علوم وصحة

ادماج الطفل المعاق ذهنيا بين الواقع والقانون

من الأهداف الأساسية التي تسعى الدولة الجزائرية إلى تحقيقها هي الإدماج الفعلي للشخص المعاق داخل المجتمع الذي يعيش فيه وهو مطلب أصبح أكثر من ضرورة في ضل التطورات الاقتصادية والاجتماعية من جهة وكذلك الالتزامات والاتفاقيات التي صادقت عليها الجزائر في مجال حقوق الإنسان مع المنظمات والهيئات الدولية .

كما توجد ترسانة من القوانين والتعليمات والتوصيات التي تلح وتقر بضرورة إدماج الأشخاص المعوقين ومنحهم الفرصة الكاملة للانخراط الفعلي في دورة التنمية الشاملة للمجتمع شانهم في ذلك شان الأشخاص العاديين لكن حسب قدراتهم وإمكانياتهم .

ادماج الطفل المعاق ذهنيا داخل المجتمع

وفي هذا الإطار توجد العديد من المؤسسات المتخصصة عبر التراب الوطني تعمل على التكفل، الرعاية، التربية، والتأهيل، يؤطرها الآلاف من الإطارات البيداغوجية المتخصصة في جميع أنواع الإعاقات وعلى رأسها المراكز النفسية البيداغوجية للأطفال المعوقين ذهنيا، والتي يفوق عددها 100 مؤسسة موزعة عبر التراب الوطني ، ناهيك عن بعض المؤسسات المساعدة بالعمل والمزارع البيداغوجية، بالإضافة إلى مجموعة من الاتفاقيات المبرمة مع العديد من القطاعات وعلى رأسها قطاعي التربية والتكوين المهني، ومن خلال هذه المداخلة سوف نتطرق إلى جملة من القوانين التي سنتها الدولة بغرض إدماج هؤلاء الأشخاص ومقارنتها بالواقع المعاش.

1-التكفل الاجتماعي:

في هذا الجانب بدلت الدولة جهودا كبيرة ومازالت لحد الساعة ولن تتوقف من اجل تهيئة المحيط وتوفير العوامل الملائمة للشخص العاق لكي يحيا حياة كريمة وشريفة وبشكل عادي دون صعوبة ولا مركب نقص يستطيع أن يقضي حاجاته اليومية بسهولة مثله في ذلك مثل بقية أفراد المجتمع .

وفي هذا الإطار سنت الدولة العديد من القوانين والتي من شأنها تسهيل الحياة للشخص المعاق، ففي مجال تسهيل الوصول للمرافق العمومية عملت على تخصيص شبابيك في الإدارات العمومية خاصة بالأشخاص المعوقين من اجل توفير مشقة العناء والانتظار الطويل ففي مجال التهيئة العمرانية نجد  المادة 30 من القانون 02/09 المتعلق بحماية وترقية الأشخاص المعوقين.

أما بخصوص تسهيل الوصول إلى البلديات ومكاتب البريد والإدارات العامة فهناك ما يسمى بالشبابيك الموحدة وعون مكلف بالسهر على تقديم الخدمة للشخص المعاق وفقا للمرسوم التنفيذي 06/455 المؤرخ في 11/12/2006 الذي يحدد كيفيات تسهيل وصول الأشخاص المعوقين إلى المحيط المادي والاقتصادي والثقافي، كما يوجد قرار وزاري مشترك مؤرخ في 06/09/2010 يحدد تشكيلة لجنة تسهيل وصول الأشخاص المعوقين إلى المحيط المادي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي وتنظيمها وسيرها، وأيضا القرار الوزاري المشترك المؤرخ في 06/03/2011 يتعلق بالمقاييس التقنية لتسهيل وصول الأشخاص المعوقين إلى المحيط المبنى والتجهيزات المفتوحة للجمهور.

أما بخصوص السكن فان للشخص المعوق الأولوية في الاستفادة من سكن اجتماعي كما يستفيد من تسهيلات مالية وإدارية في شراء أو إيجار سكن تابع للدولة أو الجماعات المحلية وخاصة ذو إعاقة 100/100 . وهذا وفقا للمادة 31 من القانون 02/09 المتعلق بحماية وترقية الأشخاص المعوقين.

كما يوجب المعنيين بمنح السكنات وخاصة ذات الطابع الاجتماعي من تخصيص الطابق الأرضي للأشخاص المعوقين أو المكلفين برعايتهم والمتكفلين بهم، وهذا حسب المادة 30 فقرة 6 من القانون 02/09 المتعلق بحماية وترقية الأشخاص المعوقين، والمادة 05 من المرسوم التنفيذي 06/455 المؤرخ في 11/12/2006

وفي مجال النقل فان هناك قوانين ومراسيم تنفيذية تتطرق إلى مجانية أو تخفيض سعر التذاكر حسب نسبة الإعاقة، فإذا كانت نسبة الإعاقة 100/100 بخصوص النقل البري فان النقل يكون مجاني سواء للشخص المعاق أو لمرافقه، أما إذا كانت نسبة الإعاقة اقل من 100/100 فان نسبة التخفيض تكون في حدود 50/100 للشخص المعوق فقط.

أما النقل الجوي فان نسبة التخفيض تصل إلى حدود 50/100 للشخص المعاق بنسبة 100/100 وكذلك مرافقه.

كما خصصت الدولة إعانة شهرية في شكل منحة للأطفال الذين يبلغون 18 سنة وما فوق حسب نسبة الإعاقة وهي 4000 دج من لديه نسبة إعاقة تقدر ب100/100 و3000 دج لنسبة إعاقته اقل من 100/100 حسب المادة 07 من القانون 02/09 المتعلق بحماية وترقية الأشخاص المعوقين.

وقد تم مؤخرا الزيادة في قيمة المنحة الشهرية لتصبح 10000 دج للشخص الذي نسبة إعاقته 100/100 .

وتوجد حالات خاصة بالأطفال المعوقين الأقل من 18 سنة بخصوص الاستفادة من المنحة الشهرية إذا كان الأولياء بدون دخل مهما كان عددهم وفقا للمادة 07 من القانون 02/09 المتعلق بحماية وترقية الأشخاص المعوقين.

وفيما يخص الضمان الاجتماعي فان الطفل البالغ 18 سنة وما فوق والحاصل على بطاقة الإعاقة يستفيد من خدمات الضمان الاجتماعي والمتمثلة في العلاج واقتناء الدواء، والحصول على الأعضاء الاصطناعية والكراسي المتحركة بالنسبة للمعاقين حركيا، والحق في التأهيل الوظيفي والحمامات المعدنية، وفقا للمادة 03 الفقرة 02 والمادة 22 من القانون 02/09 المتعلق بحماية وترقية الأشخاص المعوقين .

بالرغم من وجود قوانين ومراسيم وقرارات وتعليمات إلا أن الشخص المعاق مازال يعاني من صعوبات في قضاء حاجاته الأساسية وخاصة خارج المناطق الحضرية والمدن الكبرى سواء على مستوى سهولة الوصول إلى الإدارات العمومية أو على مستوى تفعيل هذه القوانين والعمل بها ميدانيا وهذا لعدة اعتبارات موضوعية وذاتية.

2-الإدماج المدرسي:

إن التمدرس حق من حقوق الطفل المعوق وهو إجباري دون مراعاة السن ، ويعتبر من الأهداف الأساسية التي تسعى المراكز النفسية البيداغوجية إلى تحقيقها من خلال إنشاء أقسام للأطفال ذوي الإعاقة الذهنية الخفيفة أو الذين وجدوا صعوبة في متابعة برامج التربية الوطنية بغرض تهيئتهم وإعادة إدماجهم سواء في الأقسام العادية أو الأقسام الخاصة، وفقا للمادة 14/15 من القانون 02/09 المتعلق بحماية وترقية الأشخاص المعوقين، وكذلك المواد 10/12/14 من القانون التوجيهي للتربية الوطنية الصادر بتاريخ 23/01/2008

على الرغم من المجهودات الكبيرة المبذولة في اتجاه إدماج الأطفال المعوقين ذهنيا مدرسيا من خلال تسخير الوسائل المادية والبشرية والتشريعية إلا أن الطلب الكبير والمزايد حال دون التمكن من إدماج العديد من الأطفال، والذين استفادوا من الإدماج فان نتائج تحصيلهم الدراسي لم ترقى إلى المستوى المطلوب نظرا لعدم اختصاص المؤطرين ، أو نقص في الوسائل البيداغوجية الخاصة، أو عدم تعاون الأولياء مع الفريق البيداغوجي بمتابعة أبنائهم ومساعدتهم على حل الواجبات المنزلية وأداء النشاطات المدرسية المكملة.

ومن اجل استدراك النقص ومعالجة الخلل، سنت الدولة عن طريق وزارة التضامن الوطني والأسرة قوانين جديدة تسمح بموجبها للخواص بفتح مؤسسات متخصصة لاسيما المراكز النفسية البيداغوجية للأطفال المعوقين ذهنيا والتي من شأنها تخفيف الضغط على المؤسسات العمومية من جهة، وتحسين نوعية التكفل من جهة أخرى، لاسيما الإدماج المدرسي.

3-الإدماج المهني:

يعتبر الإدماج المهني أساس الاستقلالية الاقتصادية وبوابة نحو الإدماج الاجتماعي الفعلي للشخص المعاق، وعلى هذا الأساس يوجد عدد كبير من القوانين والمراسيم والتعليمات والتوصيات التي تصب في اتجاه الإدماج المهني سواء في مراكز التكوين المهني العادية أو المراكز الخاصة، ومنها المواد 18/19/20 من القانون 02/09 المتعلق بحماية وترقية الأشخاص المعوقين، وكذلك المرسوم التنفيذي رقم 03/333 المؤرخ في 08 أكتوبر 2003 يتعلق باللجنة الولائية للتربية الخاصة والتوجيه المهني .

ويمكن للجمعيات التي توفر للشخص المعوق تكوينا أن تستفيد من دعم الدولة حسب المادة 17 من القانون رقم 02/09 المتعلق بحماية وترقية الأشخاص المعوقين.

وفي هذا السياق أنشأت الدولة مجموعة من المؤسسات التي تساعد على الإدماج المهني للأشخاص المعوقين منها المؤسسات المساعدة عن طريق العمل وهي آلية وضعتها الدولة من اجل ضمان التكوين والإدماج تسمح للشخص المعوق من تحقيق الاستقلالية والاستفادة من تغطية اجتماعية تضمن له الحياة الكريمة .

كما أنشأت مزارع بيداغوجية موجهة لذوي الإعاقة الذهنية والحركية البسيطة تختص في النشاطات الزراعية البيداغوجية التي تتلاءم مع طبيعة مختلف الإعاقات، وهذا بموجب المادة 29 من القانون رقم 02/09 المتعلق بحماية وترقية الأشخاص المعوقين، والمرسوم التنفيذي رقم 02/08 المؤرخ في 02/01/2008 الذي يحدد شروط إنشاء المؤسسات المساعدة عن طريق العمل وتنظيمها، والمرسوم التنفيذي رقم 08/83 المؤرخ في 04/03/2008 الذي يحدد شروط إنشاء مؤسسات العمل المحمي وتنظيمها وسيرها.

على الرغم من التدابير القانونية والوسائل المادية والبشرية المسخرة من قبل الدولة إلا أن الإدماج المهني الفعلي للأشخاص المعوقين لاسيما المعوقين ذهنيا لا زال لم يرقى إلى مستوى هذه القوانين والوسائل، والذليل العدد الكبير من الأطفال المعوقين ذهنيا البطالين سواء المتخرجين من المراكز المتخصصة أو الذين لم يلتحقوا بها، والذين لم يتمكنوا من الاستفادة من تكوين مهني سواء بمراكز التكوين العادية أو بالمؤسسات المساعدة على العمل أو المزارع البيداغوجية نظرًا لعدة اعتبارات، منها عدم الالتزام بالقوانين والتشريعات المتوفرة من طرف المؤسسات المعنية، أو لعدم توفر العدد الكافي من هذه المؤسسات نظرا للطلب الكبير عليها، أو لانعدام المؤطرين المتخصصين في تكوين ذوي الإعاقة الذهنية لاسيما على مستوى مراكز التكوين العادية أو المراكز المساعدة بالعمل أو المزارع البيداغوجية .

أما الأطفال الذين أسعفهم الحظ وتحصلوا على تكوين وتوجوا بشهادات الكفاءة المهنية لاسيما بمراكز التكوين العادية وفقًا للاتفاقية المبرمة بين وزارتي التكوين المهني والتضامن الوطني، فإنهم يصطدمون بتحديات أخرى وهي عدم تمكنهم من إيجاد منصب عمل يصونون به كرامتهم ويجعلهم بين صفوف أفراد المجتمع لهم حقوق وعليهم واجبات وهذا الوضع لا يعود إلى غياب منظومة قانونية، بل توجد قوانين تحفز المؤسسات وأرباب العمل لاستقبال نسبة منهم مقابل تخفيض في نسبة الرسوم الضريبية ومساعدات أخرى منها:

-الاستفادة من التدابير التحفيزية الجبائية  -الاستفادة من إعانات إضافية في حالة القيام بتهيئة المحيط بغرض تسهيل الوصول للشخص الموظف المعوق –الاستفادة من تخفيض الدفع الجزافي لأجور العمال المعوقين –تخفيض الضرائب على أرباح الشركة –التخفيض من الاشتراكات الاجتماعية عند توظيف الشخص المعوق أو العامل الذي أصيب بإعاقة، وهذا حسب المادة 28 من القانون رقم 02/09 المتعلق بترقية وحماية الشخص المعوق.

-توصيات:

-وجوب تكثيف نشاطات التوعية والتحسيس من خلال وسائل الإعلام بكل أنواعها المقروءة، والمسموعة، والمرئية حول وجوب وضرورة الإدماج الاجتماعي للأشخاص المعوقين على أساس انه عمل إنساني راقي وسلوك حضاري نبهت إليه كل الأديان السماوية لاسيما ديننا الحنيف

-ضرورة تفعيل القوانين والتشريعات وتطبيقها على ارض الواقع من خلال إنشاء هيئة رسمية تشرف على متابعة ومراقبة تطبيق هذه القوانين على ارض الواقع بالتنسيق مع المؤسسات والهيئات المعنية .

-تسخير المؤطرين المختصين في مجالات الإدماج المدرسي والمهني بالعدد الكافي وضمان تكوين متخصص في المجال من اجل ضمان تكفل كمي وكيفي للأشخاص المعوقين .

-انجاز المؤسسات المتخصصة الكافية وضمان الوسائل اللازمة لسد العجز وتوفير الطلبات للأعداد المتزايدة من الأشخاص المعوقين .

-فتح المجال للخواص بإنشاء مؤسسات متخصصة في التكفل بكل أنواعه(التربوي، المدرسي، والمهني) للأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية من اجل تخفيض الضغط على المؤسسات المتخصصة العمومية وتحسين مستوى التكفل لهؤلاء الأشخاص.

تعليق واحد

  1. التكفل بفئة ذوي الاحتياجات الخاصة يقتضي تسطير خريطة طريق مبنية على خطوات دقيقة ومحكمة وتنفيذها بعناية فائقة على ارض الواقع انطلاقا من التشخيص الى البرنامج الى الانشطة الى الوسائل المستخدمة الى الطريقة البيداغوجية حتى نتمكن من تحقيق الاهداف المرجوة وتكون لهؤلاء الاشخاص مكانتهم الطبيعية داخل الوسط الاجتماعي فالف شكر وجازاكم الله خيرا على طرحكم لهذا الموضوع القيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى