سياسة وتاريخ

إسبانيا والسير على حبل التوازنات بين المغرب والجزائر

بينما أعين العالم متوجهة إلى الحرب الروسية-الأوكرانية تارة وإلى المخاوف من حرب عالمية ثالثة تارة أخرى وثالثة الوباء الجديد المسمى بجدري القردة فوجئ القادة والخبراء السياسيون بإعلان الحكومة الجزائرية تعليق معاهدة الصداقة والتعاون وحسن الجوار بين الجزائر وإسبانيا بالرغم من العلاقات الممتازة بين الجانبين والتي وصلت لشراء مدريد احتياجاتها من الغاز من الجزائر.

نصت معاهدة الصداقة على التعاون بين البلدين في المجالات الأمنية والاقتصادية ومكافحة الهجرة غير الشرعية وسبق هذه الخطوة استدعاء الجزائر لسفيرها من مدريد في مارس  2022 وأعلنت جمعية المصارف الجزائرية وقف الاستيراد من المملكة الإيبيرية تنفيذاً لقرار الحكومة، وقد أعلن رئيس الوزراء الأسباني بيدرو سانشيز عن أسفه للقرار الجزائري المفاجئ مؤكداً استمرار أسبانيا في العمل ببنود المعاهدة.

ولأنه إذا عرف السبب بطل العجب، فما قامت به الجزائر كان رد فعل على تحسن العلاقات الأسبانية – المغربية، فقد حط رئيس الوزراء الأسباني رحاله في الرباط مجتمعاً بالعاهل المغربي محمد السادس في السابع من أبريل الماضي فيما أطلق عليه الجانبان بداية مرحلة جديدة من العلاقات بينهما استأنفا بموجبه حرية السفر بين مواطنيهما والربط البحري بين البلدين وكان بيت القصيد هو تأييد مدريد لإجراءات الرباط حول مصير الصحراء الغربية علاوة على موافقة سانشيز على خطة الحكم الذاتي التي طرحها المغرب في الثامن عشر من مارس الماضي.

فأزمة الصحراء الغربية علاوة على النزاع على منطقة تندوف هما سبب توتر العلاقات بين الجارين الجزائر والمغرب انتهاءً بالقطيعة وإغلاق الحدود بين البلدين عام 1994، وقد توترت العلاقات بين المغرب وجارته الشمالية على ضفاف المتوسط عقب استقبال أسبانيا لرئيس حركة البوليساريو الانفصالية إبراهيم غالي بين شهري مايو ويونيو 2021 للعلاج من إصابته بفيروس كورونا.

تعتبر المغرب الصحراء الغربية جزءً من أراضيها في مقابل البوليساريو التي تأسست عام 1973 وطالبت باستقلال المنطقة من الاستعمارين الأسباني والمغربي وتلقت دعماً سخياً من الجزائر استمر حتى بعد جلاء الأسبان عن الصحراء الغربية عام 1975 وهو ما رفضه المغرب وطالب الملك الحسن الثاني من نظيره الجزائري هواري بو مدين وقف الدعم مؤكداً مغربية الصحراء لكن دون جدوى.

ساند النظام الجزائري إعلان الصحراء الغربية إقامة جمهوريتها المستقلة في يناير 1976،ومثل ذلك ضربة لجهود المغرب في الاستفادة من موارد الصحراء من الفوسفات ومصايد الأسماك فبنت المملكة المغربية جدارياً رملياً بين مدن الصحراء وأراضيها ما أراحها مؤقتاً من صداع البوليساريو المزمن لكن كل خصم للمغرب استخدم البوليساريو ورقة للضغط عليها وتصفية حساباته معها.

أسبانيا كانت من بين هذه الأطراف بسبب احتلالها لمدينتي سبتة ومليلة الاستراتيجيتين وحنقها من تدفق المهاجرين المغاربة غير الشرعيين إلى أراضيها، لكن المصالح الوطنية الأسبانية رجحت خيار المصالحة مع المغرب خاصة أن المغرب أكبر شريك تجاري لأسبانيا بما قيمته ستة عشر مليار يورو إضافة لمليار  يورو ينفقها السياح المغاربة عند زيارتهم للبلاد ومليار ومائتي مليار يورو ينفقها الأسبان في المغرب وهناك ألف شركة أسبانية تعمل في المغرب وسبعمائة ألف مغربي تساهم مشروعاتهم في بناء الاقتصاد الأسباني.

ساهم التعاون مع المخابرات المغربية في تفكيك عشرات الخلايا الإرهابية في أسبانيا كما أبلى المغربيون بلاءً حسناً في تقييد الهجرة غير النظامية إلى أسبانيا لذا حاول الأسبان الموازنة بين علاقاتهم مع الرباط والجزائر لكن ذلك سيتطلب مجهوداً نظراً للحزازيات وميراث الصدام بين الجزائر والمغرب وهو ما سيضعه صانع القرار الأسباني في حسبانه عند جسر الهوة مع الحليف المغاربي العنيد.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019
زر الذهاب إلى الأعلى