ثقافة وفنون

إرهاصات حول نشأة معهد الفنون المسرحية

لقد ظهرت البذرة الأولى لفكرة المدرسة المسرحية في القرن التاسع عشر، وترجع أولى هذه المحاولات لنجل صاحب مجلة وادي النيل أبو السعود أفندي؛ وذلك عندما قام نجله محمد يوسف بتقديم مقترح بإنشاء مدرسة للفنون المسرحية وذلك في مارس 1872، وشاركه في هذا الحلم مدرس اللغة الفرنسية “لويس فاروجين” وكان المشروع يحمل اسم “المسرح القومي”.

سعى محمد أنسي لتكوين فرقة قومية مع وجود مدرسة تساهم في تعليم وتدريس فن التمثيل المسرحي؛ وعليه تم تقديم المشروع للخديوي إسماعيل مع وجود تعهد من مقدمي المشروع بتدريس المناهج باللغة العربية، ويشير “د. سيد علي” في مجلة المسرح إلى أن هذه المذكرة لم يتم البت فيها وظلت معلقة دون موافقة أو رفض من قبل الخديوي، ويرجع “د.سيد علي” هذا إلى عدة أسباب منها:

وجود بند في العريضة المقدمة للخديوي يتيح الاختلاط بين البنين والبنات، حيث اشترط محمد أنسي وجود عدد أربعة بنات مع عشرة فتيان في كل مقرر دراسي، وكانت فكرة الاختلاط فكرة غير مرحب بها اجتماعيًا آنذاك، بالإضافة إلى اعتبار وقوف المرأة على خشبة المسرح أمر غير لائق، أضف إلى ذلك ارتفاع تكلفة إنشاء المدرسة -المعهد- حيث وصلت التكلفة الأولية قرابة الـ مائة وخمسة عشر ألف فرنك، وكان هذا مبلغًا ضخمًا وخصوصًا مع كثرة الديون في البلاد آنذاك بسبب مشروعات الخديوي إسماعيل التوسعية.

كانت ثاني هذه المحاولات الخاصة بوجود معهد لفنون المسرح والتمثيل مطلع عام 1910، حيث تشير المصادر إلى أن جورج أبيض تقدم بعريضة للخديوي عباس حلمي الثاني يطلب منه إنشاء مدرسة لتعلم الفنون المسرحية، وكان هذا عقب عودة جورج أبيض من فرنسا، حيث كانت أثرت عليه تلك التجربة في واجدنه، وألهمته موروثًا ثقافيًا وفكريًا هامًا.

قسم جورج أبيض العريضة إلى طلبات عدة، فكان منها ضرورة إنشاء جمعية تضم كافة المؤلفين وكتاب الدراما؛ معللًا ذلك بأن إنشاء جمعية للمؤلفين الدراميين سيكون مفيدًا وسيمكنهم من كتابة مسرحيات جديدة، ومن الاختيار من بين المسرحيات الموجودة بالفعل سواء كانت مترجمة عن لغات أجنبية أو راجعة إلى موهبة المؤلفين العرب، كما طالب بضرورة إنشاء لجنة تنفيذية لتنفيذ مشروع المسرح الحديث، مع وضع شروط وجب توافرها في أعضاء تلك اللجنة، منها امتلاك الثقافة الواسعة والدراية بعلم الأداء وفن المسرح الحديث، وجاء في العريضة ضرورة إعداد الممثلين والممثلات، وذلك عن طريق تأسيس مدرسة للدراما تكون عون للشباب في تعلم فنون المسرح والأداء، لكن هذه العريضة أصابها ما أصاب قبلها، حيث وضعت في قوائم الانتظار دون تحديد بالرفض أو القبول، وظلت في سجلات الحفظ؛ والمرجح أن سبب هذا يشبه نفس سبب العريضة؛ فالمبلغ المحدد لتلك المدرسة هو خمسون ألف فرنك.

المحامي العاشق للتمثيل:

عشق التمثيل والمسرح ووقع في غرامه فطلق المحاماة ليتجه إلى حبه الأول والأخير حيث الوقوف على خشبة المسرح، فكان بطل مسرحيات جورج أبيض على مدار خمس سنوات من 1912 إلى عام 1917، ثم كون بعد ذلك فرقته المسرحية، ومع ولعه الشديد راودته فكرة إنشاء مدرسة لتعليم فنون والسينماتوغراف، إنه “عبد الرحمن رشدي” المحامي العاشق للمسرح والتمثيل.

ففي عام 1923 كتب عبد الرحمن رشدي لائحة إلى الملك فؤاد لإنشاء مدرسة خاصة بالتمثيل مسترشدًا بلائحة المعهد الفرنسي للتمثيل، حيث قسم المعهد المراد إنشائه إلى أربعة أقسام، حيث قسم التمثيل المسرحي، وقسم التمثيل الصامت -تجدر الإشارة هنا إلى أن السينما آنذاك لم تكن تعرف الفيلم الناطق فهي كانت عبارة عن أفلام سينماتوغراف صامتة تقوم على الأداء الحركي والتمثيل الصامت – وجاء القسم الثالث مختصًا بعلم إدارة المسرح والإخراج وتكوين الفرق المسرحية، بينما القسم الرابع مختص بإدارة وإخراج الأعمال الخاصة بالسينماتوغراف، وكعادة اللوائح والعوارض السابقة لم يكتب لهذه اللائحة النجاح والتوفيق، على الرغم من قيام رشدي بعمل ملحق لهذه اللائحة، كما أنه قدم خطة للفصل بين البنين والبنات، وكان الاسم المقترح للمعهد هو “المعهد الملكي المصري للتمثيل والسينماتوغراف” وعلى الرغم من ذلك لم يكتب لهذه اللائحة النجاح والتوفيق.

وفي مقالة حول المعاهد الفنية بمصر في مجلة المسرح للدكتور سيد علي إسماعيل، يشير إلى فشل جميع المحاولات المطالبة للحكومة بإنشاء معهد يجمع فنون الدراما من تمثيل ومسرح؛ وذلك لارتفاع التكلفة من ناحية، ومن ناحية أخرى لأسباب متعلقة بالثقافة المجتمعية آنذاك؛ لذلك نجد أن البداية لفكرة وجود مؤسسة أكاديمية متخصصة في فنون التمثيل والمسرح بدأت بعيدًا عن القطاع الحكومي، حيث يشير الدكتور سيد إسماعيل إلى وجود معهد أهلي لتعليم فنون المسرح تحت اسم “معهد الإلقاء والتمثيل”، حيث أشارت جريدة المقطم إلى أن المعهد تم افتتاحه في فبراير من عام 1927، وكان مؤسسيه هما الدكتور فؤاد رشيد وأحمد ذكي باشا ومحمد فاضل باشا، ولهؤلاء ينسب الفضل في وجود أول معهدٍ في مصر والشرق الأوسط لتعليم فنون المسرح والإلقاء.

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية
زر الذهاب إلى الأعلى