مدونات

إليك جدتي

إليك جدتي

تقترب ذكرى رحيلك، ما هي إلا أيام قلائل تفصلنا عن ذكراك الأولى، عام قد أوشك على الانتهاء وأنت مفارقةً لنا، تلك الذكرى المؤلمة القاتلة لكل معاني البهجة والفرح، فبرحيلك نسيت معاني السعادة أنا كالظمآن تقطعت به السب فلا يرى إلا سراب؛ رحيلك سكين غرز في أعماق صدري فلا جرح يلتئم ولا نزيف يهدأ .

ما أصعب هذا الوقع على نفسي حين تنكب على عقبيها!

هائم على وجهي دون قبلة فلا أعلم قبلة للحب والعطاء غيرك، تلك الطامة التي وقعت على مسامعي ليخبرني المنادي برحيلك ع،ندها توقف الكون لدي فلا عقارب للساعة تتحرك ولا أعلم بثواني ولا ساعات ولا أيام فأنا خارج دائرة الزمن.

أعيش على ذكريات جف منبعها وانقطع مدادها، أبكي كلما تذكرت حديثي معها فلو علمت الغيب لاستكثرت بجلوسي معها ولنهلت من فيض حديثها الجميل تلك الكلمات النابعة من زهرة ملئت حياتي بعطر الأمل والحب. كانت جدتي تحسن الاستماع وتحسن الحديث رغم أنها لم تذهب إلى مدارس إلا لكتاب قريتها، تعلمت فيه النذر اليسير من العلم والقرآن الكريم، لكن قسوة الحياة علمتها دروسًا تعادل شهادة الجامعة فكانت تملك من البصيرة وحسن العمل. تفعل الخيرات وتساعد المحتاجين وعلى الرغم من تجاوزها لسن الآمنين، إلا أنها كانت تذهب لتغسل الموتى دون أجر تتحمل، المشقة لتفعل الخير كانت معطاءة فمنبتها منبت جود وكرم إذا جلست في مقعدها فلن تذهب قبل أن تطعمك بالحلوى والفاكهة؛ لم ترد سائل ولم تترك محتاج.
بالأمس بادلتني القبلات، لم أكن أعلم أنها قبلاتها الأخيرة، قبلات تشعر بأنها قبلات النهاية تلك القبلات التي تنسيك هموم الحياة وتزيل عنك الهم والحزن قبلات خالية من النفاق والرياء بعيدة عن خبث الحياة والواقع الزائف الممتلئ به حياتنا. ثم تهديك دعوات يطرب قلبك لسماعها فتسير وكأنك ملكت الدنيا بحذافيرها ولما لا فدعوات الصالحين يقبلها الله وأنا أحسبها على ذلك ولا نزكي على الله أحدًا.

كانت تستيقظ ليلًا لتقيم الصلوات حتى يحين موعد صلاة الفجر فتصلي وتجلس بعد الصلاة تذكر الله وتدعو لكل متوفي لها، تدعو لوالديها وأخيها وزوجها ولكل عزيز فارقها تظل على حالها هذا حتى يطلع الصبح، تنبض بالوفاء تدعو لهم ليل نهار تطلب لهم العفو والمغفرة من الرحمن وترجو أن يرزقهم الجنان أي وفاء هذا!

رحيلك كان مفاجئًا فلم تمرضي إلا يومين وبعدها فارقتي الحياة لم يكن بك مرض سوا أمراض الشيخوخة ولكن قدر الله نافذ لا محالة، يطيب لي ذكرك فلا أنسى معروفك ولا أنسى خيرك فأنا تربيت في كنفك وتعلمت منك الرضا بقضاء الله وقدره فقد كنتِ صابرةً شاكرةً على كل شيء أكان خيرًا أم شرًا، طيب الله ثراكِ ورزقك الجنة جدتي.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق