ثقافة و فنون
أحدث المقالات

إلتباس التصور واحتباس التطور في مقررات الفلسفة بالمغرب

لقد شهد المغرب حركة إصلاحية جديدة شاملة للمنظومة الوطنية للتربية والتكوين وذلك نتيجة إنفتاحها على مستجدات البحث التربوي في البلدان المتقدمة، خاصة فيما يتعلق بنظريات وإستراتيجيات التعلم.

وبحكم إنتمائي لهذه المنظومة التعليمية ولمادة الفلسفة على الخصوص، فإن التساؤل عن الوضع الذي يجب أن تكون عليه هذه المادة التعليمية في ظل الإصلاحات العديدة التي أثبتت فشلها على عدة مستويات يصبح مشروعا، ونحن نعلم الدور الريادي الذي تلعبه الفلسفة في ترسيخ مجموعة من القيم وكذا تزويد المتعلم بمعارف تمكنه من الإندماج في حياته المجتمعية. ومن هذا المنطلق يمكن ان نتساءل: هل المقررات والبرامج الخاصة بمادة الفلسفة تسهم بشكل أساسي في إقدار المتعلمين على فهم واستيعاب المتون الفلسفية الأصيلة أم أنها قد أفرغت مضامينها وقزمت من من دورها الرائد الذي كانت تلعبه؟

إن أول ملاحظة يمكن تسجيلها بخصوص هذه المقررات هي أنها لاتخدم جودة التعليم نظرا لمحدودية تصورها الذي يختزل الفلسفة في مجموعة من العمليات البافلوفية من قبيل صل بسهم أو املأ الجدول و اختر الجواب الصحيح…. مما يعيق تحرر المتعلم من السذاجة الفكرية والعاطفية والمعرفة السطحية. كما أن الترجمة غير الناضجة والاستيراد غير الملتزم وغير الهادف والتبعية العمياء قد أدت إلى إلتباس في الرؤية التي يجب أن ترتكز عليها مقرراتنا وذلك في إنسجام مع واقعنا المعيش. لقد أقدم مؤلفو هذه البرامج على خيانة سيئة للنصوص الفلسفية الأصيلة والوقوع في المحظور وذلك من خلال ترجمة – على سبيل المثال – مفهومي Sentiment و Conscience بالشعور في نص جون لوك (مقرر في رحاب الفلسفة، السنة الثانية من سلك الباكالوريا،ص 15) ونحن نعلم الفرق الشاسع بين المفهومين, نفس الشيء في مقرر الفلسفة الخاص بالسنة الثانية باكالوريا و الموسوم بالمنار في الصفحة 13، ترجم مؤلفوه مفهومي Sentiment و Conscience بالوعي.

إن هذا التخبط في الترجمة ليربك المتلقي ويجعله بعيدا عن المعنى الذي يرومه النص الأصلي حتى وإن قبلنا بأن الترجمة خيانة للمعنى الأصلي فإن الخيانات المتلاحقة ستؤدي لا محاله إلى أفول المعنى وضياعه. فالمترجم يجب أن ينقل المعاني بأمانة ويسمح للنص بأن يبقى ويدوم، وهذا مانلمسه في أغلب النصوص المترجمة المدرجة في هذه المقررات، فهي تتسم بعبق العبارة وخسوف الإشارة كما يمكن أن نلاحظ كذلك الاستيراد الجاهز لبعض المفاهيم والنصوص من المقررات الفرنسية الخاصة بمادة الفلسفة مثل الرغبة والغير والتاريخ، مما يجعلنا على يقين بأن واضعي هذه المقررات قد اختاروا الطريق السهل للنهوض بالفلسفة في المغرب وذلك من خلال النسخ الحرفي والتبعية العمياء لبرامج الآخر غير آبهين بالاختلافات الموجودة بيننا وبين هذا الآخر، وهذا يوضح نظرتهم الحسيرة وعدم قدرتهم على تطوير وتجديد البرامج بشكل يسهم في الإرتقاء بالفلسفة ويعيد لها الإعتبار بعدما عشنا في ظل حكومات تكره الفلسفة وتمقت المشتغلين بها.

لذلك نعتقد بأن هذه المقررات والبرامج قد أفرغت الفلسفة من محتواها وقزمت من دورها وعكست التحول المعاق الذي تعيشه منظومتنا التعليمية، وبالتالي يجب القيام بمراجعة شاملة وتطوير عميق للبرامج السابقة، واستثمار خلاصات التجربة الصفية والممارسة الميدانية ضمانا لحقوق المتمدرسين في تعليم فلسفي ذي جودة عالية.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عزيز غنيم

كاتب مغربي وأستاذ للفلسفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق