سياسة و تاريخ

الفساد.. من ثقافة إلى مرض ينخر جسد المجتمعات!

الفساد آفة وثقافة، شذوذ وانحراف، جريمة وإشكالية تنموية، فهو يعيق ويهدد الأمن ويزعزع الاستقرار، ويضيع الحقوق، وينزع الثقة، ويفقد المصداقية، يمس في عمق علاقة الدولة بالمواطنين، ويحول دون تدفق الرساميل وإعادة التوطين، ويحد من طموحات الملايين من الفقراء والمحتاجين، لكن يمكن في يسر وسهولة دون مجهود أو عمل من الثراء الفاحش المفاجئ والغير المبرر للعديد من الموظفين والمسؤولين الفاسدين من ذوي السلطة النافدة، والمهام السامية والمرتبات العالية..

رشوة واختلاس، غدر وتدليس، حياد عن الحق ونهب للمال العام، أشياء وأصولا وحقوقا وقيما، دون استحياء أو أدني احترام، في غياب تام لآليات حقيقية وفاعلة للرقابة والمساءلة والمحاسبة والعقاب.

إن استفحال ظاهرة الفساد أصبح يوحي ويروم بالاعتقاد في إطار المصطلحات الاجتماعية والسياسية إلى ما يعرف باغتنام الدولة أو أسرها، وهو ما يحتمل بأن يراد لهذه الدول السير في مصاف الدول الفاشلة، أو إبقائها على مستوى الدول الرخوة، وذلك من قبل أقليات فاسدة تحتكر السلطة والثروة ومصادر القوة، تتمركز مصالحها في تعطيل تداول السلطة وخنق الحريات واحتجاز الحقوق الأساسية للمواطن بشكل غليظ يختلف ليس على مستوى النوع، وإنما على مستوى الدرجة، مما أصبح يعيق ديمقراطية وعقلنة إصلاح إي نظام سياسي.

يضاف إلى هذا كله تخوف كثير من الدول أن يساهم انتشار الفساد بجميع أشكاله في تمويل الإرهاب وتيسيره ومساهمته في غسل الأموال.

يعد الفساد من المشكلات المعقدة والبنيوية التي تنخر جسد المجتمع، فهو قضية لا يمكن أن تقتصر آثارها على قطاع دون غيره، ولا على مؤسسة دون غيرها، تفشيه مقترن بالإدارة السياسية للدولة ومؤسسات القرار فيها، ولا يمكن بأي حال أن يكون مجرد فلتة أو أخطاء من هذا الطرف أو ذاك.

سرطان خبيث ومرض عضال لا يصيب أرضا إلا ويعرقل عجلة التطور والتقدم بها ويوقفها عن الدوران، وينشر بها كل أشكال الاختلال وأنماط الانحراف، يحولها إلى ساحة للتسيب والفوضى والارتجال والعشوائية في تدبير الشؤون العامة، يلحق بها أضرارا لا حدود لها بمعظم أفراد المجتمع، في حين تستفيد مجموعة قليلة من الوضع المختل، تستغل الواقع الفاسد لصاحبها، وتستحوذ على خيرات البلاد، وتضع حواجز وموانع أمام كل من يرغب الحصول على الخدمات البسيطة التي يضمنها القانون، حيث يصبح مجبرا على البحث عن السبل التي تمكنه من الحصول على حق من حقوقه المشروعة.

لهذا يعد ظاهرة عالمية تتعدد مظاهرها واتجاهات تفسيرها وتنوع أسباب تفشيها وممارستها، هذا ليس فحسب على مستوى المجالات الاقتصادية والإدارية والاجتماعية والسياسية، بل تتنوع أشكاله وصوره على مستوى الميدان الواحد، ظاهرة تتفاعل وتتطور جدليا مع كل مناحي الحياة لمجتمع ما خلال حقبة تاريخية معينة.

هناك العديد من المرجعيات التي تطرقت إلى تفسير هذا المفهوم باعتباره آفة لها جذور وانحدارات تنامت مع مستويات عدة.

حددته منظمة الشفافية الدولية كحركة عالمية لمحاربته، بأنه كل عمل يتضمن سوء استخدام المنصب العام لتحقيق مصلحة خاصة ذاتية لنفسه أو جماعية.

أما البنك الدولي فقد جاء في تقريره لسنة 1997 بأن الفساد هو استغلال السلطة العامة من أجل الحصول على مكاسب خاصة، أو لتمكين مجموعة معينة من للاستفادة  من مزايا ومستحقات ذاتية.

حددت الاتفاقية الأمريكية لسنة 1996 الفساد في أنه أداة تستخدم من قبل الجريمة المنظمة لإنجاز مقاصدها، وبالأخص الأفعال التي اعتبرتها فسادا حسب أحكام المادة السادسة بالتماس أو قبوله بشكل مباشر أو غير مباشر، من قبل مسؤول حكومي أو من أي شخص يؤدي وظائف عمومية، أي شيء ذي قيمة نقدية أو غير ذلك من المنافع، مثل هبة أو خدمة أو وعد، في مقابل أي فعل أو إغفال في أداء مهامه العمومية.

كما لم يخفى على الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد التي تم إقرارها في عام 2010 من تحديد ممارساته ومجالاته من أجل مكافحة أخطاره وتناميه السرطاني داخل المجتمع.

يمكن القول أن الفساد بمعناه الواسع إشكالية تنموية ذات أبعاد متعددة تنتج غالبا عن الإساءة في استخدام السلطة من أجل تحقيق الفائدة الشخصية، التي تساهم في إفراز مجموعة من الجرائم والسلوكيات مثل الرشوة الاختلاس، استغلال النفوذ المحسوبية.. وغيرها من المعضلات الكبيرة التي تعاني منها المجتمعات، ومن أهم الأسباب التي تؤدي إلى تفشي هذا المرض الخبيث الذي ينخر جسد المجتمعات ضعف المساءلة، وضعف أجهزة التفتيش والمراقبة، واتساع دائرة الشطط في استعمال السلطة.

المراجع المعتمدة:

رضوان زهرو: الفساد الكبير، مجلة مسالك، تحت عنوان: من يحكم المغرب؟ الدستور وحقيقة التغيير، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، عدد مزدوج 19-20/2012.

عبد الرحمان عبد الله الحارثي: الفساد الإداري وانعكاساته على التنمية، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراة في القانون العام، جامعة عبد المالك السعدي – طنجة، السنة الجامعية 2011-2012.

محمد عبد الفضيل: مفهوم الفساد ومعاييره، بحث ضمن الفساد والحكم الصالح في البلاد العربية، بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع المعهد السويدي بالإسكندرية، طبعة الأولى ديسمبر 2004.

زينب العدوي: الاقتصادي المهني والجرائم المالية ودورها في إعاقة التنمية: أوجه الوقاية والمكافحة، سلسلة ندوات محكمة الاستئناف الرباط، مطبعة الأمنية، الرباط، 2012.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

منى دلوح

منى دلوح طالبة باحثة في سلك الدكتوراه في القانون العام بجامعة عبد المالك السعد -طنجة ، حاصلة على دبلوم الماستر في حقوق الانسان، موازاة مع مساري الدراسي فأنا ناشطة في العديد من الجمعيات منها مركز ليكسوس للدراسات القانونية والسوسيولوجيا، متطوعة بشبكة حقوق الانسان بمعهد بروميثيوس للديقراطية وحقوق الانسان، رائدة بالفضاء المدني... كذلك مشاركة في برامج تدريبية وتكوينية سواء على المستوى الوطني وكذا الدولي من بينها أكاديمية المجتمع المدني، منتدى شباب العالم في مصر، سفراء نوابك...
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق