ثقافة و فنون

إسماعيل أدهم.. المُلحد الغامض

في يوم 23 يوليو 1940 أقدم شخص اسمه “إسماعيل أدهم” على الانتحار بالقفز في مياه البحر الأبيض المتوسط؛ شاطئ جليم. وبعد العثور على جثته وجدوا في أحد جيوبه رسالة بخط يده يقول فيها أنه هو الذي فعل ذلك بنفسه، ويوصي بعدم دفنه في مقابر المسلمين!

ربما لا يعني اسم “إسماعيل أدهم” في حد ذاته شيئًا للقارئ اليوم لو ذُكر مجردًا، ولكن ربما سيعني قليلًا للبعض لو قلنا أنه هو مؤلف كتيب “لماذا أنا ملحد؟” الذي كتبه ونشره عام 1937، وأحدث جدلًا واسعًا وكبيرًا في مصر وقتها، حتى أن حكومة النحاس باشا قررت تقديمه للنيابة العمومية لكنها تراجعت بسبب جنسيته التركية!

في الواقع لست مهتمًا بما جاء في ذلك الكتيب، فهناك من قاموا بالرد عليه وتفنيده، وإنما اهتمامي بشخص “إسماعيل أدهم” نفسه، والذي دارت حوله الكثير من المناقشات، منذ أن ظهر في الأوساط العلمية والفكرية في القاهرة في الثلاثينيات وحتى انتحاره في “عز شبابه”!

المعلومات المنتشرة عن الرجل تقول أنه عاد للقاهرة بعد حصوله على درجة الدكتوراة في الرياضة البحتة من إحدى جامعات روسيا، وأنه قام لسنوات بالتدريس في أحد معاهد تركيا قبل أن يعود للإسكندرية للاستشفاء وإدارة أملاكه التي ورثها عن والده. وأنه كان نشيطًا في الحياة الثقافية والفكرية في ذلك الزمن، وكانت مقالاته ودراساته تظهر بانتظام في الصحف والمجلات وقتها، وكان -باعتراف الجميع تقريبًا- ناقدًا أدبيًا مرموقًا، عارفًا ومتمكنًا من قواعد النقد، حتى كانت نهايته الغامضة.

وبالنسبة لكثيرين، على رأسهم شقيقه د. إبراهيم أدهم، أن وفاته ليست طبيعية، والدليل على ذلك أنها جاءت بعد أيام من نشره مقالًا علميًا عن “البنية الكهربية للذرة” في مجلة الرسالة الشهيرة، العدد 388، والذرة في ذلك الوقت كانت موضوعًا مثيرًا. وأيضًا اكتشاف ضياع أو اختفاء كثير من أوراقه وأبحاثه وكتبه الخاصة، ومن الجائز أن موضوع إلحاده السابق غطى على كل تلك الشكوك، فلم يجرِ تحقيق من أي جهة رسمية، خاصة وأن الرسالة التي وجدوها في ملابسه كانت واضحة ومحددة ودون أي اتهامات أو إشارات لأحد من بعيد أو قريب.

لكن من ناحية أخرى، قرأت مؤخرًا مقالًا للكاتب والناقد الكبير الراحل سيد خميس، في جريدة “الجيل” المصرية، نشر في 14 فبراير 1999، يعرض فيه لقصة د. إسماعيل أدهم، حيث يصفه بأنه واحد من “أدعياء الدكتوراة” المشهورين في الحياة الثقافية المصرية، ويقول أن الرجل كان ضحية للتناقضات الحادة التي جمعت بين والديه؛ الأب التركي والأم الألمانية، وهو ما أثر على دراسته فحصل على شهادة البكالوريا بصعوبة. وكان معروفًا عنه ضعفه الشديد في اللغة العربية. وفي يوم من الأيام، على عكس ما هو شائع، وضع نفسه في سفينة تجارية روسية، وهناك في موسكو عاش سنوات لا يُعرف عنها الكثير، وعاد يحمل الدكتوراة المزعومة.

في ذلك الوقت لم يكن أحد يستطيع أن يعرف على وجه اليقين حقيقة شهادات الدكتور ومؤهلاته، فروسيا كانت -بالنسبة للبعض- بلدًا غامضًا ومشبوهًا، فضلًا عن أنه لم يكن في مصر وقتها ولا في العالم العربي كله من يعرف اللغة العربية معرفة حقيقية، وكان إسماعيل أدهم في كل مقالاته وأبحاثه يحرص على ذكر مراجعه بها.

والغريب -كما يقول سيد خميس- أنه ومع ضعفه الشديد في اللغة العربية لم يكن يكتب تلك المقالات والأبحاث بنفسه، بل كان قد عقد اتفاقًا مع شاعرين سكندريين، هما خليل وصدّيق شيبوب، على صياغة أفكاره باللغة العربية، في مقابل أن “يقاتل في معاركهما الأدبية”. وقد ظل التحالف قائمًا لسنوات إلى أن حدث خلاف أدى لفراق. وبعده أدرك إسماعيل أدهم أنه أصبح في “العراء الثقافي” وأن شهرته، وبما سببته من خصومات مع كثيرين، أصبحت معرضة للفضيحة، ومن هنا كان قرار الانتحار.

الأمر الغريب -الذي صادفني كثيرًا خلال البحث عن حياة إسماعيل أدهم- أنه كان يعاني من الاكتئاب الشديد نتيجة لقرائته كتب الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور، المعروف بنظرته التشاؤمية، وأيضًا كتب سورين كيركجارد، أبو الفلسفة الوجودية، وأنها كانت سببًا في انتحاره!

برجاء تقييم المقال

الوسوم

طاهر عبد الرحمن

أقرأ التاريخ لأفهم المستقبل
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق