ثقافة وفنون

إسطنبول.. المدينة والرواية والجريمة!

لا أتبع نظاما أو جدولا محددا في قراءاتي بصفة عامة، فأنا أقرأ ما أجده أمامي، سواء بترشيحات من الأصدقاء المهتمين أو النقاد المتخصصين خصوصا في مجالي الأدب والفن.

بالطبع هناك كتّاب وأدباء أتابع كل جديد يصدر لهم سواء كانوا عربا أو أجانب، لكني في الأغلب الأعم أقرأ بـ «الصدفة» التي عن طريقها قرأت روايات  الكاتب السعودي «منذر قباني» والكاتب الإنجليزي «بول سوسمان» و مواطنته الكاتبة «هيلاري مانتل»، وهو ما حدث مؤخراً مع الكاتبة التركية «أسمهان أيكول» التي قرأت لها روايتيها: «جريمة في البسفور» و«جريمة في إسطنبول» التي صدرت طبعتهما العربية عن دار العربي للنشر والتوزيع في القاهرة عامي 2017 و2018 على التوالي بترجمة متمكنة من الأستاذة «هند عادل».

في العادة أقرأ الرواية من باب الفضول أو لمجرد التعرّف على الجديد، ثم يحدث أن أُعجب بها فأبحث على الفور عن الكتب السابقة (أو بالأصح التي فاتني قراءتها) للكاتب وأقرأها دفعة واحدة، وهو ما حدث مؤخرا مع الكاتبة التركية، التي وجدت روايتها «جريمة في البسفور» في إحدى قوائم الأكثر مبيعاً في الدورة الأخيرة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب وقرأتها، وبعد ذلك بحثت عن أعمالها الأخرى لأقرأها.

لم يكن الطابع البوليسي والتشويقي للروايتين هو ما شدني، فلست من محبي هذا النوع من الأدب بصفة عامة، وإن كنت لا أمانع من قراءته بين الوقت والآخر من باب التنويع والتجديد، لكن ما جعلني أشتري الروايتين (عن طريق جوجول بوكس) هو وجود كلمتي «البسفور» و«إسطنبول» على الغلاف، حيث كان توقعي أنهما روايتين أعمق وأشمل من مجرد روايات بوليسية معتادة، وبالفعل لم تُخيّب المؤلفة ظني، فبغض النظر عن الجريمتين التي تدور حولهما الأحداث، إلاّ أنهما يعتبران خلفية تتخفى ورائهما «أسمهان» لتقديم صورة حيّة لحياة مدينة كبيرة ومهمة في عالمنا.

في ظني إن مدينة مثل «إسطنبول»، بتاريخها الطويل وطبيعة جغرافيتها وموقعها، تعتبر مدينة «كوزمبولاتية» متعددة الثقافات، تشبه في كثير من أجوائها مدينة الأسكندرية في مصر، أو نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية، وغيرها من المدن التي تقع على نقاط تماس بين أكثر من ثقافة، بل إنها في كل الأحوال تعتبر «جسراً» مفتوحاً في الاتجاهين بين الحضارات المختلفة وصراعاتها، سواء كانت عسكرية كما حدث في الماضي، أو سياسية ودينية كما يحدث في زماننا.

سبب آخر شخصي دعاني لقراءة الروايتين، وإن كان يبدو هامشياً، أو بعيد  بعض الشيء عن عالم الرواية، وهو أن تلك المدينة كانت قبل وقت قليل مسرحاً لواحدة من أفظع وأبشع الجرائم في الفترة الأخيرة، ألا وهي جريمة قتل وتصفية الصحفي السعودي «جمال خاشقجي» في قنصلية بلاده هناك وإذابة جسده في الحمض(!) وهي جريمة استدعت بشكل من الأشكال بعض الاهتمام ناحية المدينة، التي كانت عاصمة لثلاث إمبراطوريات كبيرة في التاريخ، آخرها الإمبراطورية العثمانية حتى العشرينات من القرن العشرين، قبل أن يقرر «أبو الأتراك» مصطفى كمال اختيار أنقرة بديلاً لها.

على الرغم من الطابع شبه البوليسي، التشويقي، للروايتين إلاّ أن الأجواء والأحداث فيهما هادئة تماماً وهو أسلوب متعمّد ومقصود من الكاتبة حيث تقدم لنا مجتمع مدينتها وتجعلنا نعيش فيه معها، خاصة وأن الراوي سيدة ألمانية اختارت، بمحض إرادتها، العيش في المدينة لأكثر من عِقد ونصف، وهي وإن كانت تعتبر غريبة نوعاً ما عن المجتمع التركي، إلاّ أنها امتزجت فيه وتعايشت معه بعقلها وقلبها، وصحيح أنها تقوم بين الحين والآخر بعقد مقارنات نقدية (ساخرة معظم الوقت) بين المجتمع الذي جاءت منه، المجتمع الألماني، وبين الذي تعيش فيه، إلاّ أنها لا تُبدي، في أغلب الأحيان، رأياً سلبياً بل تُعبّر عن تفهمها واقتناعها، لأنه ليس من المنطقي أو المعقول إن كل شيء لابد وأن يُوافق هوانا و ثقافتنا، فالاختلاف طبيعة في البشر من الأزل إلى الأبد.

الشخصية الرئيسية في الروايتين هي «كاتي هيرشيل»، ألمانية متمردة قررت الانتقال للعيش في «إسطنبول» وافتتاح مكتبة لبيع روايات الجريمة، وهي مدينة وُلدت وعاشت فيها السنوات السبع الأولى من عمرها، حيث كانت الملاذ الذي هرب إليه والدها اليهودي من الاضطهاد النازي، وعلى العكس من أمها التي كرهت المدينة وأهلها، فإنها أحبّتها وعادت إليها بعد سنوات من التيه الفكري والثقافي عاشته في شبابها الباكر، ومن خلال رؤيتها وروايتها للأحداث نتعرف على المجتمع «الإسطنبولي» بكل ما فيه من سلبيات وإيجابيات، تتداخل فيها وتتقاطع السياسة مع الدين مع الحياة اليومية وحتى طريق الملبس والمأكل، من خلال شخصيات تم اختيارها بعناية تعاملت معها «كاتي» في عملها وحياة كل يوم، أو عندما وضعتها الظروف في قلب جريمتي قتل كصديقة (كما حدث في الرواية الأولى) أو مشتبه بها (في الرواية الثانية) وتدفعها للمشاركة في حل ألغازهما.

في المجمل نجحت الكاتبة في تقديم روايتين بنفس الأشخاص وبنفس مسرح الأحداث بطريقة جميلة وهادئة وناقدة تستحق أن تُقرأ إذا كان هناك أحد يريد التعرف على المجتمع التركي في عمومه، والطبيعة «الكوزمبولاتية» لمدينة «إسطنبول» بشكل خاص، بعيداً عن الصخب الإعلامي و«السياحي» المبالغ فيه غالباً.

طاهر عبد الرحمن

أقرأ التاريخ لأفهم المستقبل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى