سياسة و تاريخ

إذا تهاوت الأسر، تداعت الدول

بعد استقلال الأمم المستعمرة، مورست سياسة الإنهاك، وذلك بالسماح بقيادة تلك الامم من قبل أشخاص ديكتاتوريين نرجسيين، لا يهمهم الا مصلحة ذواتهم ومحيطهم، سمح لهؤلاء بإغراق بلدانهم بديون تخدم الفساد، وتشتري الذمم، فكان أن زيد في عدد الضرائب التي تحملت الشعوب دفعها، تصرفها تلك الشعوب من دماء أبدانها، فتحولها نقدا والقلب يعتصر ألما، ازداد الفقير فقرا، وتداعت الطبقة الوسطى تتهاوى أسسها لتنضم للطبقة التي تحتها، كل هذا أدى الى قيام جدلية عقيمة بين الدول النامية بمؤسساتها والأسر والمجتمعات المكونة لها، فالدولة من فوق الهرم تفرض ضرائب دون أن تتحمل مسؤولياتها كاملة، فيما يخص التعليم والصحة والتشغيل..، والأسر من تحت الهرم، والتي من المفروض أن تلتزم بتربية أبنائها صارت منهوكة القوى في توفير لقم العيش لأولئك الأبناء، وتسديد ضرائب الدولة، وأهملت تربية ورعاية الأبناء، فالوالد اعياه العمل، والام لم تعد توازن بين تلفاز دخيل، وعمل بيت شاق وتربية الابن على النهج الصالح، بل لضيق الحال خرجت هي الأخرى تشتغل لتعين نفسها وزوجها على غلاء الأسعار المتزايد، والرواتب الهزيلة المستقرة، فترك الابن وحيدا لا مربي له الا الشارع.

إن ثقة الاسر بالدولة صارت ثقة مهزوزة، وذلك العقد الذي بينهما اضحى يُفرض بالنار والحديد، لا عن طيب خاطر، فكان أن نبت من تلك الأسر نشء كره القانون كرها، نشء يتحين الفرص من أجل قلع علامات المرور وكسر واجهات المؤسسات العمومية، ونبذ المعلم والمدرسة، ومقت كل من يفتتح يومه الوظيفي باسم الدولة، نشء يفرغ كبته صراخا في ملاعب الكرة، ويفرغها شهوة بين زحام الاسواق والحافلات، نشء يلام ولكنه ضحية سياسات الانهاك والفساد والظلم والجبروت المفروضة من عل…

إن هيبة الدولة والأسرة تتداعى لدى هذا النشء، لم تعد الدولة تخيف ولا الأسرة تحترم وتهاب، إن قوة الشارع تتقوى، وهي قوة فوضوية إذا قامت هلك فيها الكل، لأن الوعي ينقصها ولأن قوتها غير منظمة، لا يعرف لها رأس ولا قدم، قوة عاطفية تميل للأهواء، لا إلى عين العقل والمنطق، إن زيادة العنف من فوق وانعدام التواصل من الأسر من تحت، سيفضي الى فوضوية أكثر إنهاكا، فوضوية تتفكك فيها القوى وتتنازع، فوضوية تستفيد منها شركات السلاح العالمية، ومن بعدها شركات إعادة الاعمار، فوضوية سيصبح فيها أصحاب الأرض، الذين كانوا يتعصبون لأرضهم، مجرد بيادق بايدي الرأسمالية المتوحشة.

إن الامر يستدعي إعادة نظر وتدبر، فعقلاء الدول عليهم باصلاح ما افسدوه، فالدولة هي المسؤولة عن هذا التقهقر في القيم والمبادئ، لا بد من ثورة ذاتية تصحيحية، يصحح فيها مسار الركب، يجب على هذه الدول تصحيح ذاتها بنفسها واعادة صياغة الثقة المهزوزة بينها وبين الأسر والمجتمعات، وهذا يستدعي علاجا سياسيا إشعاعيا يقوم بعزل المفسدين في دائرة ضيقة يسهل استئصالها، عبر قوانين تطبق، لا ان تبقى رهينة كتب القانون فقط، وقضاء بتار لا يخاف في الحق لومة لائم، لا بد من الاسراع بهذه العملية التصحيحية فورا، وإلا تحول العلاج بترا لأعضاء الدولة الرئيسية، والتي إن وقع لا قدر الله فسيعقبه تفكك يعجل بوفاة الدولة اكلينيكيا.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مالك بوروز

كاتب وباحث مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق