مدونات

إمرأة للنسيان.. الجاسوسة تجلس إلى جانبي

كعادتي كل يوم أخرج من بين الجدران إلى الشق الصغير أراقب العالم الخارجي، الناس يمرون بضجيجهم وصراخهم، لا أكاد أميز كلماتهم، يلعنون الزمن والوطن، يلعنون كل شيء يجدونه أمامهم، توقفت امرأة في الثلاثين من عمرها، نحيفة الجسم، متوسطة الطول، ذات بشرة داكنة، تجاعيد وجهها وكفيها تحكيان مرارة الزمن، يظهر عليها التعب الشديد، يمرون من حولها، لا أحد يتحدث إليها كأنها جماد، ثم تواصل طريقها بمفردها..
ينادي الحارس النحيف بعد أن فتح باب الزنزانة اللعينة بلطف:
-الفطور جاهز والجرائد والمجلات أيضًا، كنت سأحاول أن أحضر لكما بعض الكتب لكن الأمور لم تسر كما أردت.
وقفت أحدق إليه بعيناي اللتان اغرورقتا بالدموع ،جراء المعاملة التي نتلقاها من هذا الشاب النحيف المثقف:
-عند التاسعة صباحا سينهض صديقي ونتناول الفطور، شكرًا لك أتمنى لك يوما ممتعًا، فليحمك الله من كل شر.
تناولت الفطور شارد الذهن أحاول أن أرسم صورة لهذا الشاب النحيف بعد الخروج من السجن إذا كُتب لنا أن نلتقي. ينهض صديقي هو الآخر، يمعن النظر إلى الطاولة ويتناول سجارة ككل صباح وبدأ ينفث دخانها المر.

مع كل مرة أتذكر أشياء كثيرة تمر بالبال، أتذكر الطبيبة الجميلة، والمرأة التي كانت واقفة، أتذكر جدي الذي لم يمت، و أيضا نفسي بين هذه الجدران والسقوف، وصديقي لاكشمان الكسول وهذا الشخص الممدد هنا الذي جمعتني به الأيام والجدران.
إن الأشياء الجميلة تمر بسرعة..
في القطار بين فاس والجديدة وعلى طول المسار ركبت إلى جانبي امرأة في نفس مواصفات التي رمقتها عيناي صباح اليوم من الشق الصغير؛ وكانت تحاول بشكل جدي أن تكسر الصمت وأن نتحدث قليلا، كنت حينها أقرأ رواية باولو كويلو “الجاسوسة”
البطلة التي تعاطفت معها كثيرا بالرغم من أخطائها المتكررة، أنا ككل المستضعفين في هذا الوطن الجريح،وصرخة الشعب البريئة المنكسرة. اتعاطف مع الضعيف حتى وإن كان ظالما، تفحصت وجهها عن كثب، يبدو أنها امرأة لا تبتسم، تركز نظراتها إلي كثيرا، عيناها تخفيان غموضًا، لونها الداكن وطريقة جلوسها، تختلف عن أنثى تغريك بجسدها ومفاتنها، وكأنها فقدت بريق الأنوثة في سبيل البحث عن أشياء كثيرة.
القطار المتوجه سيتوقف بالبيضاء والرباط وعليه سنكون مضطرين إلى تغييره، كانت أول مرة تصعد فيها إلى مقصورة القطار، على ما يبدو، إنها لازالت شاردة الذهن تنظر إلى العالم الآخر من نافذه هذا القطار المتقادم، كان جسدها يهتز كلما اهتز القطار، غالبت ما بداخلها والتفّت إلي وهي تحاول أن تبتسم لتتحدث إلي..
-القطار سيصل إلى الرباط على الساعة الواحدة والنصف ظهرًا، علينا أن نغير الوجهة إلى البيضاء ثم الجديدة، هل هذا صحيح؟
-بلى كل شيء ستجدينه على التذكرة، الوقت والمكان وحتى تغيير القطار والوجهة التي تريدين، والثمن أيضًا (مبتسما)..
-إنها المرة الأولى التي أركب فيها القطار، كنت في زيارة لأهلي بفاس وأصرّت أختي على أن أعود في هذا القطار الذي لم أركبه يومًا، في الحقيقة لا أعرف أي شيء.
-لا عليك أختاه سنتوجه إلى الوجهة نفسها، سننزل في الرباط ثم البيضاء وبعدها ستكون النهاية بالجديدة، إذا كنت تودين البقاء معي فلا حرج في هذا، سوف أساعدك حتى تصلين إلى المحطة.
-شكرًا لك (تبتسم) هذا من دواعي سروري، يبدو أنك شاب ذو تفكير راقي، شاب مثقف تقرأ الكتب، لقد انتهى زمن القراءة والكتابة بالنسبة إلي منذ أن كنت في الجامعة، الآن كل همي هو أن أنجز الدروس والفروض للتلاميذ، إنها مهنة متعبة وشاقة..
-(مبتسمًا) إننا نتقاسم نفس الهم، أنا أيضًا أستاذ بالتعليم الثانوي، ولجت هذا المجال مؤخرًا وأصابني ما أصابني، لكنها رسالة نبيلة وعلينا أن نتفانى في خدمة أبناء هذا الوطن الجريح.

ابتسمت بسخرية كبيرة وهي تنظر إلي، القطار يصل إلى الرباط، وعلينا أن نغير الوجهة، كانت تتبعني وهي تعد خطواتي، شيء ما يدور في فلكها كلما نظرت إلى إحداهن، أو لاطفتها بكلمات جميلة، فأنا شاب أحب أن أعيش فترة شبابي دون قيد أو شرط، دون تقاليد هذا المجتمع، دون أي شيء.

القطار الآخر بعد نصف ساعة تقريبا، توجهنا إلى المحطة، طلبت قهوة بالفانيليا، وجلسنا معًا. كنت أقترب من الانتهاء من تفاصيل الجاسوسة، وقف الناذل علال مبتسمًا ومد إليها ورقة الطلبات، أصابها نوع من الإحراج لم تعتد على ذلك، سارعت إلى إلهاءه ثم طلبت منه كوب ماء.
-سيدتي ماذا تشربين؟
إنها لائحة الطلبات، كل شيء تفكرين فيه موجود هنا.
-(بسرعة) كأس ليمون.
مد لي النادل الفاتورة، أعطيته النقود وتوجهنا إلى القطار الذي سينطلق بعد لحظات، صعدنا إلى المقصورة العلوية، أخرجت روايتي كالعادة، الجاسوسة مرة أخرى، وبدأت من حيث انتهيت، كانت هي تفتش في هاتفها تحاول أن تفعل أي شيء، جلست إلى جوارنا امرأة أخرى ومعها طفل صغير يلعب فرحًا، يجري بين الكراسي على طول المقصورة، تتبعه أمه ثم تأتي به إلى مكانه، ينهض مجددًا ويذهب إلى الجانب الآخر في سعادة كبيرة كانت الأم تداعب هذا الإبن الصغير حتى هدأ ونام، وبينما هو نائم بين يدي أمه كانت الأخرى تراقبه عن كثب؛ شيء ما بداخلها يتمنى أن يكون لها، سرحت بخيالها مد البصر، تفكر أو تتذكر، لا أعلم ولكن هذا ما خُيل لي.. توجهت إلي ببصرها مرة أخرى وهي تقول:

-الأولاد حقًا نعمة من الله، بالرغم من كل هذا الصداع الذي يحدثون إلا أن الحياة بدون أبناء جحيم لا يطاق.
الآن علمت أنها غير متزوجة، وأنها تتوق إلى زوج وأبناء، وأشياء أخرى كثيرة تنسيها مرارة الزمن والعيش في هذا الجحيم الذي لا يطاق..
-الآن وقد حققتي كل شيء، العمل الحر، المال وأشياء أخرى، أظن أن الزواج أو الأبناء أمر ثانوي؟
-بل على العكس من ذلك، هذه الأمور بالنسبة للفتاة وإن ناضلت من أجل الحصول عليها إلا أن الزواج والأبناء أثمن الأشياء في هذه الحياة الموحشة، منذ عشرون عامًا وأنا أدرس في مناطق مختلفة، مرت أجيال كثيرة على أيدي، منهم الطبيب والمنهدس والأستاذ وغير ذلك الكثير، كنت دومًا أتمنى أنا أيضًا أن يصير لي مثل هؤلاء الأبناء، أن ألعب معهم وأن أداعبهم، كنت أود أن أصبح أمًا مثالية حنونة، أما الآن فأنا أتجرد من الأمومة والأنوثة تدريجيًا، وكل من ينظر إلي ينظر من زاوية أني مجرد آلة للعمل فقط، ولست أنثى.. في السابق كنت أرفض الزواج وأحاول أن أجد الرجل المثالي كما يخيل إلي، أما اليوم فلا أحد ينظر إلي، ها أنا قد كبرت ونال مني التعب ما نال، ولم أحقق أي شيء، تعبث كثيرًا.
-سيدتي القطار يصل إلى الدار البيضاء علينا بالنزول وانتظار القادم، ربع ساعة تقريبًا..
الجاسوسة تقوم بإفشاء سر التجسس لصالح الألمان لحبيبها الذي أحبته بصدق بينما هو كان يحب تسلق المناصب في بلاده، يحكم عليها بالإعدام، خانتها الحياة وخانها الحب، كالتي تجلس إلى جواري تترقب وصول القطار، الشيء الوحيد الذي يفصل الجاسوسة بالتي تجلس إلى جانبي، أن الجاسوسة ولدت من لا شيء واستطاعت أن تصل الى كل شيء، عاشت الحب والأنوثة والسلطة والبذخ، بينما الثانية ولدت قهرًا وفرض عليها أن تعيش بقية حياتها كذلك، إنها صدف الحياة والقراءة.
يصل القطار البرتقالي، و يصعد الركاب يتهافتون على الكراسي والمقاعد، على المقصورات العلوية وغير ذلك، كنت أرقب الوضع عن كثب، نحن شعب جاهل يتسابق لسحق أخيه دون أن يتطلع يومًا ما إلى مساعدته، ثم صعدنا الدرج الذي قادنا إلى مقصورة في الأعلى حيث جلسنا وأنهيت أخيرًا إحدى أجمل الروايات وأفضلها على الإطلاق.. الجاسوسة ، ثم أدرت بصري نحوها أريد أن أكمل ما تبقى من حكايتها..
-عشت ظروفًا صعبة برفقة أبي وأمي، كنت دومًا لا أجد إلا فتاة الخبز وملابس ممزقة أذهب بها إلى المدرسة، ومع ذلك درست بجد حتى وصلت إلى هنا، إلى هذا المنصب، كل أموالي وما أملك سلمتها لأبي وإخوتي، نسيت أني أنثى، نسيت أن أتزين وأن أرتدي الملابس المبهرجة، نسيت كل شيء جميل في حتى ذبل وأصبح مجرد ذكرى، مجرد خريف نسيان.. عفوًا لم نتعرف على بعضنا البعض.
-لا يهم سيدتي الأسماء والمعلومات تحتل وتحرر كالأوطان، كأنثى تبحث عن شيء مستحيل يمضي بها العمر دون أن تدري لتجد نفسها فاقدة انوثتها..
-(ابتسمت) معك حق كل شيء يحتل ويحرر كل شيء يتغير، أنا أنثى للنسيان، امرأة للنسيان، لا كيان لي، أنا مجرد ذكرى عابرة لن يذكرها التاريخ.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى