مال وأعمال

الأثر الاجتماعي والاقتصادي لأزمة كورونا على الفرد في المغرب

لا شك أن ما بات يعرف بفيروس كورونا المستجد، أثر في المغرب العربي كما أثر في العالم أجمع وفي كل أطياف المجتمع، حيث وصل مداه ليطال كل جوانب الحياة، بما في ذلك الجانب الاجتماعي والاقتصادي، بشكل نتج عنه ضرر مس فئة مهمة من أطراف المجتمع المغربي، خاصة مستخدمي القطاع الخاص، والدين فقدوا وظائفهم بسب جائحة صنفتها منظمة الصحة العالمية بأنها أسرع الأوبئة انتشار بين البشر على مر التاريخ.

وقد شرع المغرب ومنذ الوهلة الأولى إلى إحداث صندوق مالي خاص لمواجهة “كورونا”، بالإضافة إلى تخفيض سعر الفائدة من طرف البنك المركزي المغربي لمواجهة تبعات “كورونا”، وكذلك إنشاء “لجنة اليقظة الاقتصادية” لمواجهة انعكاسات هدا الفيروس، إجراءات سوف يتم تعزيزها من خلال مجموعة من التدابير التي أقرها التعديل الأخير لقانون المالية، والمعروف بالقانون رقم 35.20، والذي أكد أن دعم الصندوق الخاص لمواجهة “كورونا” سيستمر حتى متم سنة 2020، بالإضافة إلى دعم مباشر للمقاولات التي تحتفظ بأكثر من 80 في المئة من مستخدميها المسجلين بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

إجراءات يسعى من خلالها المغرب نحو إقلاع اقتصادي يعيد التوازن العام للمنظومة الاقتصادية للبلاد، بعد ما خلفته الأزمة المرتبطة بفيروس كوفيدـ19، وللحيلولة كذلك دون توقف  المقاولات، والمساهمة بشكل كبير في الحفاظ على مناصب الشغل، وبالتالي الحفاظ على الرأس مال البشري، والذي يعتبر دعامة أساسية للنهوض بالوضعية الاقتصادية الحالية، وفي هذا السياق أستحضر تصريح للوزير الأسبق محمد نجيب بوليف نشر عبر البوابة الالكترونية لحزب العدالة والتنمية المغربي، حيث قال، إن المخرج الأساسي من وضع الأزمة الناجمة عن جائحة كورونا، يتمثل في إعادة الاعتبار للإنسان، حيث يتعين تعزيز فُرص الاستثمار في الرأسمال البشري، مؤكدًا أن هناك العديد من القواسم المشتركة في الشق الاجتماعي، ينبغي توفيرها للمواطنين المغاربة من دون أي تأخر.

وبعد البدء بالتخفيف التدريجي لحالة الطوارئ الصحية بسبب كورونا التي تم الإعلان عنها في المغرب منذ مارس الماضي، وبداية عودة الحياة إلى طبيعتها بشكل تدريجي، نجد مجموعة ممن أصبحوا يعرفون بـ “تجار الأزمة”، يتفننون في استغلال الظرفية الاستثنائية التي تعرفها البلاد، حيث تفاجأ مجموعة من المستخدمين بإنهاء عقود شغلهم وتسريحهم، ليجدوا أنفسهم من أزمة إلى أخرى، رغم تأكيد محمد أمكراز وزير الشغل و الادماج المهني المغربي، أمام البرلمان في جلسة سابقة، أن الأمر لا يتعلق بإنهاء عقود الشغل وإنما توقفها، وأن علاقة الشغل لازالت قائمة بين المشغل والأجير رغم توقف المقاولة عن مزاولة نشاطها المهني بسبب هده الجائحة.

تجدر الإشارة الى أن المندوبية السامية للتخطيط عبرت من خلال بحث نوعي قامت بإنجازه لتقييم الأثر المباشر لأزمة كورونا على وضعية المقاولات بالمغرب في الفترة الممتدة من 1 إلى 3 أبريل 2020، أن 27 بالمئة من المقاولات اضطرت إلى تخفيض اليد العاملة بشكل مؤقت أو دائم. ووفقًا لنتائج البحث، قد يكون تم تخفيض 726 ألف منصب شغل أي ما يعادل 20 بالمئة من اليد العاملة في المقاولات بالمغرب.

وقد برر أرباب الشركات، هذا التسريح أو في أحسن الظروف التقليل من مناصب الشغل، أن السبب الرئيسي، يعود بالأساس إلى الظروف الاستثنائية التي تمر منها البلاد وخاصة القطاع الاقتصاد، ولعل أغرب هده التصرفات وأكثرها مكرًا ودهاء، هو ما أقدمت عليه أحد المقولات التي تعمل بالوحدات الصناعية بمدينة المحمدية المغربية، حيث تم تسريح جميع المستخدمين بمن فيهم  العاملين بنظام العقد غير محدد المدة، ثم ثمت المناداة على من هم أساسيون، وخاصة الدين كان يشتغلون  بعقود غير محددة المدة، والتفاوض معهم من أجل توقيع عقد شراكة بنظام المقاول الذاتي، هو ما يتيح لهذه الشركة التعامل بشكل مباشر مع أجرائها السابقون  كمقاولين ذاتيين بشكل فردي، ومنفصل عن المقاولة، ودون أن تتحمل هده الأخيرة أعباء ومصاريف الشق الاجتماعي لهدا الاجير، مستغلتًا التسهيلات التي منحتها الدولة لهذا المقاول، ومفهوم المقاول الذاتي، هو توجه شرع في المغرب العمل به مؤخرا كنوع من تشجيع المقاولات الصغرى وخاصة الفردية، (راجع القانون رقم 114.13 الخاص بالمقاول الذاتي).

إن هذا الصراع الخفي، الظاهر، بين من يريد أن يستغل الأزمة من جهة، ومن جهة ثانية بين فيروس كورونا الذي يفتك بمصائر الناس من كل جانب، في المغرب وفي غياب لنص قانوني صريح، يؤطر الوضعية التي تعيشها البلاد حاليًا، طفى الى السطح مجموعة من الاجتهادات القانونية كوسيلة لتطويق الخلل النشأ بسبب الفراغ القانوني الذي أظهرته هده الجائحة، وجعلت من إشكالية توقف عقود العمل، ثم بعد ذلك إنهاؤها مصدر قلق في المستقبل بالنسبة للمقبلين على سوق الشغل.

اقرأ أيضًا: المغاربة يفقدون وظائفهم والقانون عاجز أمام «تجار الأزمة» (2)

رغم أن هذه الإشكالية تتسم بصفة اللحظية، أي أنها موجودة طالما أن الفيروس لازال موجود، فهيا في نفس الوقت تضع مسؤولية أمام الجهاز التشريعي المغربي، من أجل تعزيز المنظومة القانونية المغربية بنصوص تعالج هدا الأشكال، والحالات المشابهة مستقبلًا.

أظهرت أزمة كورونا خللاً في مفهوم الأمن الداخلي والذي كانت تعمل به معظم دول العالم، مما اضطرها إلى تغيير مفهومها عن ما يعرف ب “إدارة الازمة” ” gestion de crise” ،  حيث ان معظمها ـ الدول ـ اتجهت إلى إعادة النظر في منظومتها الأساسية وذلك لتعزيز أمنها الداخلي بكل مكوناته، فأصبح التركيز على تأمين الغداء والدواء والطاقة، من ضم أولويات الدول، وخاصة بعد ما ظهر جليًا أن مجموعة من الدول والتي كانت تعتبر من بين الدول المتقدمة على المستوى العالمي، عانت وبشكل كبير في تدبير أزمة كوفيدـ19.

وإذ تعتبر الترسانة القانونية للدول من بين المُلزِمَات الأساسية، لضمان الاستقرار المجتمعي، على جميع الأصعدة، فلابد لهذه الدول من تَحيِنِهَا، لتتناسب أكثر والتغيرات التي خلفتها ولازال جائحة كورونا المستجد، وتعد المغرب ليست بمنأى عن هذا، خاصة وأن الرأس المال البشري بات لعبًا أساسيًا اليوم في ضمان استقرار الدولة، فوجب دعمه من خلال دعم القطاعات الاجتماعية، من قبيل الصحة والتعليم، والبحث العلمي، وتقليص الفوارق المجالية والعدالة الاجتماعية، وهدا أساس لضمان الحماية الاجتماعية

برجاء تقييم المقال

الوسوم

mohamedabouechcharaf

الإجازة الأساسية في العلوم السياسية و إجازة أساسية في القانون الخاص، شاعر، كاتب عبر موقع 22 عربي، ورئيس جمعية

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق