مدونات

استمع إلى نفسك

“ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها”

لا أجد أطيب ما استهل به مقالتي هذه من آيات من كتاب الله سبحانه وتعالى والتي تتحدث عن النفس؛ حيث أن النفس هي الوقود المحرك لعقل وقلب وجوارح الإنسان، وكلما ارتقت هذه النفس كلما استطاعت أن تسمو بالعقل والقلب والجوارح، والعجيب أن هذه النفس إن لم تروض بالصورة الصحيحة؛ لاستطاعت أن تجذبك إلى ما اشتهته وما أرادته، وتملك من الحجج والبراهين لتأخذك خلفها إلى ما أرادت أن تذهب إليه.

إن الاستماع إلى النفس هو أرقى علاج وتقويم وتهذيب لها، وإنكار ما ترنو إليه دون الاستماع إليها ومناقشتها بالصورة السليمة، لن يؤدي إلا إلى صراع داخلي لن تملك الخلاص منه، وقد تستسلم في نهاية المطاف إلى ما سعت إليه؛ لأنها لن تهدأ إلا ببلوغها ما تريده، ولذلك الاستماع إليها هو الطريق الأول والأصوب لتصحيح مسارها وكبح جماحها.

الإنسان يسير أثناء رحلته في الحياة بين الإفراط والتفريط، أو بمعنى أوضح؛ يسير بين التشدد والتسيب، تارة يكون متشدداً وتارة يكون مفرطًا، وهذا الصراع القائم بين التشديد والتفريط نجد أن وراءه النفس التي بين جنبيك، فلن يحدث هذا الصراع والتجاذب إلا بوجود شيء خفي يدعو إليه ويحفزه.

وكل الأشياء في هذه الحياة تدور بين المغالاة والتفريط، حب النساء، حب المال، حب الأولاد، حب السلطة، حب المعرفة، حب الحياة.. إلخ، كل الأشياء في الحياة تقع في مكانة ما بين التشديد والتفريط، وكأن الأمر يتشابه مع محدد مستوى الصوت في التلفاز وما شابهه، فلك أن ترفع الصوت إلى أقصى درجة؛ فتسمع وبشكل مبالغ فيه ومؤذي لأذنك، أو أن تدني الصوت إلى أدنى درجة؛ فتسمع بالكاد وبصورة أيضًا تؤذي أذنك، وفي النهاية أنت من تمسك بالمتحكم في مستويات الصوت.

هكذا الحياة والأشياء التي بها، وهكذا تعمل النفس بين مبالغة في الأشياء بصورة مرهقة، وبين تفريط في الأشياء بصورة مسرفة، لذلك حينما تعامل الله مع النفس ألهمها الفجور والتقوى، وترك للإنسان الريموت الذي يتحكم من خلاله في مستويات الأشياء التي تشتهيها النفس.

فلم نرى الله يحرم الزواج بين الرجل والمرأة لإشباع شهوتهما، ولكننا نراه يحرم ذات العلاقة بين الرجل والمرأة إذا تمت في غير الإطار الشرعي المتمثل في الزواج، نراه تعالى لم يحرم جني المال من الحلال، ولكنه جعله محرمًا إذا جنيناه من الحرام، وهذه هي المعادلة، أن تقوم نفسك لفعل ما تشتهيه بالصورة التي يرضى الله تعالى بها وعنها.

ولو أننا نظرنا إلى ما خلق الله تعالى، لوجدناه أحل كل شيء في الأرض إلا ما حرم بنص، فقال تعالى “هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً”، واستنبط العلماء من ذلك أن الأصل في الأشياء الإباحة، ثم كان التحريم بنص يقتضي ذلك، فيستهل الله الآيات بكلمات التحريم، ومنها ” قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم”، وكانت تلك إشارة إلى أن الله لم يجعل التحريم هو الأصل، وإنما جعله استثناء لاختبار إيمان الناس وكذلك لتحقيق مصلحتهم.

ينطبق ذات الأمر في عمل الدين، فإن المغالاة والتشديد على النفس أمر مرهق، وأدعى لها إلى أن تخرج من ربقة الدين، فإن البحث والتحري والتمسك بما يثقل على النفس من أعمال قد يأتي بنتيجة عكسية حيث تسأم النفس وتمل، ثم إذ بها تنسحب تدريجياً من اعتدال الدين إلى التشديد فيه، ثم يخرج هذا التشدد من الشخص ذاته إلى المجتمع من حوله؛ فينفر الناس من أمر الدين ويستثقلوه، وأذكر في ذلك قول للرسول محمد صلى الله عليه وسلم “ألا إن منكم لمنفرين”.

وذات الأمر ينطبق على هؤلاء المفرطين، الذين تركوا من أصول دينهم شيئًا فشيئًا، وانصرفت أنفسهم إلى الشهوات التي هوت بهم إلى درك الضلالة؛ فلم يستطيعوا أن يميزوا بين حلال وحرام، والأدهى والأمر إن كانوا مفوهين، فيأخذون الناس من عقيدتهم إلى هواهم ويصرفونهم عن كتاب خالقهم إلى نجواهم، فقد ضلوا وأضلوا.

إنك في أمس الحاجة إلى أن تفهم نفسك وتستمع إليها، وتحقق رغباتها المشروعة وبالطرق المباحة، وفي ذات الوقت لا تكن من المشددين ولا من المفرطين، كن من الأمة التي قال تعالى عنها “وكذلك جعلناكم أمة وسطاً”.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

medhatnagiub

باحث قانوني .. ماجستير إدارة أعمال .. دبلومة موارد وتنمية بشرية وأخصائي نفسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى