سياسة وتاريخ

ابن خلدون وسيناريوهات انهيار الولايات المتحدة الأمريكية

عبر كل زمن، كان هناك توقعات بسقوط امبراطوريات ودول عظيمة، لم يتوقع أحد سقوطها، وسقطت العديد منها واندثرت ولم يعد لها وجود، فالقمة لا تدوم للأحد في تاريخ الأمم والحضارات.

أمريكا وابن خلدون

خلال خطاب للرئيس الأمريكي رونالد ريغان سنة 1981، أشار فيه إلى كتابات العالم التونسي عبد الرحمان ابن خلدون الذي عاش في تونس العاصمة في القرن الرابع عشر، ولا تزال أعماله تسمع في كل مكان إلى يومنا هذا، وما أشار إليه ريغان هو كتاب المقدمة لابن خلدون عن الامبراطوريات وسقوطها فقال: “من المعروف أنه في بداية الامبراطوريات، تدر الضرائب عوائد كبيرة من معدلات ضريبية صغيرة، وفي نهاية الامبراطوريات تدر الضرائب عائدات صغيرة من معدلات كبيرة”.

عالمنا الجليل ربط أطوار الدولة الخمسة بثلاثة أجيال لا غير، الجيل الأول يبني ويأسس ويتعب، والثاني يتبع ما بدأه الجيل الأول ويقلده ولا يحيد، أما الجيل الثالث فهو الجيل الهدام “فالدولة لها أعمار طبيعية كما الأشخاص” كما عبر ابن خلدون.

يؤكد ابن خلدون أن الظلم مؤذن بخراب العمران، ويستعرض بعض صوره كفرض الضرائب المرتفعة وسلب حقوق الآخرين.

من أروع ما كتب ابن خلدون أن العدوان على أموال الناس يجعلهم لا يعملون ولا يجرون وراء الكسب، حيث يرون أن ثمرة جهدهم يسلبها السلطان، وعلى قدر الاستيلاء أموال الناس من الحكام يزيد تقاعسهم عن العمل والإنتاج، وإن كان الاعتداء عامًا على كل أبواب المعاش، كان التقاعس عن العمل عاماً في جميع الناس.

كما أنه بتوقف العمل تكسد الأسواق ويحل الخراب ويهجر الناس أعمالهم ويهاجرون من بلدانهم، يقول ابن خلدون أنه قد تنهار الدولة الظالمة قبل خراب البلد وتجيئ أخرى تحاول الإصلاح، والمقصود بالظلم عند ابن خلدون ليس أخذ المال أو الشيء من صاحبه بدون أي تعويض، بل هو أبعد وأشمل من ذلك، يشمل اغتصاب الحقوق العينية والمالية والمعنوية، وكلها تعود بالخراب على الدول إما آجلًا أو عاجلاً.

يرى ابن خلدون أن الانقسام في الدولة يزداد بضعفها، ويستدل في ذلك بأن الأغالبة استقلوا بتونس عن العباسيين، ثم جاء بعدهم الفاطميون فانتزعوا من العباسيين مصر والشام وانقسمت بذلك الدولة إلى ثلاثة؛ العباسية والفاطمية والأموية، وكذلك الأمر في شرق العراق وإيران، ونفس الشيء مع السلاجقة، استولوا على آسيا الصغرى وإيران والعراق والشام ثم تفككت دولتهم ولم يعد لها وجود.

يقول ابن خلدون في النهاية “وهكذا شأن كل دولة لا بد وأن تعرض عليها عوارض الهرم بالترف والدعة”.

ما هو مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية؟

يقول بعض المفكرين الأمريكان المختصين في “المستقبليات” أن تصورهم لمستقبل بلادهم هو التفكك والنهاية، وبنوا تصوراتهم على ما تسبب في الماضي من عوامل وأمور وشروط كانت كفيلة بإسقاط واندثار إمبراطوريات سابقة، منها الإمبراطورية الرومانية والعثمانية والبريطانية وأخيرًا الاتحاد السوفييتي.

وقياسًا على ذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت تتقهقر بسبب سياساتها الداخلية والخارجية، إن ما نقوله ليس خيالاً أو توقعات لمنجمين، بل هي توقعات لمفكرين مبنية على ما يملكونه من معطيات وقواعد تقنية وعلمية، لقد تخلت الولايات المتحدة الأمريكية عن اتفاقية “برايتون وودز” (اتفاقية تم بموجبها تثبيت العملات الأجنبية مقابل الدولار بسعر 35 دولار لآونس من الذهب)، وتخليها عن هاته الاتفاقية قد يؤدي إلى انحصار النفوذ الأمريكي وانقسامات وتغيير جيوسياسي في العالم.

سبق وأن تفكك الاتحاد السوفييتي

سبق للمفكرين المهتمين بمستقبل العالم سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا أن تنبأوا بانهيار الاتحاد السوفييتي، وقدموا دلائل علمية تدعم بقوة احتمال سقوط الاتحاد السوفييتي السابق، وحدث ذلك وقد توقع الخبراء أن تنهار الولايات المتحدة الأمريكية بعد 25 سنة من انهيار الاتحاد السوفييتي.

سيناريوهات انهيار الولايات المتحدة الأمريكية

يرى الخبراء في المستقبليات أن نهاية الولايات المتحدة الأمريكية قريبًا، ووضعوا لذلك احتمالات لسيناريوهات عديدة، منها:

  • ثورة سود الولايات المتحدة الأمريكية، وتوسع ذلك في كل الولايات وما يشمله من أعمال شعب وانهيار أمني وفوضى وانفصال.

  • قد يتسبب الركود الاقتصادي بسبب الوباء الذي يجتاح العالم حاليًا في تفكك الولايات المتحدة الأمريكية.

  • رغبة ولاية كاليفورنيا في الانفصال عن الولايات المتحدة الأمريكية، إن ولاية كاليفورنيا من الولايات التي ترغب في الانفصال عن الأم، ويقول الخبراء إذا انفصلت كاليفورنيا تفككت الولايات المتحدة الأميركية، لقد أصبح العديد من سكان كاليفورنيا يعتقدون أن الحكومة الفدرالية لم تعد تمثل مصالحهم الاقتصادية، فهل يمكن لكاليفورنيا أن تتسبب في حرب أهلية بانفصالها عن بقية الولايات كما حصل بداية الحرب الأهلية الأمريكية؟

لو نجح الانفصاليون بكاليفورنيا في استقلالهم عن الولايات المتحدة الأمريكية، فإن ذلك سيكون كارثة على الخزينة الأمريكية لما تمثله كاليفورنيا من ثقل اقتصادي هام، فهي تعتبر أغنى ولاية في أمريكيا على الأطلاق.

ـ انهيار البورصة: قد يؤدي انهيار تاريخي في أسواق الأسهم العالمية في إعدام مشروع العولمة الأمريكي، وسيصبح هناك تضخم في الولايات المتحدة، وحسب الإحصائيات فإن الكارثة وقعت يوم 12مارس 2020 سوق الأسهم بأوروبا أكثر من أي مكان آخر.

لقد كان سقوط المؤشرات الأوروبية عامة الأسوأ منذ 30 عاماً، لقد طبع الاحتياطي الفدرالي الأمريكي ما يعادل 1.5 تريليون دولار وهو ما يعادل ضعفي حجم الدولارات المتداولة في الاقتصاد العالمي، لكن هذا ليس كل شيء، فطباعة الدولار دون زيادة مقابلة في حجم السلع يسبب في انهيار الاقتصاد العالمي، ويصبح هناك تضخم غير عادي في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما أصبح فعلياً مجرد وقت.

  • إن تزايد حدة الاستقطاب السياسي والفكري في الولايات المتحدة الأمريكية قد يعجل بتفككها وانقسامها، وقد بدا ذلك واضحًا بالانقسام في الكونغرس الأمريكي الذي لم يشهد مثل ذلك منذ 100 عام.

  • إن علاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع بقية دول العالم في زمننا الحلي في أسوأ حال، فسياساتها الدولية متهورة، وكثيرة الأخطاء من ابتزاز لدول الخليج والتحيز لإسرائيل، وتصعيد المواجهة الاقتصادية مع الصين، وإلغاء معاهدة الأسلحة النووية، والذي سيضر بالاقتصاد الأمريكي بسبب السباق على التسلح.

الخاتمة

  1. إن أي حضارة تزول وتنتهي حين يدمرها أصحابها، فالولايات المتحدة الأمريكية أكثر الدول المروجة للديمقراطية والقيم الإنسانية والحرية والرحمة، لكنها أكثر الدول عنفاً وإراقة دماء واعتداء على بقية الدول في العالم.
  2. لقد هز ابن خلدون الفكر العالمي، فقد وضع عالمنا التونسي قوانين جديدة يمكن تطبيقها على كل المجتمعات البشرية انطلاقًا من أن الإنسان لا بد أن يعيش في مجتمع وشعب ولا بد له من أرض للعيش فيها، ومن ثم لا بد لهذا الشعب من دولة وحاكم.
  3. يتدرج الحاكم من شيخ قبيلة إلى حاكم مطلق يؤسس الدولة، وإذا أسس الدولة مرت الدولة بمراحل عدة، وهذه المراحل وجدت صحة تطبيقها في كل العصور، فأغلب الدول نجدها تمر بنفس المراحل التي وضعها عالمنا في مقدمته.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

صلاح الشتيوي

كاتب تونسيي كتب العديد المقالات في السياسة والبيئة والاقتصاد تم نشر اغلبها بجريدة الشروق الورقية و بعض المواقع العربية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق