مدونات

اتخاذ القرارات المصيرية

يقف الإنسان عند اتخاذ القرارات المصيرية مرارًا وتكرارًا.. ففي البداية يمكث قليلًا حتى يستوعب العقل الفكرة ويتم نضجها وبعد ذلك يعطي المخ المسؤول عن هندسة العمليات كافة البيانات ومن ثم تخرج الإشارات اللاسلكية بالتنفيذ.

كثيرًا ما نجد التردد الهواية المفضلة لمعشر الإنس والجن، حيث يخاف المرء من ردة الفعل المصاحبة لقراره فإن أصاب تملكته السعادة والنشوى باختياره الطريق الصحيح وظل يتباهي برجاحه عقله ويسير كأنه يحضن السحاب ويخطو بخطواته فوق سطح القمر، وإن خاب قراره تملكه الندم على فعلته كأنه يسير على الأشواك وتورمت قدماه ويعاتب نفسه عتابًا شديدًا وتسوء حالته النفسية وينقلب المزاج العام 180 درجة.

ويقرر ألا يقرر مرة أخري بدون الإمعان وتحليل الوضع من جميع الاتجاهات وإنفاذ المنطق، فالدين والعلم والدراسة والخبرة والاحتكاك تلعب دورًا كبيرًا في تنوير المرء وتفنيد إحداثيات قراره بالصورة الأمثل، ومن هنا نجد كيفية تحكم المرء في قرارته بحنكة وتروي.

المعطيات تحلل أسباب المشكلات وبواطن الأمور ومن بعدها تأتي النتائج المرجوة بعد اتخاذ القرارات المصيرية تلك، ولكن المتعلقين بالمرء والمسؤولين الذين تحت عباءته كما أهله وأولاده وأصحابه والقريبين والمجتمع ككل تجعله يفكر مرات عديدة قبل الشروع في بدء أي تفصيلة صغيرة في حياته.

وتنقسم القرارات المصيرية إلي أنواع عديدة منها اتخاذ طريق الحق والعدل والدفاع عن الدين ومقدساته وحماية الوطن من المؤامرات التي تحاك ضده، ومن أصعب القرارات المصيرية على النفس هي اتخاذ القرارات المصيرية فيما يخص مسلك الغربة هذه الكلمة البسيطة في حروفها، العميقة في معانيها، الخفيفة في وزنها، الثقيلة في همومها، والمليئة بالكربات ونار الفراق وترك وهجر كل ما هو عزيز في سبيل إرضاء الأهل ومحاولة بدء طريق جديد مليء بالأحزان والأشواك.

فاتخاذ طريق الغربة ومغادرة الوطن والأحباب من القرارات التي يتخذها الفرد غصبًا عن إرادته ولو عاد به الزمن مرة أخري ما أقدم عليه حتى لو تبوء أعلى المناصب وحاز أموالًا طائلة وبنى لنفسه المستقبل وساهم أيضًا في بناء مستقبل أبنائه وكفى أهله السعادة بالمال وترك روحه تواسيهم وركب قطار الغربة بجسده يعذبه يمينًا ويسارًا، وانبهر البعض الآخر بالتقدم والحياة العملية والأنماط الغريبة من الشخصيات فهي في الأول والآخر حياة جامدة لا روح فيها ولا وئام ولا مشاعر ولا أحاسيس.

ولكن طغيان المادة وإغراءتها فاق الحد، وأصبحت المصلحة فوق دهس الأجساد بلا رحمة، تبكي العيون ولا تنزل الدموع للخارج ولكنها تتساقط كالحميم في الداخل، الحياة في الوطن الأم بمثابة الكنز الذي فقدته وأنت شابًا وعندما يغطيك الشيب ترجع تحاول البحث عنه فلا تقدر ولا تقوى، وتقعد تنتظر الموت يخلصك من عذاب السنين.

هيهات ممن حدثونا ونعتونا بالكذابين والحاسدين والكارهين والشامتين للخير الذي ينتظرنا هناك في بلد غريب وأشخاص غرباء ومجتمع أغرب من الاثنين، صورة تلمع كالفخار الضاحك أو كزجاج البلور المنكسر والذي يشبه اللؤلؤ المتلألأ بالألماس والجواهر الكريمة التي غاصت في قاع البحار والمحيطات واختفت آثارها، ومن القرارات المصيرية الأخري قرار الزواج والاختيار وما ينتج عنه من تكملة المشوار وبناء العائلة أو الفراق والطلاق وضياع الكيان الأسري ومعاناة الأبناء بين بيئات مختلفة وانفكاك العقد والسلوك المترتب على سرعة اتخاذ هذه القرارات المصيرية .

ومن القرارات الصعبة على النفس هي الرضا بالذل والهوان على خاطر وعلى غير خاطر، ينتاب المرء السكوت والرضوخ للأمر الواقع والخوف الذي يكبله ويجعله فاقدًا للنطق لا يميز بين الخير والشر ولا بين الأمر الجيد ولا السيء ويسلك طريقًا من وجهة نظره هو طريق النجاة، مثله كمثل الذي يحتمي بالجبل كابن نوح عليه السلام الذي اتخذ القرار الخاطئ وظن ظن السوء فجاءه العذاب على حين غرة، ولم يشفع له دعاء والده وجاءه الرد الإلهي من الله عز وجل بأنه كفر وعمل عملًا غير صالحًا.

وقصة قابيل الذي اتخذ قراره الآثم حسدًا وغيرة وقتل أخاه ثم ندم على فعلته الشنعاء، وإخوة يوسف عليه السلام فعندما عقدوا العزم واتخذوا قرارًا جماعيًا بمحاولة قتل يوسف عليه السلام ثم خففوا قرارهم وألقوه في غيابات الجب ولم يحافظوا على وصايا أبيهم يعقوب عليه السلام، ليعودوا بعد عقدين من الزمان أو أقل إليه طالبين يد العون بعد أن نصره الله وأعزه وجعله على خزائن الأرض وندموا أشد الندم على ما اقترفته أيديهم من قبل.

وفي كثير من الأحيان ارتدت المرأة ثياب الشجاعة وتساوت مع الرجال في الصبر والجلد والتحمل وأيضًا اتخاذ القرارات المصيرية الصائبة مثل إمرأة فرعون التي آمنت بربها ولم تخف من فرعون وجبروته وأيقنت إيمانها بالله ونادت ربها أن يبني لها قصرًا في الجنة، وجميلة أبو حريد الشابة الجزائرية الشجاعة التي اتخذت قرارها ومضت في تنفيذه متحدية بكل ثقة بشاعة الاستعمار ونزيف الدماء وصارت أيقونة في العالم أجمع واحترمها العالم وأعطاها قدرها وتعاطف مع قضيتها. والسيدة حكمت أبو زيد أول وزيرة مصرية ومن رواد النساء الثوريات الذين كتبوا بعقولهم أوجه العلم والعدل والكرامة والثورة علي الاتفاقيات المجحفة ومساندة قضايا المرأة في أخذ حقوقها ولم تتخل عن قضيتها.

اقرأ أيضًا : عامل علاء الدين وعلاقته بمقدار الثقة بالنفس (مترجم)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق