مدونات

أين أنا؟.. غُصّة الحائر وسؤاله الدائم للتعرف على نفسه

أين أنا؟ أنا فقط على هذه الورقة صاخب بتوترات داخلية كفيلة بتشغيل توربينات السد العالي

قالها الكاتب والأديب يوسف إدريس في كتابه “الإرادة”، يقوم “إدريس” في هذا الكتاب بالتفكير مع القارئ، يشاطر تساؤلاته ويحفزه في أسلوب بعيد عن استعلاء الكاتب أو النفخ الكاذب في الذات، مع العلم أنه لم تكن هناك تنمية بشرية في هذا الوقت، حمدًا لله!

تلك الجملة تلازمني، أجدها تصفني كلما جلست أمام الورقة محاولةً التقاط خيط الوحي لتأتي الأفكار إليّ، أجدني مليئةً بالتوترات، عاجزةً عن كتابة إحداها على الورقة، فهي ستجلب لي المتاعب لو عبرت عنها؛ فحتى لو كنت أعبر عن الشعور بالحيرة فسيتم لومي. كيف أعبر عن حيرة فيما يرونه جليًا واضحًا؟

اقرأ أيضًا: الفطرة.. الذاكرة الأساسية الباقية مهما حاولوا تشويهها

لن أقوم بتخصيص هذا المقال لإدانة أولئك الذين يجعلونك تشعر بالغربة والغرابة ويصدرون لك فكرة أنك نبتٌ شيطاني لمجرد كونك حائرًا. “ولا تحس أنه في هذه اللوحات يبدي رأيًا أو ينتقد.. لا، إنه حائر.. مجرد حائر تعذبه حيرته وتقلقه”.

كلا لن أدين أولئك لسببٍ بائسٍ هو إني ومع تعرضي لهذا الهجوم والاستنكار وضرري منه، إلا أنه ينتابني الشعور بالحيرة مع من حولي بغير قصد، أنا الجاني والمجني عليه، الضحية والجلاد، تماهى الاثنان وصارا واحدًا.

فعندما أجد من استقر  رأيه في أحد الأمور التي تملأني حيرةً واختار موقفًا متحررًا أدينه لا إراديًا، أما الذي اختار موقفًا متحفظًا أدينه بداخلي أيضًا بغير قصد. لذا لم أعد أحزن كثيرًا حين أجد الشعور بالحيرة والكراهية من الأخر فأنا مع معاناتي منها أشاركه فيها للأسف.

حالة الوسط هي بغيضة وأراها إدمانًا؛ التأرجح بين القطبين دون أن أختار أحدهما، ظنًا أن الحياد مريح، بل هو النار بعينها أن تعيش في الوسط بدون رأي؛ لأن الحياة نسبية تحتمل الرأيين، فكل موقف يمر بك لا تختار ظنًا أنك هكذا نجوت، بل هلكت. فعدم الاختيار هو اختيار أيضًا بل أظنه أسوأ الاختيارات قاطبةً، فتلك الحياة المهتزة ليست الوسطية. لا تظن أنك هكذا الإنسان الوسطي اللطيف!

لم لا تنتمي إلى رؤية من الرؤيتين وتظل متقبلًا للآخرين من القطب الأخر (أو الأقطاب الأخرى إن وجدت) متفهمًا حيرة من علق فى المنتصف بين الأقطاب؟ ذلك هو الوضع المثالي الذي أصبو إليه ولا أدرى كيف أجتث ما زرعه المجتمع بداخلي من بُغض الأخر وكراهيته لاختلافه عني.

أجل أحيانًا من الجميل عمل المزيج من القطبين، وعلى سبيل المثال، الفكرة التي طرحها الداعية الإسلامي الحبيب علي الجفري، عن فكرة أننا عالقون بين بعض الأقطاب مثل الاشتراكية والرأسمالية لكل منهما مزايا ومثالب. لم لا نقوم بالوصول لصيغة وسط بينهما كما فهمت في برنامجه، أو نتجاوزهما إلى فكر أخر جديد؟

تلك فكرة مقبولة وأنا لم أكن أعني هذا فليس كل الأمور تحتمل فكرة المزيج تلك بل أحياناً نقف بين القطبين حيارى وعلينا أن نختار بينهما. ففي بعض المواقف لا نملك ترف الوقوف في المنتصف بل علينا الاختيار.

محاولة تقبُل أن الصواب للتغلب على الشعور بالحيرة أمر نسبي يختلف من موقف وظروف فهو شىء صعب للغاية. فعقلية القولبة وتحويل الناس إلى قوالب مطلقة من أول نظرة مريحة، وأزعم أنها تتفق مع طبيعة عقولنا للأسف الذي سيتعب كثيرًا لو عامل كل شخص يراه لأول مرة أنه يراه لأول مرة فعلًا بدون انطباعات مسبقة.

تصور معى أنك ترى شخصًا لأول مرة ولنسمه “س” عيناه ضيقتان ويضع صليبًا، سنخمن أنه من شرق آسيا، ومسيحي من الممكن أن يكون “س” من جنسية أخرى تمامًا، والصليب ربما أعطاه شخصًا ما كتخليص حق!

إذن ما الحل لنكون أشخاصًا نتقبل غيرنا، ذوي مبادئ لكن نتقبل من لا يشاركنا رؤيتنا للصواب ونلتمس له العذر؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

نورهان مصطفى

أول جمل ينشر مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق