ثقافة وفنون

إدغار موران.. رحلة ملحمية للمقاومة ضد النازية

في كتابه الجديد، المعنون بـ : “Les souvenirs viennent à ma rencontre”، يتحدث عالم السوسيولوجيا إدغار موران عن فترة شبابه في زمن المقاومة، التي طُرح فيها سؤال الشجاعة في الكثير من الأحيان.

في يوم الأربعاء 2 أكتوبر، يرتب إدغار موران في بيته الصغير الواقع وسط مدينة مونبولييه (هيرو) مواعيده؛ قصد الذهاب في يوم الموالي للاسترخاء في مدينة مراكش المغربية مرتاح البال، وفي سن الثامنة والتسعين، ما زال عالم السوسيولوجيا يتمتع بصحة ممتازة.

هل كان ليخطر في باله عندما كان في سن العشرين، أن يُقرر الانخراط في المعركة السرية ضد النازية والمساهمة؟ عندما كان عضوا من أعضاء حركة معتقلي الحرب والمرحلين للمقاومة، حمل حقائب مملوءةً بوثائق سرية، ونقل رسائل، وجند أفرادًا، وهرب من أيدي الشرطة النازية، وعرَض حياته للخطر دفاعًا عن الوطن ضد المُحتل.

في كتابه الأخير “les Souvenirs viennent à ma rencontre”، يروي هذه الرحلة الملحمية من بين ذكريات أخرى، من حياة طويلة طُرحت فيها بصورة متكررة مسألة الشجاعة، الجسدية والفكرية.

كيف يمكنك تعريف الشجاعة؟

إدغار موران : “إنها فن التغلب على الخوف، إنها الجملة الشهيرة التي قالها فيكونت توان قبل خوضه المعركة مخاطبًا جسده، قائلا: ” أيها الجسد، أنت ترتجف، لكنك سترتعش أكثر لو عرفت إلى أين سأقودك”، مع ذلك، بعض الناس لديهم شجاعة أكثر غريزية، وهذا جزءٌ من اختلاف الخصائص، أشعر بشجاعة فكرية أكبر من الشجاعة الجسدية، حيث ثمة شجاعة أخلاقية متمثلة في قول الحقيقة -حتى إن كانت لا تروقنا- و أن نبقى وحيدين، يساء فهمنا ونتعرض للظلم عندما نؤمن بشئ ما، إنها أيضًا تجربة عشتها”.

كيف يمكن للمرء حشد شجاعته؟

“الشجاعة شيئٌ يتم بناءه”

هذه جملة قالها أندريه مالرو، مأخوذة من كتاب l’Espoir، ذكرني بها صديقٌ من أتباع تروتسكي في بداية الحرب، لقد عشتها، وذلك على مراحل، مثل شخصٍ يذهب للسباحة، يُغطس قدميه، وينزل ​​حتى ركبتيه وبطنه ثم يغوص.

بدأت في شتاء 1941-1942 بالقيام بأعمال سرية صغيرة، مثل رسم عبارة « A bas Pétain! A bas Laval! » على جدران مدينة تولوز، ثم عندما تم احتلال فرنسا بأكملها في نوفمبر 1942، ذهبت إلى ليون، حيث كان يقوم كلاوس باربي من الشرطة النازية السرية بعمل أشياء فظيعة، وانتقلت للقيام بمهمات سرية أكثر تطورًا.

هل ترددت قبل الانضمام إلى المقاومة؟

في بداية الحرب، عندما كنت طالبًا في تولوز، لم أكن أخطط لخوض غمار هذا الخطر، ثم في ديسمبر 1941، غيّرت معركة موسكو -الهزيمة الأولى التي لحقت بالنازيين- ودخول الولايات المتحدة في الحرب وجهات النظر، فتولّد فيّ الأمل، وهذا ما كان ضروريًا بالنسبة لي للانتقال لمرحلة الفعل، بينما بدأ آخرون في وقت مبكر؛ من أجل المبدأ.

شعرت بعد ذلك بصراع داخلي، لقد كنت في العشرين من عمري، واعتقدت أنه إذا انضممت إلى المقاومة، فسأتعرض لخطر الموت، وكنت بحاجة لعيش حياتي.

في الوقت ذاته، فهمت أنه كان هناك فرق بين البقاء على قيد الحياة والعيش، ماذا تعني الحياة في ذلك الوقت؟ كان الشباب من عمري من الاتحاد السوفيتي أو الولايات المتحدة، يخاطرون بحياتهم في صراعٍ عالميٍ من أجل الحرية، وبدا أن مصير الإنسانية كان على المحك، ولم أتمكن من التجرد منه، إذا كان هناك قوة دفع، فنداء الطبيعة هذا منحني الشجاعة للشروع في العمل.

هل يعتاد المرء على الخطر؟

إدغار موران : في المدينة، يعد المقاوم فريسةً دائمةً يمكن إيقافها في أي لحظة، مثلما حدث للعديد من رفاقي. لكن الخوف يختفي شيئًا فشيئًا.

عندما سُئلت عن أوراقي، التي كانت حقيقية مع هوية مزورة، انتابني الخوف في البداية، بعد ذلك بدا الأمر طبيعياً بالنسبة لي، مثلاً عندما استقل القطار حاملًا وثائق حساسة؛ في البداية، كنت خائفًا ولم أبعد نظري عن حقيبتي، بعدها تعودت.

ما هي أوجه التشابه بين المقاومين؟

أن يكون المرء مقاومًا يعني أن يشعر بالضرورة بأنه مضطر للقيام بأعمال خطيرة، ولكن تتسم بأهمية كبرى، على نحو رمزي وعملي، وأعمال كان الاضطلاع بها مفيدًا خلال الحرب، لكن في المقاومة كما في الحياة، نشعر -مع بعضنا البعض- بأننا ننتمي إلى جماعة، نستكشف المصالح المشتركة، بينما نحس بتعاطف قليل تجاه الآخرين.

ماذا يعني أن تكون شجاعاً اليوم؟

يتعلق الأمر بالحفاظ على سلامة العقل والولاء لما يؤمن به المرء، وما يطلق عليه الناس قيمهم، إنه مقاومة كل ما من شأنه خيانة طموحاتنا وأفكارنا، ومقاومة التيارات السائدة، والتي تغلب عليها كثرة المصالح وعودة أشكال القديمة للبربرية، كما نرى في سوريا. “إدغار موران”

كما أنها تعني التعاطف مع المضطهدين والذين يتعرضون للإذلال، سواء كانوا فلسطينيين أو مهاجرين، بالنسبة لي هذا كل شئ.

المصدر : Edgar Morin : «Le courage, c’est résister à tout ce qui va trahir nos idées»

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ياسين ادوحموش

مترجم ومدون من المملكة المغربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق