسوقي، بمعاييرنا الأخلاقية. بالتالي يتم تعليق إصدار أي حكم أخلاقي، ولكن هل هذا يعني عدم أخلاقية الرواية؟

يجيب كونديرا: “بل إنه أخلاقيتها. كيف؟ إنها الأخلاقية التي تعارض الممارسة الإنسانية الراسخة التي تحكم فورًا بشكل مسبق دون فهم على الناس”. إن الإجابة على الواقع القاتم بالفكاهة، وتوصيف الحقائق “الفردية” بالتندر، يعطي انطباعاً بالحرية الفرحة التي يجب أن يتمتع بها أي مجتمع متفتح على منح الفرد حقوقه وحريته.

يمكن للمزج بين الرواية والفكاهة أن تمثل مصدر تهديد لواقع سياسي معين، في رواية “مزرعة الحيوان” تقوم حيوانات المزرعة بثورة على المالك الجائر، وذلك بعد أن تحلم بمجتمع مثالي يصفه الخنزير “مَيجُر”، والذي لن يعاصر الثورة. تعهد الحيوانات بقيادتها إلى الخنزير “نابليون”. وتجتمع على عدد من الوصايا الثورية بمثابة دستور لها. تنجح الثورة ويتسلم “نابليون” إدارة المزرعة والسيادة على حيواناتها. يُقصي “سنوبول” شريكه في قيادة الثورة، وتبدأ كلابه التي كان قد تبناها منذ كانت جراء بإشاعة الإرهاب. مدفوعًا بنزعة التفرد بالسلطة. يقوم “نابليون” بتغيير الوصايا التي كانت تقيد مسعاه الجشع، وذلك بإحلال بنود جديدة توافق غاياته، تبدأ الحيوانات بالنسيان، ومن يجرؤ على التذكر والتمرد يتم تصفيته دون وجل.

مع مرور الوقت، يصبح هناك وصايا جديدة تمامًا، تمنح شرعية لديكتاتورية الحاكم، لم يكتف “نابليون” بإقصاء خصومه المحتملين بالنفي أو التصفية، بل تعمل أجهزة الدعاية لديه ببث إشاعات منافية للحقيقة وتخويف الرعايا من المعارضين المبعدين، أولئك الذين لا زالوا مخلصين للثورة. يتطبع “نابليون” بطبائع البشر، يتحالف معهم لتوطيد حكمه، وفي النهاية يصبح هو الآخر إنسانًا.

إن رائعة جورج أورويل، التي مزجت الرواية والفكاهة تستقي عمق رؤاها من كونها تصلح لكل زمان، رغم أنها موجهة ضد زعيم الاتحاد السوفيتي جوزيف ستالين. فالستالينية موجودة في كل زمان، ولا تختزل بشخص بعينه.

إن ثورات القرن الماضي المعبأة بقيم الاشتراكية والعدالة أفرزت ديكتاتوريات أشد وطأة من تلك التي انقلبت عليها، إذ كانت أكثر براعة منها في ابتكار الرعب والتضليل وقمع الحريات وإرهاب الدولة. نحلم دائمًا بيوتوبيا بعيدة المنال، إذ لو كانت متحققة ما سعينا إليها. نبذل التضحيات لنكتشف أن النتيجة هي استعادة الواقع نفسه بشكل أكثر قتامة. والأدب التحذيري، لم يفلح في تقويم المسارات ومنع الانحرافات التي قد تحدث.

إنني أقرأ الأمر على هذا النحو: نقول “لا” في وجه عالم لا يحترم كرامتنا، في سبيل خلق عالم أفضل، نثور على الإنسان الذي في داخلنا، ولكن بإسقاط الإنسان “الآخر”. وما أن تنجح مساعينا، بعد جهود جبارة، نصبح نحن هذا “الإنسان الآخر” ونفقد إنسانيتنا شيئًا فشيئًا، ويتكشف الوجه الحقيقي للنقائص البشرية.

لهذا فإن مهمة الأدب التحذيري الذي يزج أحيانًا الرواية والفكاهة لا تكمن في طرح بدائل مسبقة وجاهزة، أو تقديم وجوه جديدة لنا؛ إنما تذكيرنا بما حدث فعلاً ولفت انتباهنا للإرهاب الكامن داخلنا، وجعل التجربة حاضرة على الدوام في أذهاننا، بأن يرينا الوجه الحقيقي لنا، وما يجب أن نثور عليه فعلًا أنفسنا.

يقول كورتاثار، إنه “على الفرد الثوري إخراج أفضل ما لديه، واكتشاف إنسانيته، فالثورة ينبغي أن تعد بولادة إنسان جديد”، وهذا ما فعله جيفارا تحديدًا، هنا تمامًا يتفتح أمامنا مشهد جديد للفكاهة، ونعثر على وجه أكثر صرامة وراء الطرافة السوداء، فنرى الواقع أكثر جلاءً، وننظر بعيون مختلفة إزاء أنفسنا والعالم الذي نعيش فيه، فنحاول فهمه بشكل أفضل وأعمق في خضم متغيرات لا تمنحنا الفرصة للتأمل.

اقرأ أيضًا: رواية أنتخريستوس.. الرواية التي خدعتنا

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق