مدونات

ابتلاء بالمصائب والنعم

حياتك بين الابتلاء والصبر

تزورك المصائب والمحن فجأة، وتفتح النار عليك من بعيد وقريب، وتستغلّ صمتك المعتاد لترسم حزنا إضافيا، وحالة من الهستيريا والأوجاع المتراكمة، يتشمّر معها وجهك وتقف حركاتك ومسيرتك ويصبح اسمك العاجز و الضعيف.

أيمكن أن يكون هذا الوجع الضّيف هو الأخير في قاموس أحزانك!!

أم هي طاحونة ريح لا تستريح!!

 الابتلاء هو إحدى ضغوطات الحياة واختباراتها التي لا تنتهي وقد تنتهي بالموت. الابتلاء رجّة إلاهية ومنعطف وفرصة لمحاسبة الذات والنجاة.. معجم لتضاد المعاني يحمل معه تعريفات مخيّرة بين السعادة والتعاسة.. غفلة من الشدّة والعجز أصابت بُرْعُم الغصن فسقط وانكسر أو هو امتداد لشجر السرول وقد صبر فامتدّ وشكر فاشتدّ .قال تعالى: “وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ. ” البقرة: 155 – 157.

إنّ التوازن المحكم والنظام الكوني المرتّب يحتاج إلى سفر بين العيون المغمضة يطير بك و يحثّك أن تمضي وأن تنسى مساحة الألم ذات الخطوط المتوازية بين قبور الرحيل و الموتى.

أليست حياة الإنسان بين الابتلاء والصبر؟ أليست الحياة الدنيا اختبار خلف اختبار؟

 -هذه الحياة تنام فتصبح على ابتلاء بالمصائب يتربص بجثمانها المرض والموت والفقر في حركة دوران مستمرة ومتواصلة تحيط بالإنسان من كل جانب تسلب منه الغالي والعزيز على قلبه وتفرض عليه النسيان كبديل. حياة يزورها الغم والهمّ والإحباط والوحدة وحوادث السير في شكل انفعالات مصرّحة ومخفية واستعدادا مباشرا للانتحار. حياة فاشلة أحلامها مبخّرة ونجاحاتها وهمية تركن بك في إحدى زوايا البيت وتصفعك مرارا وتجعل حقائبك متأهبة للرحيل في كل ثانية.

حياة تعجز فيها عن الكلام المباشر وتوجيه الاتهام والصراخ في وجه من تحب وتكتفي فيها بنظرة يتيمة بائسة حقيرة ذليلة لا ترقى إلى طبيعة المكانة الحقيقية المزروعة في القلب.

هذه كلّها ابتلاءات متواصلة من حيث الزمن لا يحدها فصل ولا سياج ولا تاريخ ويكون لك من الحكمة التسلّح بالصبر كخيار تمضي فيه .

حياة تعيشها بما فيها من ابتلاءات تدخل عليك وتخرج متى تشاء، لا تعترف بقدرة الذات وضعفها فتنكسر أحيانا بالمصائب والشدائد وتتزيّن أحيانا أخرى بالنعم والخير.

هذه الحياة تنام فتصبح على ابتلاء بالنعم التي لا تحصى ولا تعدّ. وهي نعم على كثرتها قسمها الله بين عباده بدرجات متفاوتة لحكمة في الأمر يجب تقبلها بالحمد والشكر دون الجحود والنكران ” فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ ربي أَكْرَمَنِ وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ ربي أَهَانَنِ “.. الفجر: 15-16.لكن هذا الإنسان المتكبر قد ينفخ فيه جهله وتكبره فيعتقد أنّ الله وهبه هذه النعم وعليه الانصياع لشهواته والانغماس في الملذات وترك نفسه وماله تحت إمرة الشيطان يوجّهه بين المعاصي فيستبيح أكل المال الحرام لزيادة ثروته  ثمّ تتغير طباعه وكلماته وأفعاله وميولاته.

في نفس الإطار يأتي ابتلاء الإنسان بالجاه والمنصب والكرسي وهو لعمري أعظم ابتلاء تضعف معه قدرته على مقاومة طلبات نفسه ورغبات عائلته وفتنة المحيطين به فيقبل على الباطل كبديل للحق  وينصر الظالم ويقرب الفاسد ويقدّم الولاء والطاعة لغير الله حتى تتعود نفسه على هذه الأفعال فتصبح حقا وقانونا يمشي عليه ويستميل في الدفاع عنه.

فيرسب في امتحان الحياة ويخسر الدنيا والآخرة.

قليل هم أصحاب الكراسي الذين أنقذوا أنفسهم من فتنة السلطة والمنصب واختاروا عن طواعية الركون في صف الحق وجنّدوا أفكارهم وأفعالهم لنصرة المظلوم والمعدوم فهنيئا لهم هذا النجاح في الدنيا والآخرة.

الخوف الشديد ليس من الابتلاء بالمصائب كالمرض والفقر بقدر الابتلاء بالنعم  كالصحة والمال . قال رسولَ اللهِ -صلى اللهُ عليه وسلم فَوَاللَّهِ مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ.

هذه الحياة ابتلاء مستمرّ ومتواصل على العبادة والطاعة وما يتطلبه القيام بالعبادات كالصلاة والصوم والحج والزكاة من صبر وما تحتاجه من تضحية بدنية ومالية واستدراك عقلي يذهب عمى البصيرة ويعمّق الإحساس بوجود خالق لهذا الكون.

الأكيد أنّ حياة الإنسان بين الابتلاء والصبر.. ابتلاء على المصائب والمعاصي والنعم والطاعة.. ابتلاء ما عسانا سوى التسلّح بالصبر والشكر والحمد وتبنّي ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم” من أعطي فشكر وابتلي فصبر وظُلم فغفر وظَلم فاستغفر أولئك لهم الأمن وهم مهتدون” رواه ابن حبان.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ابراهيم الشخّاري

كاتب تونسي ورجل قانون يسافر باستمرار بين البحث في الجريمة وبين عشق الطبيعة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق