أسلوب حياة

الآثار السلبية للتصور والتحليل الخاطئ للأمور

المتخصصون في مجال الجرح والتعديل في علم الحديث وغيره من المرويات الشرعية المسلسلة بالسند يضعون في اعتبارهم عدة معايير لقبول الرواية من حيث السند؛ فلا يرفضون فقط رواية الكذاب المتعمد، بل يشددون ويقفون كثيرًا عند رواية المتوهم أو الشخص الذى اختلط عليه الأمر ويسمونه “صدوق له أوهام” أو “مختلط” أو “تغيّر حفظه”.

وهذه الصفات تطلق كثيرًا على غير المتحرين للدقة، وفي حياتنا المعاصرة نجد العديد من الأشخاص الغير دقيقين والمتوهمين، وكأن لسان حالهم يفصح عن التشابه الشديد من وجهة نظرهم بين “عمود النور” (عمود الإنارة أو الإضاءة)، وبين أي شخص اسمه نور، وهذا ليس مبالغة، بل تعبير عن وضعهم المؤلم في تصور الأشياء وتأثير ذلك في انطباعاتهم وتفكيرهم في كل شئون حياتهم. وبدون الدخول في تفاصيل مرض الاضطراب الوهمي أو التوهم الشديد أو جنون الارتياب، نتعرض لمشكلة منتشرة على نطاق واسع ألا وهي عدم استخدام الدقة والتحري السليم في تخيّل وتصور الأشياء على حقيقتها، وبالتالي الخطأ في تحليلها.

فما أسباب هذا التوهم الخاطئ للأشياء؟ وما أعراضه وآثاره على الشخص والمجتمع؟ وكيف نواجهه؟

أولًا: أسباب التوهم الخاطئ للأشياء
هناك عدة أسباب وراء عدم دقة بعض الأشخاص وتخيّلهم الأمر على غير حقيقته منها:

1 – تقليد الطفل منذ الصغر للأب أو الأم أو أحد الأهل والمقربين أو المعلمين، وهذا يؤدي إلى الاعتياد على الحكم على الأشياء بطريقة متسرعة وغير دقيقة.

2 – نقص المعلومة الخاصة بالحدث أو الأمر تجعل البعض يبني تصورات وتحليلات خاطئة عنه، مع تغليب العاطفة وتصديق أي أمور تمس المقربين أو العقيدة أو الدين وتصديق أي شيء يقوله مخالف أو عدو دون التحري الكامل للأمر.

3 – عامل الوراثة لجينات معينة وعوامل بيولوجية خاصة بمشاكل في الدماغ وهذه أمور نادرة.

4 – التعرض لصدمات نفسية أو اجتماعية تجعل بعض الأشخاص خائفين من حدوث أشياء لا يرغبونها فتجعلهم لا يدققون في تصوراتهم للأشياء.

5 – رغبة البعض في الظهور بمظهر الناقل السريع والحصري للأخبار.

6 – إدمان البعض للمخدرات أو الكحول يجعلهم يتوهمون أمورًا على غير الحقيقة.

ثانيًا: أعراض التوهم الخاطئ للأشياء
هناك عدة أعراض تظهر على الإنسان الغير دقيق منها:
1 – سهولة تصديق أي شائعات أو أخبار، دون أية مرجعية دقيقة للتحقق منها.
2 – بناء أمور لم يتم التأكد منها على أمور أخرى تحققت، فيتصور أنه طالما حدث ذلك فستحدث أمور مشابهة.
3 – اليقظة المفرطة والتقرب المستمر من الأشياء وذلك ليس من أجل تحري الدقة، بل نتيجة المبالغة في حدوث أمور قد تستجد.
4 – الخوف الدائم من التعرض للاستغلال أو الخداع والإيمان بمبدأ المؤامرة.

ثالثًا: آثار ومخاطر عدم التدقيق في تصور الأشياء على الفرد والمجتمع
هناك العديد من المخاطر الناتجة عن التصور الخاطئ للأمور منها:
1 – ترديد الشائعات نتيجة التسرع في قبول الأخبار الغير دقيقة على مواقع التواصل الاجتماعي مما له أثر سلبي على المجتمع.
2 – شعور الشخص بالإحباط والدونية من الآخرين نتيجة ترديده لأخبار غير دقيقة بناءً على معلومات غير صحيحة، وغالبًا من يشعر بذلك يحاول تكرار هذا الفعل لعدم اقتناعه بالخطأ.
3 – تزايد الشك المرضي أو الشك بين الزوجين، وكذلك تزايد الخوف من الآخرين أو تخيّل اضطهادهم.
4 – التصرف الخاطئ وظهور العديد من المشاكل مع النفس والآخرين نتيجة التصور والتحليل الخاطئ للأمور.

رابعًا: كيفية حل مشكلة التصور والتحليل الخاطئ للأمور
يمكن القيام بعدة خطوات مع المتوهم والمحلل للأمور بصورة خاطئة منها ضرورة العلاج النفسي والبدني إذا كانت الحالة متأخرة، كما يمكن تقديم بعض النصائح العملية والبسيطة للتعامل مع الأمر ومنها:
1 – ضرورة تربية الأولاد منذ الصغر على تحري الدقة والتثبت من الأمور مع وجود القدوة من الوالدين والأسرة والمربين والمعلمين، والانتباه جيدًا للصفات التربوية الخفية كالظن السيء والتسرع في الحكم على الأشياء والأشخاص.
2 – نشر مزايا التدقيق والتحري السليم للأمور بين المتسرعين وبيان فضلهما ونتائجهما، مع إظهار أضرار التوهم والتحليل الخاطئ وبيان عاقبتهما السيئة على الجميع.
3 – نشر التعاليم الدينية الحاثة على ضرورة السكوت عند عدم المعرفة أو ضرورة إحسان النية في التعامل مع الآخرين وعدم الظن السيء.
4 – مخالطة أصحاب الدقة والنزاهة والحكمة والبُعد عن مروجي الشائعات والمتسرعين.
5 – البحث عن مصادر موثوقة وكاملة للمعلومات، مع ضرورة تجنب العواطف في الحكم على الأمور إلا بعد الحصول على المعلومة كاملة.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

محمد حبيب

باحث درعمي متخصص في تعديل السلوكيات المتطرفة باستخدام مهارات التنمية البشرية وعلم النفس
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق