مدونات

إلى اين يتجه العالم؟ هل يسقط في العدم؟

من علامات انهيار المجتمع وانحطاطه، انتشار الثقافة العدمية واللا إنجابية (مع التمييز بين الشخص غير المنجب والشخص الذي يعتنق الأيديولوجيا اللا إنجابية ويدعو إليها)، والتطرف في الأيديولوجيا (أي انغلاق الفكر على نفسه) وتوجيه السخط نحو الفئات الاجتماعية الأكثر ضعفا وعجزا.

يمكن رؤية سمة التطرف الأيديولوجي في ظاهرة انعدام الحوار، في الجدال العقيم يحاول كل طرف أن يظهر خطأ الطرف الآخر، بدلا من إظهار وتدعيم صحة وجهة نظره هو. بالتالي لن يكون الجدال مثمرا، بل على العكس من ذلك.

يقول الأديب الأيرلندي الساخر جورج برنارد شو أنه “لو كان لدى كل منا فكرة وتبادلناها، سوف يصبح لدى كل منا فكرتين”. أنت لن تحصل على فكرة من خلال الكلام أو الصراخ أو الإملاء، بل إنك سوف تحصل عليها من خلال القراءة والإصغاء ومحاولة الفهم، وهذا يحتاج إلى التحلي بالانفتاح والمرونة.

أما الثقافة العدمية فهي تتمحور حول فكرة واحدة: لا شيء يمكنك تغييره! وهي فكرة صحيحة فقط إن أقنعت نفسك بها. فلو اكتفى العالم بالوقوف والمشاهدة، وأقدم شخص واحد فقط على المبادرة، فإن هذا الشخص سوف يغير العالم. لذلك فإن الشخص المتشائم لا يمكنه فعل أي شيء، إذ إنه شخص اختار أن يكون عاجزا واكتفى. أما من لديه إرادة التغيير فإنه ملزم بالتفاؤل الواقعي. وكما عبر الشاعر الألماني فريدريك هولدلين ذات مرة: “حيثما نعتقد بوجود المخاطر فهناك يوجد كذلك ما ينقذ ويخلص”.

إن كل المؤشرات تبين أننا نسير إلى الهاوية، و”العالم مصمم نحو السقوط في العدم” على حد تعبير نعوم تشومسكي في مقابلة حديثة، فالواقع اليوم محكوم بمبدأين: مبدأ الربح، ومبدأ التقنية. والتطبيقات العملية لهذين المبدأين هي التنافس الهمجي والحساب، المادية والاختزال. كان الأول نتاج الاقتصاد الرأسمالي للسوق الحرة، والآخر هو نتاج تطبيقات ومنهجية العلم الحديث. وفي ظل هذه المفاعيل فإنه لا مكان للجانب الإنساني من الإنسان الذي تم تشييؤه بشكل ممنهج. إذن ما الذي يمكن التعويل عليه؟

في الواقع، هنالك سببان وجيهان بإمكانهما جعلنا غير فاقدين للأمل:

1- أنه حين يصل نظام ما (أي نظام) إلى استنفاذ كامل إمكانياته، فإنه إما ينهار أو يتحول. وهذا التحول يتخذ صيغة غير متوقعة تلائم بداية جديدة. وقد عبّر الكاتب الأمريكي جاك لندن عن هذه الفكرة بشكل رائع في روايته “مكتب الاغتيالات، محدودة المسؤوليات”

2- أن التاريخ البشري يحتمل عنصرين، هما المحتمل واللا محتمل (اللا يقيني، بعيد الاحتمال)، وقد كان لعنصر اللا محتمل دور كبير وثوري في مسار الأحداث التاريخية. منها هزيمة نابليون بونابرت في معركة واترلو، وهزيمة النازية، ومجيء غورباتشوف إلى السلطة في الاتحاد السوفياتي…
قد نكون مخطئين، وقد يسقط العالم، كما هو مصمم، نحو العدم. لكن هذا لا ينبغي له أن يجعلنا يائسين، محبطين، عدميين وعالة…

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى