ثقافة وفنون

إمبراطور البحار الصيني المنسي

عند ما سُئلت: من هو أعظم بحار في الدنيا مشرقها ومغربها؟ ربما يخطر ببالك عدد كبير من الأسماء مثل كولومبس وفاسكو دي جاما وماجلان. ولكن هل أدركت أنهم جميعا البحارة الغربيون؟ هل هذا يعني أنه لا يوجد أي بحار شرقي أُدرج اسمه في قائمة البحارة العظماء في تاريخ الملاحة العالمي؟ تاريخ الملاحة العالمي إنما هو التاريخ العالمي بعدم اقتصاره على التاريخ الملاحي الغربي أو أوروبي. لذلك، فمن التأكيد أنه يتمتع البحارة الشرقيون بمكانتهم في هذا التاريخ.

قد نسيتَ تشنغ خه البحار الصيني المسلم. كما كتب د. علي الهاجري في كتابه ((تشنغ خه— إمبراطور البحار الصيني)): ” حين يكون الحديث عن كبار البحارة والمستكشفين، فقد جرت العادة أن تطرح بعض الأسماء التي ما فتئ ذكرها يتكرر على مسامعنا أمثال: هنري الملاح وكريستوفر كولومبس وماجلان ودي جاما وغيرهم من الأعلام المبرزين في هذا الصدد، ولكن المؤرخين -مع بالغ الأسف- يظلمون أحد أكبر المستكشفين والبحارة بغض الطرف عن ذكره، وإيراد سيرته العاطرة، وإبراز علو كعبه في هذا المضمار الذي لا يداني إنجازه فيه أحد، حيث قضى قسطًا كبيرًا من حياته فوق أمواج البحار، تلقي به بين شواطئ العالم القديم التي خاض غمارها، وسبر أغوارها قبل تلك الأسماء المشار إليها آنفًا بما يربو على نصف قرن من ظهورها على سطح مياه المحيطات، وبدئها أولى خطوات رحلة الاكتشاف. إنه عملاق التاريخ الصيني، الأدميرال المسلم تشنغ خه…… “

إن تشنغ خه إنسان عادي ولكن قد سجل المآثر الفريدة في تاريخ الصين خاصة وفي تاريخ العالم عموما. كلّ واحد يرحب بالسلام ويكره الحروب وهذا يعتبر طبيعة الإنسان. فعظمة تشنغ خه تكمن وراء دعوته إلى التأمين والسلام الإقليمي والدولي وجهوده من أجل تحقيق هذه الدعوة. إن رحلات البحارة الغربيين كلها تحت الأطماع التوسعية وكانت تعد استهلال الاستعمار للقوى الأوروبية الكبرى. اكتشف كولمبس قارة أمريكا العالم الجديد وفي الوقت نفسه أتى إلى السكان الأصليين بالاستعمار والشقاء. حيث فتح صفحة الذبح والسلب ودمّر المستعمرون فيما بعد الأثار على أرض أمريكا والمصادر والأراشيف القيمة مما أدّى إلى اندثار حضارة الهنود الأمريكيين القديمة. وكذلك دي جاما وماجلان وغيرهما من البحارة الغربيين الآخرين، كانت السفن العديدة العائدة من الشرق تدل على الثراء الهائل المكمون في أراضي الشرق وهي حملت الذهب والفضة والبخور وغير ذلك من الكنوز والجواهر النادرة. الأمر الذي أثار طموحات الدول الغربية على نهب الثروة والاستيلاء عليها كما ألقى سكان المشرق إلى هاوية العذاب والشقاء.

ولكن مما يختلف عن رحلات البحارة الغربيين، كانت رحلات تشنغ خه تسعى إلى السلام المشترك. الأهم هو كان يتمتع بالأسطول الأكبر حجما والسفن الأكثر عددا والجيش الأكثر قوة بالمقارنة مع هؤلاء البحارة الأوربيين، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن تشنغ خه محب السلام. ” كان تشنغ خه يعمل على التقارب بين الشعوب من خلال حل الخلافات، وتخفيف التناقضات بين شعوب مختلف الدول، وتهدئة النزاعات، وإزالة سوء الفهم، وكان ومرافقوه يعملون بهدوء وانضباط، لا يضمرون الأحقاد، ولا يهددون حياة الآخرين، ورغم ما كانوا عليه من قوة إلا أنهم لم يفكروا في القيام بحرب على الشعوب أو إقامة قلاع وحصون عسكرية لهم في أي أرض من أراضي تلك الشعوب.”

القوي لا يضطهد الضعيف، إن ذلك إلى حد ما أصعب بكثير من سعي نفسه وراء النمو والتقدم. كانت رحلات تشنغ خه نتيجة عن الاحترام الحقيقي والأخلاق السامية يترسخ في شخصية نفسه، هذا على وجه الخصوص. وعلى وجه العموم، قد أثرت قيم الحضارة الصينية تأثيرا عميقا في ملامح الدولة على المسرح الدولي. فكرة تأييد القوة ستؤدي إلى شجاعة أبناء الشعب وفي آن واحد قد تؤدي إلى الوحشية والقسوة الشديدة في تعامل الدولة مع الأخرى. وفكرة الهيبة والتراجع ستؤدي إلى الأنظمة السليمة وفي آن واحد قد تؤدي إلى الإصابة بالعدوان. أما الصين فكانت قيمها وفكرتها الرئيسية تلتزم بالاعتدال، لن تعتدي على الآخرين ولكن ترد أي هجوم من أي طرف بلا تردد. إن عالم الانسجام الأعظم هو ما جرتْ وراءه الصين القديمة وأعتقد رحلات تشنغ خه انعكست عملية التحقيق لهذا المثل الأعلى.

المصادر: تشنغ خه—إمبراطور البحار الصيني للكاتب د. علي الهاجري

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق