سياسة وتاريخ

«إرث العبودية».. قيود تحيط الحاضر وتلقي بظلالها على المستقبل

تظاهراتٌ تجوب العالم، عنفٌ وتنديدٌ بالعنصرية، العالم مضطرب وكأنه لأول مرة يرى ويسمع عنها، رغم أن تاريخ العبودية مثقل بالمواقف والذكريات للأمم والشعوب.

أول من بدأ تجارة العبيد عبر التاريخ هم الرومان ثم العرب في القرنين السادس عشر والتاسع عشر، وكانت تجارة العبيد في تلك الفترة لها نظامًا اجتماعيًا يُسيّره أشخاص، أما الأوروبيون فقد حولوا تجارة العبيد وجعلوها نظامًا اقتصاديًا بتكوين شركات لهذا الغرض، خطفوا ما يقارب 12 مليون أفريقي أسود مسالم من غينيا وباعوهم كالحيوانات في أمريكيا، وكان قد سبقهم العبيد الذين عاشوا في إسبانيا والبرتغال.

وكان أصحاب البشرة السوداء لدى شعوب أوروبا وأمريكا منذ عقود أقل شأنًا منهم وذكاءً. ويبدأ تاريخ العبودية عندما نزح الأفارقة السود إلى أوروبا في القرن الخامس عشر، من الساحل الغربي الإفريقي قبل بداية تجارة الرقيق.

وتواصل الاستعباد في عصر الاستعمار الذي قام بخطف الناس من بلدانهم وبيعهم كعبيد، ولقد تم تكليفهم بأشق الأعمال وأذاقوهم أصنافًا من العذاب، حيث أنهم لا يصلون إلى مرتبة البشر بل لا يرقون إلا ما يحظى به الحيوان من احترام الإنسان الأبيض المتسلط.

إن لدى أوروبا وأمريكيا تاريخ أسود عنصري قبيح، ولازال إلى يومنا هذا مع الأسف تستكمل صفحات تاريخ العبودية والاضطهاد، فعقولهم الاستعمارية المستبدة وقلوبهم المتحجرة لم تتغير، لقد كان سكان أوروبا البيض يعتبرون السود وحوشًا، ويمكن للرجل الأبيض استعبادهم وإذلالهم كما يريد، وكانوا يعتبرون أنفسهم يمثلون الإنسان القوي الذي له السيادة المطلقة.

وصورت أفلام الشعوب الأوروبية ولوحاتهم الفنية وسينمات هوليوود، تاريخ العبودية على اعتبار أن أصحاب البشرة السوداء أشخاص تابعون أو خدام مخلصون للرجل الأبيض، أو يصورونهم على أنهم أذلّاء. لقد بنى الرجل والمرأة السود أوروبا وأمريكا مع البيض، وكان الجزاء التعذيب والاستعباد واستغلالهم في أصعب وأشق الأعمال. بل عمل العمال العبيد في ظروف كلها قسوة في مزارع القطن في الجنوب الأمريكي، ثيابهم رثة، وبطونهم خاوية، ومعاملتهم سيئة.

لقد كان العبيد فئران تجارب فقد كانت النساء ذوات البشرة السوداء المستعبدات يأتي بهن قسرًا لإجراء عمليات جراحية تجريبية بدون تخدير، هذا يدل أن العنصرية وصلت إلى الطبيب الذي هو في الأصل منقذ الإنسان.

ومر العبيد وخاصة النساء منهم، بتجارب مؤلمة لم يمر به أي إنسان بدون تخدير، كان الطبيب يأمر معاونيه بتقيدهم حتى يفعل ما يريد بدون رحمة ولا شفقة.

أي حقوق نتحدث عنها ونتشدق بها، اعتقادي أن إعلان حقوق الإنسان والمبادئ الثورية وشعارات الحرية والمساواة والإخاء هي في الواقع التطبيقي تهم الرجل الأبيض لا غير، فلو كانت كل المبادئ تهم الإنسان الكوني لما احتل الفرنسيون تونس ولما استغل الاستعمار المصريين لحفر قناة السويس بالسخرة.

ولو كانت حقوق الإنسان ومبادؤه عامة على كافة الإنسانية لما قتلت فرنسا مليون شهيد من الجزائريين وما تجرأ الألمان وهتلر على حرق اليهود في معسكراته ولما احتل الأمريكيون العراق وقتلوا شعبها ولما كان هناك تاريخ العبودية الطويل.

عن أي حقوق وعن أي إنسان المقصود بهذه الحقوق، هل المقصود الإنسان العبد الذي كان صائدوه في القرن السابع عشر يهجمون عليه في قريته الإفريقية مع أول الفجر وهو نائم فيأسرونه ويقيدونه بسلاسل من الحديد، ويختموهم بالأختام كالحيوان، ثم يحملون على السفن مع الضرب بالسياط على جلودهم السوداء، وهم في وسط المحيط لا يعرفون أين المقصد وأين المقر، فهل هؤلاء بشر يشملهم الحق في الحياة، هل هم أناس مثلنا أم مازال هناك في عصرنا من يعتبرهم أناس من الدرجة الثانية، ولماذا لا يعاقب كل من استعمل قوته العسكرية والمالية من أجل الانتهاك والاعتداء على الإنسانية؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

صلاح الشتيوي

كاتب تونسيي كتب العديد المقالات في السياسة والبيئة والاقتصاد تم نشر اغلبها بجريدة الشروق الورقية و بعض المواقع العربية .

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق