مدونات

إسهامات العلماء المسلمين في الفكر التربوي الإسلامي

الفكر التربوي الإسلامي

إن التربية في العصور القديمة كتربية اليونان والرومان و مصر و بلاد الرافدين تميزت بروح التجديد والإبتكار والحرية الفردية، وكانت غاية التربية أن يصل الإنسان إلى الحياة السعيدة، ويكون ذلك بوصوله إلى الكمال الجسمي والعقلي وكان الإغريق هم أول من تناول التربية من زوايا فلسفية، وكانت التربية محور اهتمام فلاسفة أثينا حتى أن البعض يرى بأن الثقافة والأفكار اليونانية هي أساس معضم الثقافات التي ظهرت في أروبا وهم ينكرون ما قدمت الحضارات الأخرى.

أما التربية عند الرومان فكان للدين أثر كبير على عكس ما كانت عليه اليونان، كما أن التربية اليونانية تربية فنية علمية مثالية، في حين الرومانية كانت عملية مادية نفعية، وغايتها هي خلق الفرد المتمرس في الفنون العسكرية والمتدرب على الشؤون الحياتية العلمية.

تستهدف تحرير هذه الجوانب في الإنسان، كما يسمى إلى تحرير العقل من الوهم والضلال وتحرير النفس من الخوف والعبودية وتحرير الجسم من الخضوع للذات والشهوات، وتستند التربية الإسلامية إلى القرآن الكريم والسنة النبوية، واستنادها على هذين الأساسين( الأساس الإلهي، والأساس النبوي) جعلها تتسم بالتكامل والشمول في نظرتها للكون والمجتمع والإنسان، فالتربية الإسلامية تربية متوازنة تجمع بين الدنيا والآخرة.

واهتمام التربية الإسلامية المتوازن بالدنيا والآخرة تعكس على اهتمامها بتربية الإنسان، حيث اهتمت بجوانب الشخصية المختلفة اهتمامًا متوازنًا، فجمعت بين تأديب النفس وتصفية الروح وتثقيف العقل، وتقوية الجسم، ومن ثم اهتمت بتدريس جميع أنواع العلوم وهدفها في ذلك تعميق الإيمان بالله في نفوس المسلمين، من خلال فهمهم لقوانين الكون ونظامه المحكم الذي يدل على عظمة الله عزوجل وقدرته وسلطانه.

إن اهتمام بجوانب الإنسان العقلية والروحية والجسمية جعل منهج التربية الإسلامية منهج عبادة وفكر وعمل، فعندما نتأمل في طبيعة التربية الإسلامية نجد أن الدعوة للإيمان مقرونة بالدعوة إلى العلم، والدعوة إلى العبادة مقرونة بالدعوة إلى العمل، والدعوة إلى الغاية مقرونة بالدعوة إلى الوسيلة.

التربية في العهد الاسلامي: الإسلام في أساسه نظام متكامل يتناول الكائن البشري بجوانبه الفكرية والروحية والجسمية والسلوكية، ويستهدف تحرير هذه الجوانب في الإنسان.

إذن الفكر التربوي الإسلامي هو إعمال العقل وتزكية النفس من خلال إعمال نظام الأمر والنهي بالجانب الخلقي والخلقي في شقه الظاهر والباطن من خلال التدبر والنظر وتزكية النفس والتعلم والأمر والنهي.

اسهامات علماء المسلمين في الفكر التربوي.

ابن الحارث المحاسبي: الصوفي المربي

هو أبو عبد الله بن أسد المحاسبي، ولد بالبصرة سنة 170 هجرية، أحد الزهاد المتكلمين في العبادة والهدى والمواعظ، وقد لقب بالمحاسبي لكثرة محاسبته نفسه.

كان المناخ المحيط بنشأة المحاسبي، وخاصة في بغداد يموج بالمنزاعات الفكرية والمطرحات الكلامية، حيث كان المعتزلة يعيشون أزهى عصورهم.

تلاميذه:

بن مسروق- أحمد بن القاسم- الجنيد البغدادي- احمد بن الحسن الصوفي- اسماعيل بن اسحاق السراج.

مؤلفاته

ألف العديد من الكتب في الزهد وفي أصول الديانات، وفي الرد على المعتزلة والرافضة، قال جمع من الصوفية: إنها تبلغ مئتي مصنف، من أهمها:

-رسالة المسترشدين

-فهم القرآن ومعانيه

-التوبة

-بدء من أناب إلى الله

-شرح المعرفة وبذل النصيحة

-آداب النفوس

-الرعاية لحقوق الله -التوهم- مائية العقل وحقيقة معناه- المسائل في أعمال القلوب والجوارح- المسائل في الزهد- البعث والنشور، توفي ببغداد سنة 243 هجرية.

أساليبه التربوية:

التربية بالترغيب: حيث تقوم على مسلمة بشرية تذهب إلى أن الإنسان بطبيعته يقبل على بما يشبع احتياجاته، ويسبب لديه مشاعر السرور والبهجة واللذة، ومن هنا عرفت التربية الإسلامية ما يسمى التربية بالترغيب، أي ما يشعر به المتعلم من رغبات وميول في التعلم، وتعتمد هذه التربية على عدة سبل نذكر منها “التوبة، الصدق، التقوى، مصاحبة أهل الورع ” أما التربية بالترهيب فيقصد بها ما جبلت عليه النفس الانسانية من خوف ورهبة لتوجيه تلك الطاقة إلى الخوف من الوقوع في الرذيلة، وإلى رهبة من مخالطة رفقاء السوء، ومن سبل الترهيب ” التحذير من الارتماء في أحضان الدنيا لطلب التباهي والتفاخر على الغير من الناس، وكذلك الكبر والحسد والغش.

ابن القيم: العالم الرباني

كان له نصر عظيم في نصرة الدين وفي نشر سنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وهو الذي تكلم وناظر وألف في تبيانه للإسلام، حتى غدت مؤلفاته منابع خير يتلقى منها من بعده، كنيته عبد الله شمس الدين محمد بن أيوب بن سعد  بن مكي الزرعي الدمشقي المشتهر بابن قيم الجوزية رحمة الله عليه، ولد سنة 691 هجرية، وذكر بعضهم أن ولادته كانت بدمشق، وكان والده ناظرا ومشرفا على مدرسة الجوزية أنشأها وأوقفها، وكان المشرف يسمى قيما لذلك سمي والده بهذا الاسم.

فكره التربوي

فالإنسان في نظره له خواص تميزه عن جميع المخلوقات منها، أن أصله الأول من طين ونسله من ماء مهين، أنه خلق من قبضة قبضها الله من جميع الأرض فيها الطيب والخبيث والسهل والحزن، أنه كرم بالعقل و العلم والفهم والبيان والنطق وحسن الصورة واستقامة القد والفكر والتحلي بالأخلاق، أنه خص بخلق الحياء وتمييزه بالبيانين ( البيان النطقي- الخطي) قدرته على التعلم بما أعطاه الله من وسائل المعينة على ذلك.

تمييزه بالقوة والشهوة  والإرادة- أنه ينتقل في مراتب العمر، وأوامر الله سبحانه وتعالى لا تنفك عنه منذ أن كان جنينًا إلى أن يلقى الله عز وجل.

أما تمييز الانسان في شكله وصورته فقد أطال ابن القيم الحديث فيه ، ونادى بأخد العبرة من خلق هذا الإنسان العجيب.

الغاية من خلق الإنسان : أن الإنسان هو محور العملية التربوية، فالتربية السليمة هي التي تجعله يحقق الغاية من خلقه.

فضل العلم وأهله: أخبر الله سبحانه وتعالى، أنه خلق الخلق ووضع بيته الحرام والشهر والقلائد ليعلم عباده أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير ،كما أورد في حديثا قدسيا جاء فيه” يا بن ادم خلقتك لعبادتي، فلا تلعب”.

مما تقدم يتضح أن الغاية هي عبادة الله عز وجل،وتستلزم العبادة معرفة الله عز وجل بأسمائه وصفاته وأمره ونهيه

فالعبادة في نظر ابن القيم تتطلب أصلين: غاية الحب، بغاية الذل والخضوع والعرب تقول طريق معبد أي مذلل، والتعبد: التذلل والخضوع، فمن أحببته ولم تكن خاضعا له لم تكن عابدا له، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابد له حتى تكون محبا خاضعا.

فالعبودية لها مراتب ودرجات بعضها أعلى على بعض وهي موزعة على القلب واللسان والبدن.

ضبط الغرائز بالعقل والعلم: واجب التربية معرفة أحوال النفس البشرية وما جبلت عليه من غرائز،ومعرفة دور العقل والعلم في ضبط هذه الغرائز  و توجيهها، فابن القيم يرسم الصورة الحقيقية للإنسان على هيئته التي خلقه الله عليها، حيث يتجاذبه داعيان: داعي الشهوة والفتنة، وداعي العقل والعلم. فإنه سبحانه خلق فيه العقل والشهوة ونصبهما داعيين بمقتضياتهما ليتم مراده ليظهر لعباده عزته وحكمته وجبروته ورحمته.

القدرة على التعلم: يرى ابن القيم أن الله أعطى الإنسان القدرة على كسب العلم وهيأ له وسائل ذلك من السمع و البصر والفوائد، فواجب على الإنسان شكر الله تعالى بما أنعم من وسائل كسب العلم، وأيضا من الوسائل التي زود بها الإنسان ومنحه الله إياها فجعلته قابلا للتعلم،” الذهن وقدرته على التفكير، والبنان” الذي يستطيع به التحكم في آلة الكتابة والعلم، كما للعبد قوتين هما “قوة الإدراك والنظر” وما يتبعها من العلم والمعرفة والكلام، وقوة الإرادة والحب وما يتبعها من النية والعزم والعقل”.

شمس الدين

أسهم عبد الأمير شمس الدين في دراسته ما سماه بالفكر التربوي لدى عدد من العلماء المسلمين وسمي عمله الكبير” موسوعة التربية والتعليم” وقسم مواد هذه الموسوعة إلى مجموعات سمي كل مجموعة “قطاعا” وعلى هذا الأساس ميز بين قطاع الفقهاء ويمثلهم ابن سحنون والقابسي والزرجوني والغزالي وابن جماعة والعاملي، وقطاع الفلاسفة يمثلهم الكندي وابن سيناء وابن طفيل، وقطاع الكتاب والأدب يمثلهم الجاحظ وابن المقفع، وقطاع الصوفية يمثلهم الكلاباذي والسراج والطوسي وأبو نعيم الأصفهاني وأبو طالب المكي، وكل كتاب من هذه الكتب هو دراسة  تحليلية تفصيلية لنص الثرات التربوي ، وما تضمنه من أفكار ومبادئ في التربية والتعليم، ضمن خمسة عناصر وهي وظيفة التربية وأهدافها وهو ما كان يطلق عليه علماء الثرات فضل العلم وشرفه ووظيفته، والعلم وشروطه وآدابه، والمتعلم وشروطه وآدابه، وطرق التدريس وأساليبه وأخيرا تقسيم العلوم أو مواد المنهاج التعليمي.

الإمام الغزالي:

يعد الغزالي من أشهر المفكرين الذين عرفهم التاريخ الإسلامي وأبعدهم آثرًا نشط في المنطق والجدل والفقه والكلام والفلسفة والزهد والتصوف، وأستاذه الأول الإمام الجويني أخذ عنه المذاهب وطرق الجدل وهو يقول للغزالي ولا يزال صبيًا” دفنتني وأنا حي”. ولد بمدينة طوس في خرسان في إيران سنة 1058م.

ألف الإمام الغزالي الكثير من المؤلفات، في مختلف صنوف العلوم الشرعية، في الفقه وأصول الفقه، والعقيدة الإسلامية، والتصوف، والفلسفة، والرد على المخالفين، أوصلها بعض الباحثين لأكثر من 228 كتابًا ما بين مطبوع ومخطوط ومفقود.

من هذه الكتب: الاقتصاد في الاعتقاد، بغية المريد في مسائل التوحيد، إلجام العوام عن علم الكلام، المقصد الأسني شرح أسماء الله الحسنى، تهافت الفلاسفة، ميزان العمل، إحياء علوم الدين، بداية الهداية، أيها الولد، الأربعين في أصول الدين، كيمياء السعادة، (وقد كتبه بالفارسية وتُرجم إلى العربية)، منهاج العابدين، الوسيط، في فقه الإمام الشافعي، المستصفى في علم أصول الفقه، شفاء الغليل في القياس والتعليل، القسطاس المستقيم، لباب النظر، توفي سنة 1105م.

يرى الغزالي أن التربية في مفهومها هي أشبه بعمل البستاني الذي يتعهد نباتاته بالرعاية والعناية، فيخلصها من الأشواك والطفيليات التي تؤثر فيها، حيث يقول” ومعنى التربية يشبه فعل الفلاح الذي يقلع الشوك ويخرج النبتات الأجنبية من بين الزرع ليحسن نباته ويكمل ربيعه”.

وقد بين الغزالي في كتابه العظيمين”إحياء علوم الدين” و” يا أيها الولد” و بعض كتبه الأخرى أهم الأسس التي تقوم عليها التربية الإسلامية الصحيحة عند الحديث عن العلوم وفضله، فتناول أهمية التربية ووسائلها، وصفات المربي وآداب الطالب وغيرها من القضايا التربوية المهمة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

فاطمة الزهراء المجدوب

باحثة في الدراسات الاسلامية

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى