أسلوب حياة

الأبعاد النفسية لدخول العلاقات عبر الإنترنت

نحن اليوم نعيش في عصر التكنولوجيا والتواصل عن بُعد، حيث فتح الإنترنت أبواباً وآفاقاً جديدة في مفهوم التواصل بين الناس، ففي الماضي كان يتم التعارف والتواصل من خلال التقارب المكاني مثل المنطقة، الجيرة، الأقارب وأماكن العمل، وتحصل اللقاءات بواسطة الزيارات العائلية والمناسبات الإجتماعية، فيلتقي الناس ويتحادثون وجهًا لوجه في إطار تقاليد وأخلاقيات المُجالسة والمُحادثة.

ولكن في الوقت الحاضر ومع انتشار ثورة الاتصالات، بات الناس قادرين على التواصل مع أي شخصٍ آخر في العالم، وليس بالضرورة أن يكون هناك عنصر المعرفة الشخصية، وهذا الأمر غيّر المفاهيم المتعلّقة بالعلاقات بين الناس، وأسقط السلوكيات المتعلّقة بأخلاقيات المُجالسة والتواصل.

ونحن نعلم اليوم أنّ هناك نسبةً كبيرةً من الأشخاص الذين يُقيمون علاقاتٍ عبر الإنترنت، وهذا التوجّه الحديث انتشر بسبب السهولة في التواصل، وإمكانية توافر أعدادٍ كبيرةٍ من الناس عبر هذه الشبكة.

ولأنّ التواصل الكلامي يكون أسهل وغير محدودٍ بأطرٍ اجتماعية بهذه الطريقة الغير مباشرة والغير محصورة بالحضور الجسدي الفيزيقي، لهذه الأسباب يستسهل الناس هذا الشكل من التواصل؛ حيث يشعرون بحريةٍ أكبر في التعبير عن أنفسهم، وقد تكون هناك أسبابٌ نفسيةٌ لدى بعض الأشخاص؛ مثل الصعوبة في الإنخراط بعلاقات مباشرة بسبب الخجل أو الإنطواء، أو صعوبة التكيّف والتعبير الفيزيقي، وأحياناً أخرى يكون لدى البعض رغبةٌ في إبقاء علاقاتهم ضمن الإطار المُتباعد الذي لا يتضمّن التواصل الجسدي.

وفي بعض الحالات يكون السبب في اللجوء إلى العلاقات عبر الإنترنت هو ببساطة عدم توافر أفراد فعليين في المحيط البيئي، وبالتالي يكون الهدف ملأ فراغٍ معيّنٍ في الحياة، وهذه العلاقات تأخذ أشكالاً مختلفة، حيث قد تكون ذات طابعٍ سطحيٍ لا تتعدّى المحادثات العابرة لتمضية الوقت، وأحياناً أخرى تأخذ طابع التواصل الوجداني العميق، فيتقارب الأفراد بشكلٍ كبيرٍ على الصعيد الفكري، وهذا يعود لطبيعة الحاجات النفسية لدى الطرفين.

وفي بعض الحالات يكون أحد الطرفين غير صادقٍ ويستهدف التسلية السلبية، وقد يُعطي معلوماتً مزيّفةً عن نفسه، وهؤلاء الأشخاص عادةً يكون لديهم الكثير من الاضطرابات النفسية والعاطفية، وقد يستمتعون بالتلاعب بالآخرين، أو يرغبون بخلق واقعٍ مزيّفٍ لتغيير واقعهم الفعلي.

الأثر النفسي للعلاقات عبر الإنترنت

العلاقات عبر الإنترنت قد يكون لها أثرٌ إيجابيٌ لدى بعض الأشخاص، وأثرٌ سلبيٌ لدى البعض الآخر، وذلك حسب طبيعة الفرد وحاجاته، بحيث قد تملأ هذه العلاقات فراغًا معيّنًا في حياة البعض، وتساهم في خلق دوافع إيجابية، وتساعد من لديه صعوباتٍ في التواصل والتعبير عن ذاته، وتُتيح لهم فرص التعبير عن الذات، ولكن يبقى مستقبل هذه العلاقات ونتائجها مرهونٌ بطبيعة الطرفين، وتوجهاتهما النفسية والفكرية، وكيفية مسار العلاقة عند الوصول لمرحلة الحضور الفيزيقي، وفي أحيانٍ أخرى قد يكون لها آثارٌ سلبيةٌ في حال التعرّض للهجر والإنقطاع الفجائي، أو الخداع والكذب، ممّا يُدخل الفرد في حالةٍ من الإحباط والندم.

هل يمكن اعتبار العلاقات عبر الإنترنت سويّةً في ظلّ العصر الحالي

إنّ توجهات وخصائص العصر الذي نعيش فيه اليوم يحتّم ظهور الكثير من الحالات والظواهر التي لم تكن مألوفةً في الماضي القريب، والتي قد تبدو غير طبيعيةٍ أو غير سويّةٍ في الظاهر العام، ولكن هناك حتميّة إجتماعية لا بدّ أن تُلقي بظلالها على حياة الناس، من خلال سير المنظومة العالمية للعصر، فالبشر في النهاية هم نِتاج التركيبة الزمانية والمكانية وما تحتويها من عناصر مكوّنة، بالتالي وفي ظلّ السِمات التكنولوجية والمادية، أي خصائص السهولة والكمّية في المفاهيم الحياتية، ومسار السرعة التي تقوم عليها متطلّبات العصر في إشباع الحاجات، وفي ظل الميل الصراعي الوجداني والبُعد الفوضوي على الصعيد الفكري والقيَمي، يمكن اعتبار ظاهرة العلاقات عبر الإنترنت أمر طبيعي، وبالأحرى هو حالة حتميّة في خضّم خصائص العصر.

مخاطر العلاقات عبر الإنترنت

هذا النوع من العلاقات الذي لا يتضمن التواصل الفيزيقي قد تكون معرّضةً للتشويه والإختلاق والخداع والكذب، وبالتالي قد تكوت حالاتٍ وهميةٍ ينغمس فيها الفرد، وقد تسبّب له لاحقاً الكثير من الإحباطات والتأثيرات النفسية السلبية، حتى لو لم تتضمّن هذه العلاقات عناصر الكذب والخداع فهي تظل أسيرة البُعد الفيزيقي، بحيث سوف تحتاج للانتقال إلى مرحلة أعلى من التواصل والعودة إلى العالم المادي والجسدي المباشر.

وعند العودة إلى هذه المرحلة سوف يختلف الإطار الذي يميّز شكل العلاقة المرسوم بواسطة التمثّلات العقلية للطرفين، ولكن مع الدخول في مرحلة التواصل الفيزيقي قد يتحطّم ذلك الرسم ويأخذ شكلًا آخرًا، بحيث يكون مصير العلاقة رهن الرسم الجديد الذي سيفرضه الواقع المادّي، فإما أن يكون مصيرها الزوال، أو قد يتوافق الانسجام الفكري والعقلي والهُوامي مع الواقع الفيزيقي والجسدي، وتتبلور العلاقة على نحوٍ إيجابيٍ، وتتّسم بالاستمرارية والنجاح.

بالنتيجة فالعلاقات عبر الإنترنت لديها العديد من الإيجابيات، من خلال تسهيل عملية التواصل والتعارف، وتبسيط القدرة على التعبير بين الناس، ولها أيضاً سلبياتٌ تتمحور في إمكانية مُصادفة أشخاص مضطربين وغير أسوياء، أو خلق واقع محرّف ومعرفة تشوبها السطحية والوهم.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ألحان نجيب الجردي

ألحان نجيب الجردي - أخصائية في علم النفس العيادي، وأستاذة في العلوم التربوية والإجتماعية للمرحلة الثانوية المهنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق