سياسة وتاريخ

استضافة واحدة تغني عن لجوء الملايين

تصدرت في اليومين الماضيين صور اللاجئين السوريين الذين عبروا من تركيا إلى اليونان، وهم يروون حكاياتهم المؤلمة عما تعرضوا له من معاملة وحشية من الأمن اليوناني، فقد أظهرت الصور الملتقطة ظهر سوري وقد تشوه جراء تعذيب اليونانيين من حرس الحدود له، وقد وصل الأمر بهم للاستيلاء على المتعلقات الشخصية لأولئك الفارين من جحيم الحرب في بلادهم.

لاجئ سوري آخر من اللاجئين السوريين هو عبد السلام حمودة من حماة فر هارباً إلى تركيا، ولسوء حظه لاحقه أفراد حرس الحدود التركي وألقوه في نهر العاصي بالرغم من تحذيره لهم أنه لا يجيد السباحة، وإلى اليوم لم يصل إلى أسرته ولا حتى عثر له على جثة، في مأساة جديدة تضاف إلى مئات القصص المحزنة من الشتات السوري المرير.

جرى كل ذلك فيما عاد أردوغان عن قراره بفتح حدود بلاده البرية والبحرية للسوريين، وأصدرت حكومته الأوامر لحرس الحدود التركي بمنع المهاجرين السوريين من مغادرة الأراضي التركية، بعدما أرغى وأزبد قادة الاتحاد الأوروبي ضده متهمينه بابتزاز بلدانهم، ملوحين بمعاقبته على إلغاء اتفاق استضافة اللاجئين قبل أربع سنوات، وكعادة العدالة والتنمية عندما يخير بين مبادئه ومصالحه المتمثلة بالبقاء في السلطة، اختار الحزب الحاكم البقاء في السلطة.

يحدث كل هذا الاشتباك والتلاسن والتهديد والتهديد المتبادل بينما يهيم السوريون على وجوههم طالبين الحماية من الشرق والغرب اللذين ركلاهما كالكرة، وتجنبا التعامل معهم كما لو كانوا وباءً، لتسقط الأقنعة الأخلاقية سواء لتركيا أو للقارة العجوز، وتبقى قضية الإنسانية حائرة تبحث عن إجابة.

تتعامل جميع الأطراف المعنية بأزمة اللجوء السوري كل بحسب مصالحه، فتركيا المتضرر الأكبر والتي دفع الحزب الحاكم فيها الضريبة الأفدح بخسارة اسطنبول في الانتخابات البلدية العام الماضي، وتزايد السخط الشعبي ضد حزب العدالة والتنمية الحاكم، فقررت أن تزيح هذا العبء عن كاهلها؛ تارة بترحيل اللاجئين قسراً إلى سوريا، أو إنشاء مناطق آمنة لهم في الداخل السوري، وأخيراً فتح باب الهروب للقارة الأوروبية لهم ضماناً للفوز في أية انتخابات قادمة.

أما أوروبا التي يتصاعد فيها اليمين الشعبوي الرافض للجوء والمتعصب للهوية المسيحية، فهي ترى في اللاجئين شراً مستطيراً سيلتهم مواردها، ويغير عويتها الدينية بعدما يندمج هؤلاء في تركيبة البلاد السكانية، لذا منعتهم دول القارة العجوز من الأساس من دخول أراضيها.

أما النظام السوري المتسبب الأول والمستفيد الأول كذلك من تلك المأساة المزمنة، فيعتبر نفسه مستفيداً تحت أي بند، فبهرب الثائرين عليه إلى أوروبا يستولي على مناطقهم، ويسلمها لأنصاره، ويصور نفسه منتصراً على الإرهاب، معيداً إنتاج نفسه للغرب على أنه حليف ضد ذلك العدو المخيف الإرهاب الذي ضرب بلادهم على مدى عشرات السنوات.

غير أن الغرب في أوروبا أو أمريكا يدرك هذه الخدعة من جانب نظام الأسد ويستمرأها، ويشجع جزار الأسد على الاستمرار فيها، فالرجل وأبوه قدما أجل الخدمات له بالقضاء على المقاومة الفلسطينية تارة، وإفشال الثورة السورية التي ستهدد المصالح الغربية في هذا البلد العربي والشرق الأوسط الهام تارة أخرى، وقبل هذا وذاك يحمي حدود إسرائيل، فلم التخلى عنه؟

لو فكر الغرب بعقلانية لقضى على هذه الأزمة قبل أن تبدأ، فلأجبر بشار على التنحي، واستضافه لاجئًا داخل إحدى دول الصف الثاني في الاتحاد الأوروبي، لكن المصالح الضيقة تسبب الضرر في أغلب الأحيان لأصحابها، وتتحول بسببها المشاكل الصغيرة إلى أزمات مزمنة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى