سياسة وتاريخ

مظاهرات لبنان: إحذروا ..! “لبنان مش مزحة”

لابد من التأكيد على أن مظاهر التظاهر في لبنان لا تشي بحقيقتها وجوهرها، فهذا الشعب الذي تنظرون إليه يرقص في الميادين هو في الحقيقة يتألم من تراكمات عقود من التهميش والفقر والفساد والنزعات الطائفية، فلا تنخدعوا من ضحكاتهم، إنهم فقط يحاولون أن يجملوا صورة التظاهر والرفض حتى لا يستفز بعضهم بعضا ولديهم تجربة طويلة ومريرة من الحرب الاهلية.

الشعب اللبناني يضحك ويرقص ويغني في الشوارع ليعبر عن رفضه بطريقته للوضع القائم، وقلبه يملأه الخوف من أن يساء فهمهم، أو تنحدر البلاد الى مستنقع المجهول الذي أصاب العديد من البلاد العربية بالخراب والفوضى بعد الثورة.

فلا تظنوا رقص اللبنانيين طربا، وإنما هم يحترقون لوعة وألما من فساد طال قوت أولادهم ومستقبلهم، وهجر شبابهم، وأذل كرمائهم، فالشعب اللبناني العظيم يقول كلمته ولا حول له ولا قوة له سوى الصرخة والضحكة والحنجرة في ميادين لبنان وشوارعها.

وإن اردنا تحليلا متأنيا للأحداث في لبنان، فإننا يجب أن ننطلق من طبيعة التسوية التي تقوم عليها لبنان منذ اتفاق الطائف عام 1989، هذا الاتفاق الذي وضع حدا للحرب الاهلية، وفي الحقيقة لقد نجح في ذلك الى حد كبير، ولكنه أخذ مقاربة تسوية الاقتسام والمحاصصة لأهم اقطاب الحرب الاهلية، مقاربة طائفية تعتمد على تقسيم مراكز الحكم الأساسية بين الطوائف ليحدث نوعا من التوازن، وبعد مرور اكثر من 30 عاما على اتفاق الطائف، تولدت مجموعة من الممارسات والأعراف السياسية أسست لهذا الشرط الطائفي، وبدى ان كل طائفة فرحت بما لديها، فالتقسيم الطائفي للسلطة وضع حدا للنزاع الطائفي،و الحرب الاهلية، لكنه انتقل الى المحاصصة الطائفية.

إن الظروف التي ساعدت على نجاح اتفاق الطائف وفرت معطيات كثيرة ومنطقية، حيث كانت الأولوية لوقف الحرب الأهلية ووضع حد لها بأي ثمن، لأنها كانت واضحة حيث أنه لا يمكن لأي طرف أن يفرض وجهة نظره أو ينتصر، فأفضل ما توصل له كل فريق بعد الحرب هو حماية منطقة نفوذه الخاصة به، فكانت الأولوية فقط لوقف الحرب والتقسيم المكاني لضواحي بيروت بأي شكل، حتى لو كانت وفق مقاربة التقسيم او المحاصصة الطائفية للسلطة، فلم يكن هناك خيار واقعي حينها أفضل من ذلك، وفق السياق المحلي والإقليمي والدولي الذي جاء من خلاله الاتفاق.

نجح اتفاق الطائف في وضع حد للحرب الأهلية، ولكنه لم ينجح في وضع حد للطائفية، ولم ينجح في الولوج إلى تنظيم دستوري ونظام سياسي قائم على قيم ومبادئ الديمقراطية، وبعيدا عن المحاصصة السياسية والطائفية، ولما كان أي طرف طوال هذه الفترة الممتدة على مدى 30 عاما لا يمتلك الجرأة او القدرة على الانقضاض على اتفاق الطائف، ولا تستطيع أي جهة أن تتحمل وزر ومسؤولية نقض الاتفاق أو نقض العهد حتى لو كان مطلبها ديمقراطيا ومشروعا.

وبالرغم من التغيرات الجسيمة التي دخل بها لبنان خصوصا بعد اغتيال الحريري، والمشاكل التي دخل فيها البلد من بداية الألفية الجديدة على كافة المستويات خصوصا الاقتصادية منها، وما أحدثته من اهتزاز في البنية السياسية في لبنان، وبعد العدوان الإسرائيلي على لبنان سنة 2006، وتنامي قوة حزب الله كقوة مقاومة مسلحة، بدا وكأن اتفاق الطائف مازال هو الصيغة الأقرب لضمان الاستقرار السياسي المشروط بإقامة التوازن وتحقيق السلم الاهلي.

في الحقيقة لا يمكن نكران الفضل الذي أحدثه اتفاق الطائف في وضع حالة من الاستقرار بعد الحرب الاهلية، ونتيجة لهذا الاستقرار استطاعت العديد من القوى السياسية أن تتمدد وتتجذر وتنشئ مصالح لأفراد الطبقة السياسية كما تفشت مظاهر التوريث، وبدت الطبقة السياسية وكأنها خارج إطار المحاسبة من قبل نظام سياسي ديمقراطي، وإنما كانت كل الأمور تدار من منطق المحاصصة الطائفية وتقاسم السلطة والنفوذ وفق مقاربات تسوية مؤقتة في كل مرحلة، لذلك تجد كل الفرق السياسية – الطائفية في لبنان وخصوصا القوى الأكثر نفوذا والتي استفادت كثيرا من ضمانات الطائف وحماية حصتها وفق هذا الاتفاق، مما جعلها غير قادرة على التحرر منه أو تجاوزه، وحتى بعد تنامي القوة السياسية والأمنية لحزب الله خصوصا بعد 2006، و حتى بعد 2011، وبرغم تنامي نفوذه السياسي داخل تشكيل السلطة، إلا انه لم يستطيع تجاوز عهد الطائف، وكما كان يبدو دائما بأنه لا يريد وغير مستعد لنقضه، بل يمكن القول انه تنامى في ظله، وكلمة السيد امين عام الحزب “بأنكم لا يمكن لكم نقض العهد بهذه الاحتجاجات، وأنها مضيعة للوقت”، وكأنه يريد أن يقول حتى القوة الشعبية وإرادة الجماهير لا يمكن لها ان تتجاوز هذا الاتفاق وهذه التسوية القائمة في لبنان بين الأحزاب والقوى والطوائف منذ اتفاق الطائف.

إن الشعب اللبناني من أكثر الشعوب العربية وعيا وثقافة وانفتاحا وديمقراطية في ممارساته الفردية والجمعية، كما أن الزلزال الثوري الذي ضرب المنطقة العربية من 2011 كان له أثر واضح على كل الشعوب العربية في المشرق والمغرب، ويبدو أن حركة التاريخ لا تتوقف عند اتفاق أو تسوية أو نظام قائم، وإنما وعي الشعوب بأحقيتها في الوصول إلى نظام ديمقراطي خال من الفساد والمحسوبية أقوى من أي مقاربة أو نظام مؤقت بين قوى سياسية مهما كانت أهميتها.

ولكل ذلك، ونتيجة لاستفادة الطبقة السياسية من تمدد وتأسس نفوذها السياسي والاجتماعي والاقتصادي منذ توازن الطائف في لبنان، فإنها لا تبدو الان مستعدة بما يكفي للخروج من نفق المحاصصة السياسية التي تمأسست كعرف سياسي لفترة طويلة، بل انها متعايشة معه حتى الآن، وكان يمكن أن يستمر هذا التعايش لو أن النظام القانوني وقيم الديمقراطية أهم لدى تلك الطبقة السياسية من المحاصصة الطائفية والخلاص الفردي، ولكن في ظل الاتفاق استشرى الفساد، ولم يعد أي فريق قادر على محاسبة الاخر، بل كل فريق بات يصارع في إطار أكبر لكسب ممكن وفق مساومات وتسويات مع باقي القوى وتقاسم النفوذ والسلطة وكل فريق وشطارته، دون الاكتراث بالمصلحة العامة، وبمقدرات الشعب اللبناني وقوته الجمعية، فكانت البيئة الأكثر تناسب مع تنامي كافة مظاهر الفساد السياسي، ليقين هذه الطبقة السياسية أنها خارج نطاق أي مسؤولية وطنية او محاسبة.

و نتيجة لانفتاح الشعب اللبناني ووعيه، وما بات يظهره من سنوات بأنه يرفض هذه الإدارة التي جاءت نتيجتها كارثية على المستوى القومي اللبناني والأمة اللبنانية، فبعدما كان الاعتقاد السائد بأن اتفاق الطائف وضح حد للحرب الأهلية، إلا انه أسس للطائفية وثبتها، وتحولت من خلال الممارسة إلى عرف سياسي مقبول وملزم ومكسب للجميع وتسعى كل القوى لتأبيده.

تنامى الوعي الشعبي، مع تنامي مظاهر الفساد السياسي، كانت كلمة الشعب اللبناني هذه المرة (كلن يعني كلن)، وهذا ما ينم عن وعي شعبي برفض كافة إفرازات المقاربة الطائفية لتقاسم النفوذ والسلطة في لبنان، وبدى فشل هذه التجربة المؤقتة، أو عدم قدرتها على الاستمرار في ظل استنفاذ الاستفادة منها لمرحلة ما بعد الحرب، ولكن اليوم الظروف تراكم تغييرات عميقة، فالشعب اللبناني الذي خرج في الشوارع في شهر ديسمبر 1989 احتفالا بانتهاء الحرب الاهلية ودخول عهد الوفاق الوطني، اليوم يخرج الى الشوارع لينقلب على كل هذه المظاهر التي خلفها الاتفاق بعد 30 سنة، وتحوله من اتفاق مؤقت لوقف الحرب الأهلية وبدء خطوات الانتقال الديمقراطي وصولا لتحقيق المصالح العليا للشعب اللبناني، وليس لمصالح طوائفه السياسية والعقائدية.

الشعب اللبناني الآن يصرخ في وجه كل الفرق السياسية، ويضرب مثالا للانصهار الوطني في إطار الأمة اللبنانية المتجانسة وفق ولاء المواطنة ووحدة الانتماء إلى لبنان، ومطلبه توفير نظام قانوني وطني يضمن المحاسبة ويخطط لنهضة القومية والدولة اللبنانية، ويحل معضلات الفساد السياسي، والتقاسم الطائفي، وفق مشروع وطني يجتمع تحت ظله كل اللبنانيين بمختلف انتماءاتهم، ولن يجدي نفعا تهديد القوى المستفيدة من هذا النظام بأن تهدد بالعودة الى الحرب الأهلية، فمطلب الناس ليس العودة للحرب الاهلية، لذلك هم يرقصون سوية، بل هم يرغبون في تجاوز مرحلة ما بعد الحرب الاهلية من اقتسام السلطة والمحاصصة، الى نظام وطني ديمقراطي يضع مصالح لبنان العليا وابنائه فوق كل اعتبار.

ويمكن القول أن الامر معقد وصعب جدا، فلا يمكن بسهولة مصادرة وتهديد مصالح تجذرت لعقود، وستواجه هذه الثورة محاولات اجهاض وتخويف وترهيب والتواء ووعيد، ويمكن أن تحدث سيناريوهات توافق بعض القوى والنخب السياسية الحاكمة التي كانت حتى وقت قريب متصارعة، تتوافق الآن على الوقوف في وجه الثورة لأنها تهدد مصالحهم جميعا، فلا تستغرب أن تحدث تحالفات مصلحية مؤقتة بين بعض الأطراف والطوائف التي تصارعت فيما بينها تحت إطار الطائف على تقاسم السلطة، ستجدها تتحد مع بعضها في مواجهة أي تغيير يهدد مصالحها القائمة.

لذلك فان أي حل منطقي يمكن أن يطالب به الشعب اللبناني يجب أن يرتكز على أهمية وجود نخب وطنية واعية، وبرجوازية وطنية قادرة ومستعدة للتضحية، ووضع دستور وطني ديمقراطي يحول لبنان من اتفاق محاصصة طائفية الى وطن ديمقراطي ينعم الجميع فيه بالمساواة وتكافؤ الفرص، ونظام قانوني صارم للمحاسبة في ظل سيادة القانون، ودور واضح للإرادة الشعبية، نظام قانوني ودستوري لا يصنف اللبنانيين، وانما يقوم على المواطنة والانصهار في إطار الوحدة الوطنية، ويعمل وفق الكفاءة والقدرة، وإعادة السلطة للشعب.

وهذا يحتاج الى نضال وتضحيات وصبر كبير، وله متطلبات يجب العمل على توفيرها في أسرع وقت، لأن التجربة العربية المعاصرة تقول بأن استعداد النظام للتحايل على الثورة أكثر وأسرع من قدرة الثورة على بلورة مطالب محددة وتوفير نخبة تحمي وتضحي لأجلها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى