مدونات

إشكالية الحالة الحضارية المصرية

فيما يتعلق بأزمة الحضارة المصرية.. هناك هذا الرأي الذي يخبرنا، بأن الماضي الريفي قد خلف العديد من المشكلات الإنسانية  للحاضر المصري، عبر تأثيرات سلبية هائلة على الإنسان وذهنيته، أبسط تلك التأثيرات جانب الخضوع لأي سلطة أقوى وما يتبع هذا من خوف وإستكانة واستهانة، وافتقار إلى الجسارة في كل شئ، والإهتمام بالذات والفرد أكثر فأكثر عن الاهتمام بالكل والجماعة، مما أدى إلى عدم التعود على التحرك في تكوينات جمعية ذات قوة ومقدرة.

فكم كانت ولازالت للطبائع المصرية على مر العصور مفارقات مميزة، أعجب وأغرب تلك الطبائع ما شكل فنا مريضا للحياة، وأعظم وأكبر من تلك الطبائع ما شكل رغوبا في التكيف مع العلل والمهلكات. وسواء كان هذا الحكم في محله أو لا، لن يجعلنا تحليله في معرض إنكار واقعيته وواقعية آثاره ونتائجها، بل إن بروز واقعيته بهذه الكيفية المخيفة تصدق على مجريات هذا الحكم ولا تقبل الطعن فيه،  ولن تتضمن محاولتنا للكشف التصريحي هذا، تحايلا على الشخصية المصرية الحضارية المنطقية الغير ظاهرة، بالشخص المصري الغير حضاري الغير منطقي وأن كان قد فرض ظهوره.

إن الضوابط الحضارية تحكمها تلك التوابع المعيارية، وليس العكس فيما يتناسب مع كل قاعدة تؤسسها الضوابط وتحكم على نتائجها، ومغايرة طبائع الأمور ليس لشئ سوى  إعلاء لمبدأ المصلحة أولا، فنجد أن الحضارة الأمريكية مثالا تبنيها علاقاتها التجارية و تنشأ معها قوتها الإقتصادية المتمثلة في حجم إنتاجها وقوة عملتها.

بيد أن الاتجاهات الرأسمالية والإشتراكية ماهي إلا خرائط تحت نسق عام أسماه الطموح الغربي ليبرالية أو علمانية، شيوعية أو إشتراكية ، أو حتى حداثية، لكنها ولازالت مسميات تحمل المشروع والهدف، ومهما إختلفت أو كثرت الإصطلاحات المعبرة عن فكر الإنسان الغربي  وطموحه، يبقى مبدأ المنفعة هو الأساس لكل كيان متفرع عنه سواء سياسي أو إقتصادي أو حتى عدائي وتنافسي.. إلخ.

بينما يضع النشاط الواعي لتلك الحضارات الغربية مجتمعة شتى قدرات عناصره  تحت مجهر الإهتمام، و تشكل مقتضيات الحياة لديهم شرط المصلحة الكلية، وهو جانب من السعي نحو تحقيق غايات تسمو فوق القلة القليلة من ما يسعون للحئول دون تلك الحياة ويعملون ضد تلك الدفعة الحضارية. ولن نصيب إن وضعنا الحالة الحضارية في الشخصية المصرية بمقارنة جزافية مع أي كيان حضاري غربي قائم بقواه، ولكن بالإسهاب وليس المبالغة في وصف مايجب أن يكون ومالايجب أن يتم قبل أن يكون، قد نسهم في طرح معالجة وإن كانت ذات طابع تفكري وفقط فيما يخص الأزمة الحضارية المصرية.

أولا وأخيرا يجب البناء على ما يمكن القول أنه “شخصية مصرية ذات حالة حضارية”، فهي شخصية  ليست بوجه حضاري مؤثر بقوة، ولا هي بكيان خال من الحياة ، ولا يسقط عنها تأكيدها لذاتها الحيوية لمجرد أن فوضوية تفاعلاتها تمنعها من تحقيق الكثير من الغايات.

ثانيا.. وأبدا ضرورة تكوين التصور الأخلاقي المتصل بالهالة الحضارية المرجوة،  وتأصيل هذا التكوين في حس وشعور الفرد الذي لم تعد تكفيه شعارات الفداء والدفع بالغالي والرخيص من أجل الوطن والمواطنة والقومية والتبعية، إلخ.

ويتنمط تحت هذا التصور ملاحظات جوهرية  تبدأ من إحساس الفرد بذاته أولا، خلال مغزى ما يتعرض له و مآل ما يسهم به، ثم إحساسه بمحيطه ثانيا،  عبر شعوره بما يتحقق من عدل ونظام وقانون وتوازن و تكامل وتناغم وتفاعل مشترك. وفي هذا شأن متصل  بوجوب طرح السؤال المحير  على الدوام، هل تستقل الأخلاق عن نوع رؤيتنا الحضارية؟

 والإجابة تحدد نوع المسلك الحضاري الذي سوف نسايره أو ننتجه، فمن السذاجة أن نرتبك حين لن نجد لأنفسنا سوى المسلك القائم على المصلحة والغاية ومعه سيكون المبدأ الأخلاقي معياري تحكمه النتائج،  ومن الفطن بذوات الأصول أن ننتهج مبدأ الأخلاق الحكيم في جوهر وخلاصة التفاعل، وسوف يكون هذا الطرح أسمى وجه حضاري ممكن إن كان النهج الممكن هذا، غير ملبد بموانع، كما في حالة القيام الحضاري الإسلامي الأول وعصور النهضة الإسلامية.

ثالثا.. وعلى الدوام لن يكون الوجه الحضاري أهميته المؤثرة عبر قواه المختلفة المتطورة،  إن لم يكن له في نفوس صناعه نفس ذات القوة وغير ذلك بالتأكيد ستكون صورة تلك القوة مزيفة، فلغة الحضارة المحدثة عن نفسها تتحدث بالتطور وتتمسك بـ منطلقات حداثية تحقق الرضى، ولا يؤثر سلبا أو إيجابا في النفس البشرية سوى الشعور المادي بالرضى من ثم تتشكل المطالب المعنوية للطموح.

رابعا.. وعلى وجه ذات أهمية وإلحاحا يجب أن يكون التراث من بين دعائم البناء الحضاري المتشكل، بعد مراجعته مراجعة متأنية تزيل عنه شوائب الأزمات التي تلاحقت عليه، فالأمم الحضارية والتي لها وجه حضاري بارزالآن  لم تنكر أو تتنصل عن تراثها، فالتاريخ كله ما هو إلا حركة لأفكار الأمم والكيانات والمجتمعات السابقة منهم واللاحقة، فلولا أفكار اليونان القديمة ماكانت روما الحضارية وما كانت أوربا الحديثة التي نراها.

خامسا.. وانطلاقا من عنصر متفائل يخبرنا بمقدرتنا على تجاوز مرحلة التحضير ذات المخاض الأصعب إلى مرحلة الإنطلاق ذات الحاجة الضرورية للثقة ، ذلك العنصر الذي أسميه ” انطلاقة مختلفة ” ، يجب أن تكون ملامحه ذات إنبعاث ثوري جديد، عصيان على كل شيئ مألوف ومتكرر سبب إلهائنا عن مهمتنا الجديدة مرارا، كتلك الصراعات التي غرقنا نحن فيها مابين قوى و أيدلوجيات مختلفة و متردية بأفكار متردية ، عن السلطة والدين والسياسة والحكم والعيش وإلى مآل ذلك.

سادسا.. ليست دعوة العصيان الفكرية الكبرى التي أزعم بها سببا مهما للبناء الحضاري، دعوة لرفض الكيانات الموجودة سواء من كان منها بغطاء ديني أو عسكرى أو شعبي، وليست دعوى لفرض كيانات جديدة ومتعددة قد تسلك نفس المسلك القديمة، بصراعات وفتن جديدة. وإنما الدعوة دعوة للوقوف على الماضي التي تعددت كياناته، وفرض فرص تلاقي تلك الكيانات في رؤية رحبة تفصل أوجه الإختلاف، وتوجه هذا الإختلاف في مصبة الصحيح، وتوحد أوجه الاتفاق لتشكل قوة وفرصة للوفاق من ثم البادئة.

بهذا التفصيل الموجز تتشكل لنا نقاط أو عناصر لخطة البدء في تحويل الحالة الحضارية المصرية من رؤى فوضوية إلى رؤية موحدة وسليمة، وأذكرها مرة أخرى  بمراحل متتابعة.

1: الشخصية الحضارية المصرية قائمة.

2: ضرورة تكوين تصور أخلاقي لها.

3: التطور لغة الحضارة وضماناتها الوحيدة.

4: التراث فرصة للبدء على أساس متين.

5: الإنطلاق المختلف وجه لمواجهة أسباب التراجع السابقة.

6: قبول الآخر وتوحيد الصف.

يمكننا أيضا تفنيد عشرات المراحل لكن ذلك قد يدخلنا في تفاصيل تضر بالإيجاز، ولقد حاولت جمع تلك التفاصيل تحت عناوين عريضة تفهم من بين سطور ما هو مذكور.

أولا : الإشارة إلى  الحالة التي تؤكد وجود الكيان المتمثل في دولة لها مؤسسات تعليمية وثقافية معنيه بالدعوة إلى المشروع الحضاري ، ومؤسسات ملزمة بالعمل من أجل تحقيق هذا، كالسلطة والأحزاب والوزارات وهيئات المجتمع المدني من جمعيات وحركات ومنظمات ووحدات العمل المحلي.

 

ثانيا : دعوة تكوين التصور الأخلاقي معنية بفرض تحسين السلوك والتعامل والفعل، أيضا تكوين صورة للوجه الأخلاقي من الظاهرة الحضارية التي نسعى لها، وهي التي تحدد سياساتنا الداخلية من التعليم والصحة وتداول السلطة.. إلخ، وكذلك ترسم سياساتنا الخارجية من علاقات اقتصادية وتجارية ودبلوماسية وإنسانية.

ثالثا : التطور معني بفرض قيمة للعمل والعمل من مطلق طلب الحداثة يفرض حالة الإستقرار التي يتبعها حالة التعطش لمذيد من التطور، والمستفيد من تلك الميزة كل المجتمع الإنتاجي من الصناعة  وإلى تحقيق الإكتفاء وحتى تصدير الفكرة المنتجه والقوة المنتجة المؤثرة، وهذا يبدلنا من مجتمع مستهلك لأفكار خارجية مغلفة على هيئة منتجات تحقق العائد للخارج إلى مجتمع منافس في الصناعة والفكر تحقق عائد مادي ومعنوي للذات.

رابعا: التراث في شعور كل فرد قيمة لها جانب إيماني ثابت وجانب اعتزاز وفخر يتباين من فرد لآخر، وذلك لأن أفكار الأقدمون لم تكن محض أفكار بل كانت تعبر عن حضارات قائمة بقوة، واستغلال تلك القوة يؤكد على إمتداد متماسك لتلك الأفكار القديمة من ناحية، وتشكيل للتراكم الفكري المنتج لحضارة ذات أمد زمني طويل من جهه أخرى.

خامسا وسادسا: وأربط ما بين المرحلتين لارتباطهما في التفصيل ما بين  فاعل ومحتوى فعل.

فالمستفيد كما ذكرت هو المجتمع ككل والفاعل هو المجتمع بأيدلوجياته وأفكاره وتصوراته المختلفة، بينما محتوى الفعل هو فرصة التشكل الحضاري، لايقوم مجتمع على أساس من التفرقة والصراع ما بين متناقضاته، لذلك الدعوة يجب أن تتحرر من المصالح الفردية الهشة وتتشدق بالقيمة الجمعية الأقوى ، وأساس تحقق ذلك لن يكون إلا بفجر ثورة فكرية جديدة تبدل من التصورات المحدودة إلى أفكار تدعم المستقبل وتسعى له.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

رامى الحلبى

فنان تشكيلى كاتب رأى وباحث فى التاريخ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى