أسلوب حياة

إدارة مملكة الذات

“لا ينتظر الإنسان من يعطيه قيمة، بل يعتز بنفسه بقدر معقول حد الاعتدال، وينافس نفسه للوصول للكمال”.

إن الإدارة ليست علمًا نخبويًا بالمرة! ولا يجب بأي حال من الأحوال أن يظن القارئ الكريم أن الإدارة هي ذلك العلم الخاص بأولئك الموظفين أصحاب البذلات الكلاسيكية الأنيقة وربطات العنق، هؤلاء يؤطرهم قانون إداري لأنهم موظفون عموميون، وهو قانون بدأ عرفيًا في فرنسا، وتمت كتابته على مراحل، لكن علم الإدارة هو علم عريق ويعالج ثمانية مبادئ أساسية عامة للعيش على الأرض، منها:

-إدارة الوقت (تنظيمه)
-حل المشكلات وإدارة الأزمات
-التخطيط الشخصي
-مهارات التواصل
-التفكير الإبداعي

تبدأ الإدارة من التخطيط (أي الإدارة الاستراتيجية)، وتنتهي في التنفيذ أي الإدارة التشغيلية، وبين هذه وتلك يبرز الإنسان المخطط والمنفذ، فهو العنصر الحيوي الذي يجب أن يقود نفسه نحو التطوير، والتغيير الإيجابي.

إدارة الوقت بين الماضي والحاضر

يقال أنه في الماضي كانت المشتتات قليلة وكان الناس لا يجدون مشكلًا في تنظيم أوقاتهم، حيث تجد من يعمل اثنتي عشرة ساعة متواصلة بتركيز (بعض العلماء والمخترعين أما العمال فكان يتم استغلالهم في مصانع الرأسمالية). أما الآن يركز الشخص بضع دقائق ثم تنهال عليه إشعارات وسائل الهلاك الاجتماعي، فتارة إشعار من الموقع الأزرق والأحمر والأصفر.. وأصبح يضيع وقت العديد من الناس في تعقب التافهين من الناس، حتى غاص مجتمعنا في تفاهة منقطعة النظير، وأصبحت مسألة تنظيم الوقت ضرورة ملحة وترتيب الأولويات أكثر إلحاحًا من ذي قبل.

لن أقدم في الحقيقة أية نصائح، ولكن سأوضح نقطة واحدة يؤكد عليها الدكتور إيهاب فكري دائمًا.. وهي أن القدرة على الترك أساس النجاح، أي أن أترك ما يجلب لي متعة لحظية زائلة، وأقوم بشيء غير محبب ويجلب لي فائدة، وهذه أهم فلسفة تقوم عليها هذه المهارة في عالمنا الإسلامي الذي يعاني من التقهقر الحضاري.

حل المشكلات وإدارة الأزمات: مهارة القرن الـ 21

لا يجب بأي حال من الأحوال أن يظهر القائد أمام أتباعه أو الأستاذ أمام تلاميذه أنه لا يستطيع حل مشكلة من المشكلات، فهذه المهارة هي تحصيل حاصل يجب أن يتسلح بها كل من يقود مجموعة بشرية في شتى المجالات، ولن يكون القائد قائدًا عظيمًا إلا إذا توفر في إنجازه ثلاثة معايير:
عظمة الهدف، وقلة الإمكانيات، وضخامة الإنجاز.

يجب أن يكون رد فعل الإنسان إيجابيًا تجاه المشكلات والأزمات، ويتجنب الغضب والتعصب لرأي معين، بل ينفتح على كل التجارب ويستفيد، ويخفض جناحه للعارفين، ويقسم المشكل لأجزاء صغيرة حتى يسهل التعامل معها، ولا بأس في أن يطلع على علم الخوارزميات حتى يتعلم طريقة حل المشكلات، فهي أساس العلوم المعاصرة، وسنحتاج أن نعرفها أكثر مادامت تؤثر في حياتنا يومًا بعد يوم.

لربما تكون هذه مهارة العصر بامتياز؛ فإذا كان الاختراع والتقنية يهيمنان على حياة البشر، فمن المفروض أن يمتلك من يتصدى لهما هذه المهارة حتى يبتكر بأقل الإمكانيات ويبدع بأقل التكاليف، خاصة في دول العالم الثالث التي يزداد البؤس فيها اضطرادًا وموازاة مع ازدياد رفاهية شعوب العالم المتطور!!

التخطيط الشخصي: في الحاجة لوجود أهداف في حياتنا 

يؤكد القرآن الكريم على أن مهمة الإنسان الوجودية على الأرض هي العبادة، ويفسر العلماء والفقهاء العبادة بكونها تتجاوز المعنى الضيق المحصور في الصلاة والزكاة.. بل تتعداه لكل عمل إيجابي له أثر على حياة الفرد وغيره من الخلق، لكن حينما توضع أهداف مادية في بعض الأحيان في منزلة أعلى من الهدف الوجودي فهذا دليل على خلل أصاب المجتمع (الإسلامي بطبيعة الحال، لا أتحدث عن مجتمعات لا أعيش فيها) متعلق بترتيب الأولويات. فمن يجعل من شراء شقة وسيارة وأرض وغيرها من المطالب المادية كأهداف لحياته!! فهذا مطالب بجلسة مع النفس، يرتب فيها أولوياته ودون أن ننسى البعض ممن يعلم أبناءه في مدارس البعثات، لأجل العلم المادي المحض؛ حتى يكتسب أبناؤه ثقافة الملموس والمحسوس، فلا عيب أن تعلم أبناءك في أحسن المدارس إن كنت ميسور الحال، لكن سلحهم بثقافة ودرع واقي إسلامي حتى يحافظون على فطرتهم من الدنس.

يجب أن يكون الهدف علمي، أدبي، فكري، روحي، تقني.. كل حسب تخصصه، كل وما سيقدمه للعالم، للأرض، للكون حتى، المهم أن يتبنى هدفًا يحبه بشغف، ويقاتل الظروف للظفر به. ويؤكد الخبراء أن الهدف يجب ألا يكون خياليًا صعب التحقيق، بل محقق وقابل للقياس لمراقبة مدى التقدم في تحقيقه ومناسبته لقدرات الفرد وطموحاته.

مهارات التواصل: حلقة من حلقات ضائعة في تواصلنا

نعاني كثيرًا في علاقتنا المهنية والشخصية والاجتماعية بسبب غياب قواعد التواصل البناء، فكلا الطرفين يستمع بغرض الهجوم على محاوره، ولا يسعى أحدهما لفهم الآخر، فالكل وضع حواجز إسمنتية حول مملكة ذاته حتى لا يتسرب الأغيار إلى حصنه المنيع، الكل يتباهى بأفكاره التي لا تقبل التفنيد.

من أهم النصائح في هذا الصدد أن لا يناقش الإنسان إلا في المواضيع التي يملك حد أدنى من المعلومات حولها حتى يجنب نفسه الحرج، ولا يستحي من سؤال من هم أكثر منه علمًا إذا كانوا متواضعين بطبيعة الحال، أما إن كان التكبر سمتهم تركهم في طغيانهم يعمهون، وبحث له عن ملجأ علمي.

إن التواصل الحقيقي هو الذي يقوم على مراعاة الاختلاف في الرؤى والأفكار، فرأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، ولينصت الإنسان لأجل الفهم، والتقارب بين القلوب.

التفكير الإبداعي: فكر خارج الصندوق

إن الأفكار التي لدينا مرجعها عدة مؤسسات تنشئة كالأسرة والمدرسة والجامعة، وهذه الأفكار تتجمع كصناديق في عقولنا، فكثيرة هي المعتقدات الثقافية التي زرعت فينا من طرف الأسرة والمدرسة النظامية وربما كانت خاطئة، أما المجمع الأكاديمي (الجامعة) فلا يقبل فيه إلا السمع والطاعة لقواعد البحث والتنقيب، حتى تجد أغلب اللامعين والمخترعين لم يتابعوا أية دراسة جامعية! إننا سنشاهد عما قريب تهاوي تلك الأبراج العاجية المسماة جامعات!! وسيسعى الفرد لطلب العلم عبر الشبكة العنكبوتية، متسلحًا بحبه للعلم والمعرفة والاطلاع، ولن يبتزه مدرس بنقطة أو يتطاول عليه عالم بعلمه، مغرور بفهمه. إننا أصبحنا نرى مهندسين في مجال التقنية يتطوعون للتدريس عن بعد في بلدان إسلامية رغبة منهم في المساهمة في الانبعاث الحضاري لأمتنا، بالإبداع كما بدأت أول مرة حينما نادى منادي السماء بكلمة اقرأ.

وفي الختام، حينما تكون معتزًا بنفسك، واثقًا منها، مرتاح البال، ترى في الوجود الجمال، آنذاك تكون في قمة السعادة، فليست السعادة في إمبراطورية المال أو السلطة، وليست في إقبال الغنى وإدبار الفقر!! إنما هي لقيمات يقمن صلبك، وعلم ينير عقلك، وثقافة توسع فكرك.

إن حسن إدارة مملكة الذات يتطلب الثورة على السبات، والتوكل على الله مع الجهد الجهيد لنيل الأماني والعيش الرغيد. لربما كنا في الوقت الخطأ لكن القائد الناجح لمملكة ذاته هو من ينجح في الوصول لبر الأمان، رغم العراقيل، رغم أنف الظروف، رغم المحن سيصل للمبتغى طالما تحيطه العناية الإلهية، طالما يعمل بلا كلل ولا ملل.

باختصار، الإدارة الجيدة للذات تتطلب التطوير المستمر والانفتاح على الشعوب والحضارات، وتجنب البذخ والسهرات الماجنات، وتعلم قنص الفرص والاستفادة من الخبرات.. فخذوها مني نصيحة: عيشوا ما أمكن أن تعيشون.. فما أكثر الأحياء الأموات!!

زر الذهاب إلى الأعلى