علوم وصحة

اضطراب الشخصية الحدية Borderline

بالرغم من أن همها الأكبر المحافظة على وجود الناس واستمراريتهم، لكن لطالما كانت تبعدهم عنها باندفاعها وغضبها وتقلباتها المزاجية المتكررة.

بالأمس كنت تشعر بالحب تجاه أحدهم، أما اليوم فيشوبك الكره الشديد تجاهه، هل تجد نفسك تدفع الناس الذين تحبهم بعيدًا عنك في حين أن الأصوات في رأسك تصرخ ”توقَّف” لكنك لا تستطيع؟ هنا قد تبدأ رحلتنا نحو تشخيصك بـ ”إضطراب الشخصية الحدية — Borderline personality disorder”

أعراض اضطراب الشخصية الحدية

حالة من الاكتئاب والقلق المستمر الذي يجعلك تتخذ قرارات متهورة، خوف من الهجر الذي قد يدفع بك لشراء العديد من الهدايا للأصدقاء كي تضمن وجودهم، تقلبات مزاجية قد تستمر لأيام، والشعور الدائم بالفراغ أو الخلوّ.. كلها أعراض إضطراب الشخصية الحدية، وكلها بالتأكيد تجعل علاقاتك الاجتماعية والعاطفية تحديدًا غير مستقرة.

ولنفهم أسباب الاضطراب جيدًا، دعني أسترجع معك سريعًا مرحلة الطفولة التي غالبًا ما كانت تتسم بالاعتداءات الجسدية أو الجنسية، فقدان أحد الوالدين أو معاناة أحدهم من الإدمان أو أي مشكلة أسرية صعبة، وربما أيضًا فقدان بعض الأصدقاء.

ويمكن أن تُٕسببه بعض العوامل الوراثية، أو خلل في كيميائية المخ وعمل بعض الهرمونات، فالتغيرات المزاجية مثلًا قد تحدث بسبب الاختلالات المتكررة في مستويات السيروتونين.

إن العلاقات الدائمة، تحتاج إلى مهارة أكثر من مجرد الانفعالات وتبادل الاتهامات. وأن الحلول الإيجابية هي تلك التي تضمن محاولة لكسر الحلقة المفرغة الخبيثة، التي يمكن أن تسود مثل هذه العلاقات إذا ما سمحنا للانفعالات والغضب، أن يكونا هما الأسلوبين الوحيدين

— عبد الستار إبراهيم, الاكتئاب: اضطراب العصر الحديث، فهمه وأساليب علاجه

ستظن أنك حملٌ ثقيل على الآخرين، ومستحيل أن يحبك أحدهم، مما يدفع الغضب للتدفق داخل جسدك محاولًا أن يتغلب على الظلام بداخلك. ربما تجرح نفسك؛ لتخبرها بأنك تستطيع.. أو فقط بأنك ما زلت هنا.

مع الوقت، سيسبب لك الخسائر المتكررة في أماكن العمل، ولن تستقر علاقاتك أبدًا (أن تتعرض للطلاق مثلًا).. وإيذاء النفس المتكرر. ستندفع في كل شيء جديد تجربه، ويظهر ذلك في حالات الحمل غير المُخطط لها، مروروًا بالأمراض المنقولة جنسيًا إلى الإدمان، ومنهم إلى الانتحار أو على الأقل المحاولة.

وغالبًا ما يأتي الاضطراب ممتزجًا بمرض عقلي آخر؛ إذ أنه يعتبر السلم الذي تتصاعد عليه الأمراض النفسية والعقلية الأخرى.. مثل القلق والاكتئاب واضطراب ثنائي القطبين وغيرهم.

علاج اضطراب الشخصية الحدية

هل أدركت خطورة الاضطراب؟ الآن يمكننا علاجه، والجيد ها هنا أنه من أكثر الاضطرابات استجابة للعلاج السيكولوچي، والذي سأختصره في: التركيز على قدراتك أكثر وإظهارها، تعلُّم السيطرة على مشاعرك، تدرب على التقليل من الاندفاعية، وإدراك مشاعر الآخرين. ومن هنا تتحسن العلاقات.

إن كنت تمر بتلك الأعراض؛ لا تتردد أن ترى طبيبًا، وتحديدًا إن كنت تشعر بالخلوّ، وتميل للجلوس وحيدًا أغلب الأحيان أو حاولت الانتحار من قبل. الطبيب هو أكثر من يتفهم اضطرابك ولديه خبرة كافيه به، ولذلك سيستطيع احتواءك كجزء من العلاج.

العلاقات هي الأصعب، ولكن الحقيقة أن شخص واحد فقط تستطيع إظهار حقيقة شخصيتك أمامه دون خوف أو هجران هو المطلوب، صديق —أو أيًا كان مسماه— باستطاعته أن يخبرك بأنك جميل؛ لأنك هكذا فعلًا، لن يبالغ، ولن يُنقص.. ولكنه فقط يخبرك بالحقيقة، لأن مشكلتك الأساسية تكمن في بعدك عن حقيقة نفسك.

التعايش مع المرض مخيف، ومن أكبر المشكلات التي تواجه المرضى، أنه ما من أحد هنا يتفهَّم، يتساءل المضطرب دومًا ”كيف سأحكي؟ هل سيهجرني؟”.. ولذلك يجب أن يحاط هؤلاء الأشخاص دومًا بآخرين يتفهمون ويدعمونهم، نظرًا لوفرة المفاهيم الخاطئة في الاضطرابات النفسية والعقلية. نصيحتي لك أن تكون هنا من أجله.. لا تترك أحدًا دون التحدث عما يمر به.

فؤاد ياسر عامر

طالب بكلية طب عين شمس، أهتم بالفنون والآداب، كما أؤمن بأن العلم هو الطريق الوحيد نحو التغيير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى