سياسة وتاريخ

استغلال الغاز الصخري في الجزائر خيار استراتيجي وحتمية اقتصادية

استغلال الغاز الصخري في الجزائر

إن أهم ثروات الأمم تختزل في ثلاث عناصر أساسية هي: الماء والطاقة والعنصر البشري، والطاقة هي المصدر الحيوي للدول لتطوير اقتصادها، لذلك كانت الطاقة في العالم تعتبر مصدر ورمز من رموز القوة.

مع الاستكشافات الجديدة للغاز والبترول وظهور طاقات جديدة ونظيفة ورخيصة، يجعلنا في موقف يفرض علينا مراجعة استراتيجياتنا الوطنية حول الطاقة في الجزائر لاسيما وأن الطاقة (الغاز والبترول) تمثل تقريبا كل اقتصاديات الدولة الجزائرية.

مع زيادة نسبة الاستهلاك المحلي ونقص الإنتاج الوطني ونضوب كثير من الآبار والحقول البترولية، وانخفاض رهيب في أسعار البترول والغاز في الأسواق العالمية، وضعف الاستثمارات في الاستكشاف لما تتطلبه من أموال كبيرة، يجعلنا نبحث عن مصادر طاقة حقيقية تكون بديلا أو تكميلًا لمصادر طاقتنا التقليدية، والغاز الصخري هو إحدى هذه الطاقات المتوفرة بحجم كبير في بلادنا (ثالث أكبر احتياطي عالمي للغاز الصخري)، وتعد أكبر الدول في العالم التي تملك مخزون مؤكد من الغاز الصخري بهذا الترتيب: الصين، الأرجنتين، الجزائر، الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الدول الأكثر احتضانًا لمخزونات الغاز الصخري المؤكد حسب تقرير وكالة الطاقة الأمريكية لسنة 2013.

إن التوجه إلى استغلال الغاز الصخري ليس خيارًا كما يعتقد البعض بل هو حتمية يفرضه الواقع الاقتصادي والحكمة في تسيير أمور الدول، وما خرافة أو مغالطة ترك هذه الثروات لأجيال المستقبل إلا كذبة ونقص في الفكر والعقل، بل العكس هو الصحيح فمن الحكمة والفطنة أن نستغل كل ثرواتنا وطاقاتنا المتوفرة لبناء جزائر متطورة وحديثة يفتخر بها أجيال المستقبل.

لماذا استغلال الغاز الصخري هو حتمية اقتصادية؟

أولا: ليس من المعقول ولا من الحكمة في الشيء أن نترك ثروة هامة وبهذا الحجم وننتظر المستقبل لاستغلالها بأي دعوة كانت، فقد يأتي الغد وتصبح هذه الثروة مجرد أثر دون نفع (أنظر إلى مناجم الفحم الحجري في القنادسة ولاية بشار)، بل يجب التفكير بحزم وجد لاستغلال هذه الثروة.

ثانيا: الجزائر وفي غضون 10 سنوات كمتوسط زمني لن تصبح دولة مصدرة للبترول، نظرًا لنضوب احتياطاتها من البترول، ثم لارتفاع الاستهلاك المحلي، وارتفاع تكلفة الإنتاج مقارنة بالمعدل المتوسط لتكلفة البرميل من النفط.

ثالثا: ستصبح الجزائر مستوردا للنفط بعد عام 2030، إذا لم تتدارك الوضع الراهن وتتم عملية الانتقال الطاقوي تدريجيًا وعقلانيًا خلال الخمس سنوات المقبلة.

رابعا: ظهور قطب خطير بقيادة إسرائيل بعد استكشافها ودخولها في الإنتاج للغاز والبترول في البحر الأبيض المتوسط، وتأسيس منظمة إقليمية تضم مصر أيضا وقد طلبت فرنسا الانضمام اليها باسم منظمة منتجي الغاز والبترول في الشرق الأوسط، مما يهدد أسعار بيع الغاز الجزائري لأوروبا.

خامسا: يجب التحظير لهذا الارتطام القوي والسريع وفق خطة عقلانية مدروسة تجنبا للصدمة، وذلك عن طريق استثمار أمولا كل سنة للمرور إلى مرحلة الجزائر بدون نفط وبطاقات جديدة.

 

هل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وطاقة الأمواج والطاقة الحرارية الباطنية للأرض، مصادر طاقوية يمكنها أن تكون بديلا للغاز والبترول التقليدي الجزائري؟

نعم بالإمكان لهذه الطاقات الجديدة والنظيفة أن تكون بديلا للنفط التقليدي، لكن للأسف ليس في المدى القريب أو حتى المتوسط، بل يمكن وضع استراتيجية متوسطة وطويلة المدى لتحقيق هذه الأهداف نظرا لكلفتها من جهة ونظرا لضعف التحكم التقني فيها أيضا، فحتى الدول المتطورة مازالت في بداية الطريق وكل المشاريع في هذا المجال ما زالت تعتبر قيد التجريب، اللهم الطاقة الشمسية التي يمكن التعويل عليها ولكن باستثمارات كبيرة، تتطلب غالبًا شراكة بين عدة دول لتقاسم أعباء وتكاليف إنجاز محطات توليد الطاقة والكهرباء عن طريق الألواح الشمسية، لذلك فالحل الأقرب للجزائر هو استغلال الغاز الصخري.

الغاز صخري

تعد الجزائر ثالث أكبر مخزون في العالم للغاز الصخري بكمية تعادل 707 تريليون قدم مكعب، ما يعني وجود ثروة نفطية هائلة بإمكانها تعويض النفط التقليدي الأيل إلى الزوال خلال العشرية القادمة، إلا أن محاولة استغلال الدولة لهذه الثروة قوبلت وجوبهت برفض شعبي كبير وبموجة احتجاجات واسعة في كل من عين صالح وورقلة جنوب البلاد.

فيا ترى لماذا كل هذا الرفض ومن يقف من ورائه؟ ثم هل حقا أن استغلال الغاز الصخري خطر على البيئة وعلى حياة الانسان؟ وهل سترضخ الحكومة الجزائرية للمطالب الشعبية أم هل ستقوم باستغلال هذه الثروة رغم المعارضة الشعبية تحت ضغط الأزمة الاقتصادية؟ فالحكومة مجبرة للتوجه للاستثمار في الغاز الصخري للحفاظ على ميزانية الدولة ومداخيلها الطاقية كخيار لا مفر منه على المدى المتوسط والبعيد، علاوة على تزايد الاستهلاك المحلي للمحروقات.

 

لماذا كل هذه الممانعة والمعارضة لاستغلال الغاز الصخري؟ هل النفط الصخري عدو للبيئة؟

قبل الإجابة على هذا السؤال يجب أن نفهم تقنية استخراج هذا النفط، ثم نعرض لماذا كل هذه الهالة الإعلامية من طرف شعوب العالم لعدم استغلاله؟ ولماذا الولايات المتحدة وكندا والصين تقوم باستغلاله وتحقق مستويات مردودية قياسية دون ظهور أي علامات أو أعراض يطلقها المعارضون لاستغلال النفط الصخري؟

قبل التطرق لمسألة الغاز الصخري بالجزائر، لا بد التعرف عن قرب عن هذا النوع غير التقليدي من موارد الطاقة، الذي سبب أرقًا وخوفًا لساكنة الجنوب؛ من استغلاله.

 

ما هو الغاز الصخري وما هي مخاطره البيئية والصحية على الإنسان؟

يتواجد النفط عادة محبوسًا داخل طبقات صخور الأردواز تحت سطح الأرض تنتظر من يحررها، حيث يتم حفر بئر يصل الطبقة عموديا، ثم يتم الحفر عموديا على مستوى الطبقة ليندفع سائل النفط – الذي يكون تحت درجة ضغط عالية بقوة نحو الأعلى عبر تجويف البئر ما إن يثقب الخزان، فتم اكتشاف الإنتاج باستخدام الرمال القطرانية والطفل الصفحي النفطي، والغاز الصخري أيضًا، وتنتج كل من أمريكا وكندا والصين كميات كبيرة من الغاز الصخري باستخدام تقنية التكسير الهيدروليكي

 طريقة استخلاص الغاز صخري:

ويتم استخلاص الغاز الصخري عن طريق حفر آبار تصل إلى الصخور المخزنة للنفط، ثم البدء بالحفر أفقيًّا لعمق قد يصل إلى عمق 3000  متر، وبعدها تعرض الطبقة الصخرية للضغط عالٍ من أجل تكسير الصخور بواسطة مزيج من الماء والرمل ومواد كيميائية حتى يتحرر الغاز، ويتخوف الناس من هذه التقنية على البيئة والصحة، خصوصًا إذا تسرب المواد الكيماوية إلى المياه الجوفية إلى تلوثها، الشيء الذي قد يشكل ضررًا على النبات والإنسان والحيوان،  ويزيد المبالغون في وجود مواد كيمياوية واشعاعية تستخدم في هذه التقنية ستشكل خطرا كبيرا على صحة الانسان، لكن الشيء المؤكد أنه حتى اليوم لم تثبت أي دراسة علمية وجود أي مواد إشعاعية ضمن المواد المستخدمة في عملية استخلاص الغاز الصخري.

الغاز-الصخري.
الغاز-الصخري، الجزائر

وقد ظهرت في سنة 2013 تكنولوجيا وتقنية جديدة تدعى التكسير الهيدروليكي تستخدمها أمريكا في إنتاجها للغاز الصخري وهي اليوم التقنية المستخدمة عالميًا نظرًا لمردودها وقلة أخطارها.

وترجع الهالة الإعلامية الكبيرة التي أحدثها الاعلام العالمي ومنه الفرنسي خصوصًا الذي سنتطرق إلى أبعاده لاحقًا، حيث أظهرت بعض المشاهد زعم بعض المواطنين الأمريكيين اشتعال المياه في الحنفيات في المناطق التي يتم فيها استغلال الغاز الصخري مما أدى إلى حالة خوف هيسترية وقلق جعل دعاة حماية البيئة والناس القاطنين بهذه المناطق بالخروج والاحتجاج ضد استخراج الغاز الصخري الذي أصبح حسب اعتقادهم يشكل خطرًا على حياتهم، لتنظم إليهم وفي وقت قصير معظم محافظات الولايات المتحدة لتصل بعدها إلى أوروبا، ويتخوف علماء البيئة أن عمليات إنتاج الغاز الصخري قد تتسبب في مخاطر حقيقية على صحة الانسان وعلى البيئة غير معروفة حتى اليوم.

يرفض المواطن الفرنسي استغلال الغاز الصخري الموجود في فرنسا، وقد تساهلت الحكومة الفرنسية مع المحتجين، لتقر بعد ذلك مرسومًا يمنع استغلال الغاز الصخري، لكن الحقيقة هي ليست تحت ضغط المحتجين كما يعتقد البعض، وإنما لأن مردودية استغلال الغاز الصخري وخطر استغلاله نظرًا لوجوده في مناطق عمرانية أو قريبة من العمران كان السبب في منع استغلاله ولو مؤقتًا، لكن الاتحاد الأوروبي لم يمنع كل الدول الأوروبية من استغلال الغاز الصخري بل ترك القرار لكل بلد عضو حسب الحاجة، وهذا عكس الجزائر التي توجد بها مناطق الغاز الصخري في جنوبنا الكبير.

أخطاء الحكومة الجزائرية باستغلال الغاز الصخري

في سنة 2013، أعلنت الشركة البريطانية بريتيش بريتيليوم في دراسة لها، أن الجزائر لديها احتياطات مهمة من الغاز الصخري بصحرائها الجنوبية، وفي 27 ديسمبر من سنة 2014، أعلنت وزارة الطاقة عن حفر أول بئر تجريبي “أحنات” بجوار مدينة عين صالح، كبداية لانطلاق أعمال استغلال الغاز الصخري بواسطة شركة الغاز والنفط الجزائرية سوناطراك بشراكة مع الشركة الفرنسية توتال البترولية.

ويحوي البئر سالف الذكر ما يعادل 100000 كلومتر مربع من الغاز الصخري، حسب تقديرات وزارة الطاقة والمناجم، بالإضافة إلى اكتشاف حقول جديدة بكل من ولاية أدرار وإليزي، حيث تقدر بها احتياطات تقارب 6000 مليار متر مكعب من الغاز الصخري.

لتنطلق مباشرة معارضة ورفض شعبي واحتجاجات كبيرة في مدينة عين صالح ضد استغلال هذا الغاز الغير تقليدي، توسعت رقعته مما كاد يتسبب في زعزعة استقرار المنطقة لتتراجع الحكومة عن عملية الاستغلال، فأين الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه الحكومة الجزائرية أو بالأدق خبراء الطاقة في الشركة الجزائرية سوناطراك؟

أولا: في الحقيقة نعجز عن فهم لماذا قامت شركة سوناطراك بالشراكة مع شركة توتال الفرنسية ببدء استغلال الغاز الصخري قرب منطقة عمرانية أو بالقرب من مدينة رغم وجود مساحات شاسعة لوجود الغاز الصخري، كان بالإمكان البدء فيها وإقامة كل التجارب لدراسة المردودية، وخطر المواد المستخدمة وغيرها دون إثارة كل هذه المخاوف وتأجيج الرأي العام الذي لا يعي حتى اليوم الفوائد والأخطار الحقيقية لاستغلال الغاز الصخري.

ثانيا: كان من المفروض ويجب فتح نقاشات إعلامية لخبراء من الجزائر وخبراء من العالم، من أمريكا مثلا الذين يعملون في هذا المجال ومعارضين لاستغلال الغاز الصخري لتقديم رؤية واضحة لطمأنة المواطن واعطائه كل الضمانات لقبول استغلال الغاز الصخري، ويطالب المحتجون الحكومة بتوقيف استغلال الغاز الصخري، وعدم الدخول في هذه المغامرة الخطيرة – حسبهم – التي ستجلب الخراب والفناء على الطبيعة والإنسان على حد سواء، وأشد تخوف المواطنين هو من تسمم المياه الجوفية بالمواد الكيماوية المستخدمة في عملية استخراج الغاز الصخري.

ثالثا: على الدولة لن تقدم كل الخيارات الممكنة لاستغلال الغاز الصخري، إحدى تلك الخيارات هي أن يرى المواطن الجزائري في الجنوب أنه سوف يحصل على مستقبل أفضل في ظل استغلال الغاز الصخري، حيث يجب أن تحظ المناطق والمدن القريبة من مناطق الاستغلال من تنمية كبيرة ونأمل أن تحول مدننا في الجنوب الكبير إلى مدن مثيلة لإمارات مجلس دول الخليج العربي مثل دبي أو الشارقة، وأن تستثمر الأموال بطريقة ناجعة لتغيير وجه جنوبنا الكبير الذي عانى الاقصاء والتهميش لعقود، وحتى ينعم كل أبناء الجزائر بخيارات بلدهم.

خلاصة القول أنه يجب على الحكومة اتخاذ الإجراءات الأتية:

  1. الابتعاد قدر الممكن عن مناطق تواجد المياه الجوفية، لتفادي أي حوادث غير مرحب بها.
  2. استغلال الغاز الصخري في المناطق البعيدة عن التجمعات السكانية والمدن، والخزانات المائية الجوفية.
  3. فتح ورشة نقاش لتنوير الرأي العام عن فوائد ومخاطر الغاز الصخري من طرف خبراء ومختصين في الميدان.
  4. الالتزام بالشروط التالية:
  • كفاءة المسؤولين والفاعلين في عملية إنتاج النفط (يحبذ العمل مع شريك أمريكي).
  • واستخدم تقنيات حديثة،
  • حرص الدولة على مراقبة عمليات الإنتاج بشكل جيد،
  • بالإضافة إلى وجود مجتمع مدني يقظ يملك وعيًا بيئيًّا.
  1. تنمية وترقية المناطق والمدن الصحراوية لتصبح أقطاب كبيرة في كل المجالات.
  2. اقتسام خيرات وثروات البلاد ومقدرات الأمة بالعدل والقسطاس.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

المستشار كمال كرلوف

المهندس كمال كرلوف مهندس دولة في إدارة المشاريع وخبير مستشار في منجمنت الشركات والمؤسسات، مدير سابق في عدة شركات حكومية جزائرية، ناشط جمعوي ومؤسس لعدة جمعيات ومنظمات وطنية، باحث وكاتب في عدة مجالات سياسية واقتصادية وتنمية بشرية وعلمية، رئيس رابطة الكتاب والمؤلفين سابقا وأستاذ مشارك في جامعة البليدة سابقا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى