مدونات

ابحث عن ذاتك

كما قيل في الماضي القريب أن الوظيفة هي رقّ القرن العشرين.. لقد صدقت هذه المقولة وصدق قائلها.

لقد علمتنا مدارسنا التي تلقينا فيها أولى العلوم الإنسانية أسلوب أوحد للتعامل مع الحياة عندما نفرغ من دراستنا الجامعية أو ما قبلها؛ بأن نلجأ إلى الوظيفة التي قد لا تكون مناسبة لرغباتنا وطموحاتنا، إلا أننا نضطر في النهاية للجوء إلى هذا السبيل كما فعل آباؤنا.

لا أريد أن أكون فظًا في مقالتي، ولكني أنقل هذا الواقع الذي نعيشه والذي وصفه روبرت كيوساكي مؤلف كتاب الأب الغني والأب الفقير بأنه سباق الفئران، فالكل يذهب إلى عمله، وقد لا يكون هذا العمل موافق لهواه ورغبته، ولا يتسق مع قدراته ومؤهلاته، ولا يحركه إلى عمله سوى الحصول على ما يقتات منه ليومه، وإنه لأمر مروع أن تكون أسباب حركة الإنسان في الحياة الحاجة وخشية الفاقة، فإن لم يكن يحيا حياته بحرية القرار والاختيار فإنه سيظل أسيرًا للحاجة عبدًا للظروف التي تأخذه من حال إلى حال.

ولكن يبقى السؤال، هل نحن نملك اختيار أسلوبنا في الحياة؟ وهل لدينا حرية اختيار السبيل الذي نسلكه لكي نقتات غذاءنا؟ هل نحن من نحرك حياتنا أم هي التي تقودنا؟ ومن منطلق ما رأيت من قصص للأشخاص الذين بلغوا في الحياة مبلغًا من العلم والمكانة، أرى أن الإنسان يملك الاختيار بين السبل المتعددة المتاحة في هذه الحياة، فهو يملك الاختيار بين الخير والشر، وبين الصالح والطالح، وبين أن يكون قائدًا أو تابعًا، وبين أن يكون حرًا أو عبدًا. الأمر يتوقف عليك أنت، أنت من تختار سبيلك في الحياة، وعلى أساس اختيارك ترى النتائج، ولا أنكر أن التوفيق والسداد يكون من الله، ونحن بالفعل نحتاج في اختياراتنا إلى توفيق وسداد من الله تعالى، المهم هو أن تحسن الاختيارات قدر الإمكان حتى تحظى بالنتائج التي ترضيك والتي تتأسس عليها الحياة السعيدة.

ولكي تستطيع أن تحدد اختياراتك بعناية، يجب عليك أولًا أن تعرف نفسك جيدًا، بمعنى أن تدرك ذاتك، أفكارك وتصورك عن الحياة وما تريده منها، أن تدرك مواطن القوة والضعف فيك، اقرأ عن نفسك كثيرًا، تعرف على ميولك وطباعك بسؤال الصادقين من حولك عنك، افهم نفسك، ولا يضيق صدرك بالنقد من الآخرين، لأنك إن عرفت نفسك جيدًا ستعرف النقد الصادق من النقد المزيف، اسأل نفسك عن ميولك في الحياة وما تريده منها، بمعنى آخر حدد هدفك من الحياة، فهؤلاء الذين يرون الطريق بوضوح يصعب أن يتعثروا أثناء السير فيه.

كما أنه يجب عليك أن تكون كثير الاطلاع، عالمًا بالأحداث من حولك، تستطيع أن تميز بين الأمور، تستطيع أن تصنف الأشياء تصنيفًا صحيحًا، أن تعرف عن أخبار العالم من حولك، فذاك يكسبك مهارة الإلمام بالأمور العامة مما يجعل لحديثك معنى، فهؤلاء المنفصلين عن العالم كما لو كانوا ميتين إكلينكيًا، لا يدركون تطور الأشياء والأحداث من حولهم.

كذلك يجب أن تتحلى بالقيم التي تحبها، وأن تعتاد ممارستها بشكل دائم في معاملاتك، وأن تفصح عن اعتزازك بهذه القيم وتروج لأهمية التحلي بها، فمن الجميل أن يقتدي الناس بك في سلوك قويم يزيد من رصيد الأعمال النافعة في حياتك وبعد مماتك، فهذه القيم الطيبة التي سار الناس عليها بفضل هديك بمثابة الصدقة الجارية التي تبقى بابًا لرصيد حسناتك بعد مماتك.

كما أنك يجب أن تتحلى بالاتزان، بمعنى أن تكون متزنًا في كل جوانب حياتك، وأن تفصح عن رأيك بمنتهى الوضوح وبأسلوب يليق بالحدث، ولا ينبغي أن تميل إلى الماديات فتكون قالبًا لا روح فيه ولا أن تستميت بالأمور المعنوية فقط فتكون شحاذًا فقيرًا.. فقط كن بشرًا، يعرف قدراته وملكاته..

انطلق وتحرر ولا تتقيد إلا بقيود الحق.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

medhatnagiub

باحث قانوني .. ماجستير إدارة أعمال .. دبلومة موارد وتنمية بشرية وأخصائي نفسي
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق